فصل
ومعجزة القرآن هي المعجزة العظيمة، والآية الباقية ما بقيت الدنيا، ولا يشك الموافق والمخالف في مجيء محمد - ﷺ - به وظهوره من قبله، وإن أنكر هذا معاند جاحد فهو كإنكار وجود محمد - ﷺ - في الدنيا.
وإنما جاء اعتراض الجاحدين في إعجازه وظهور الحجة به.
ومن المعلوم بالضرورة أنه - ﷺ - تحدى العرب بما فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته، وأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا عن معارضته، وأحجموا عن مساجلته، وهم - كما قال بعض العلماء في وصفهم - كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد خصوا من البلاغة والحكم ما لا يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، يأتون من ذلك على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بدهيا في المقامات، وشدة الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل سمط اللآل،
[ ٢ / ٤٢٥ ]
فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها.
فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول. وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، صارخا بهم في كل حين، ومقرعا لهم بضعة وعشرين عاما على رؤوس الملأ أجمعين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ .
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
فلم يزل - ﷺ - يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلاهم، ويشتت نظامهم،
[ ٢ / ٤٢٦ ]
ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، مخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب والاغتراء بالافتراء.
وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ و ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ و ﴿إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ و﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
والمباهتة، والرضا بالدنية كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، و ﴿فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ . و ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ .
والادعاء مع العجز بقولهم ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ . وقد قال الله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ . فما فعلوا، وما قدروا،
[ ٢ / ٤٢٧ ]
ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة، كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ولا جنس بلاغتهم. انتهى ملخصا.
وقد جاء في الأخبار من اعتراف عقلائهم وفصحائهم بالعجز عن معارضته عند سماعه جمل كثيرة.
«ففي قصة عتبة بن ربيعة حين قرأ عليه النبي - ﷺ -: حم. فصلت، ورجع عتبة إلى قريش، وقال لهم:
" إني - والله - قد سمعت قولا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة.
يا معشر قريش، أطيعوني، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، أجابني بشيء، والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، إنه قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم»
[ ٢ / ٤٢٨ ]
«﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فأمسكت، وناشدته الرحم أن يكف.
وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب» ". رواه البيهقي وغيره في خبر طويل.
وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسا، فقال:
" والله ما سمعت بأشر من أخي أنيس، لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية، أنا أحدهم، وأنه انطلق إلى مكة، وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي - ﷺ -. قال: قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم، ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون ". رواه مسلم والبيهقي.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
«وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة - وكان زعيم قريش في الفصاحة - أنه قال للنبي - ﷺ -: اقرأ علي. فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . قال: أعد. فأعاد - ﷺ - فقال: " والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر ".
ثم قال لقومه: " والله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى» ".
وفي خبره الآخر حين جمع قريشا عند حضور الموسم، وقال: إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا. فقالوا: نقول: كاهن. فقال: والله ما هو بزمزمته
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: والله ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا بوسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه، وقريضه، ومبسوطه، ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم قائلون من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل إلى آخر القصة. رواه ابن إسحاق والبيهقي.
وما أحسن ما قيل: إن هذا القرآن لو وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله، وأن االبشر لا قدرة لهم على تاليف ذلك. فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق، وأبرهم، وأتقاهم، وقال: إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا؟ فكيف يبقى مع هذا شك؟ !.
[ ٢ / ٤٣١ ]
واعلم أن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة، وبينها بعض العلماء بما حاصله أنه ينحصر مقصود إعجازه في أمور أربعة، وعدها بعضهم أكثر من ذلك، وهو يرجع إلى ما قلناه.
الأول:
ما فيه من الإيجاز والبلاغة وحسن التركيب، بحيث وصل في كل منها إلى الرتبة العليا لفظا ومعنى، ولهذا اعترف عقلاؤهم وفصحاؤهم أنه لا يقوله بشر. وذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ فسجد، وقال: سجدت لفصاحته.
وسمع آخر رجلا يقررأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ، فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
والأخبار عنهم بمثل هذا كثيرة.
ولما سمع نصراني قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . قال: جمعت هذه الآية ما أنزل
[ ٢ / ٤٣٢ ]
على عيسى من أمر الدنيا والآخرة.
ولقد رام بعض سخفاء العقول محاكاة بعض قصار المفصل، فأتى من الهذيان بالعجب العجاب، كقول مسيلمة الكذاب اللعين: " يا ضفدع كم تنقين، أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين ". فلما سمع أبو بكر الصديق هذا الكلام قال: " إنه كلام لم يخرج من إل ". قيل: " الإل " بالكسر هو الله - تعالى - وقيل: " الإل " بالأصل: الجيد. أي لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن.
ولما سمع مسيلمة والنازعات قال: " والزارعات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا،
[ ٢ / ٤٣٣ ]
والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، لقد فضلتم علي أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر ".
وقال معارضا لسورة الكوثر: " إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، إن مبغضك رجل كافر ".
وكقول الآخر: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين شراسيف وحشا ".
وقال آخر: " الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، وشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل ".
وهذا كلام فيه من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم، فضلا عمن يعلم.
ثم جاء جماعة من المتأخرين ممن انتهت إليهم الرياسة في الفصاحة،
[ ٢ / ٤٣٤ ]
فتعرضوا لمعارضته، كابن المقفع والمعري والمتنبي، ونظراء لهم، فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع، وتنبو عنه الطباع، ونادى عليهم بالخزي والانقطاع، وصيرهم مثلة وسخرية وضحكة إلى أن تاب أكثرهم، وأظهر ندمه ونسكه.
والثاني:
أنه مع كونه من جنس كلام العرب قد جاء في نظمه وأسلوبه مخالفا لسائر فنونه من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع؛ فحير عقولهم، حتى لم يهتدوا إلى مثل شيء منه؛ إذ لا مثال له يحتذى عليه، ولا إمام يرجع عند الاشتباه إليه، وقد حكي عن غير واحد ممن تصدى لمعارضته أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك.
كما حكي عن يحيى بن حكم الغزال - وكان بليغ الأندلس في زمانه - أنه قد رام شيئا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو
[ ٢ / ٤٣٥ ]
على مثالها، وينسج بزعمه على منوالها، فاعترته منه خشية حملته على التوبة والإنابة.
وحكي أيضا أن ابن المقفع - وكان أفصح أهل زمانه - طلب ذلك ورامه، ونظم كلاما، وجعله مفصلا، وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبي يقرأ في مكتب: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر.
الثالث:
تأثيره في النفوس والقلوب، بحيث تجد من اللذة والحلاوة عند سماعه ما لا تجد عند سماع غيره، ولذلك كان قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قال القاضي عياض:
وأما غيره من الكلام - ولو بلغ من الحسن والبلاغة ما بلغ - يمل مع الترديد، ويعادى إذا عيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات، ويؤنس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك حتى أحدث لها أصحابها لحونا وطرقا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها.
ولهذا وصف النبي - ﷺ - القرآن: بأنه " «لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل وليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء» ".
الرابع:
ما فيه من الإحاطة بعلوم الأولين والآخرين، والإخبار بالغيوب الماضية والآتية، وجمعه لعلوم كثيرة لم تتعاط العرب الكلام فيها،
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ففيه من الإخبار بالغيوب الآتية شيء كثير، فوقع على ما أخبر كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ . وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾
. وقوله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ . والآيات في هذا كثيرة.
وفيه - أيضا - من أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية مما لم يكن يعلم القصة الواحدة منه إلا الفرد من أحبار أهل الكتاب، فيأتي به على وجهه، ويعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، ولقمان، وأشباه ذلك من الأنبياء.
قال القاضي عياض:
" ولم يحك عن واحد من اليهود والنصارى على شدة عداوتهم له، وحرصهم على تكذيبه، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وكثرة سؤالهم له - ﵊ - وتعنتهم إياه عن أخبار أنبيائهم، وأسرار علومهم وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم، مثل: سؤالهم عن الروح، وذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعيسى، وحكم الرجم، وما حرم إسرائيل على نفسه، وغير ذلك من أمورهم
[ ٢ / ٤٣٨ ]
التي نزل القرآن، فأجابهم بما أوحي إليه من ذلك - أنه أنكر ذلك أو كذبه، بل أكثرهم صرح بصدق نبوته، وصدق مقالته، واعترف بعناده وحسدهم إياه كأهل نجران وابن صوريا وابني أخطب وغيرهم ". انتهى.
ولا يرد على هذا ما قدمناه من خبر عيسى، وما في القرآن من مخالفة ما عند النصارى، وفي أنه ما قتل وما صلب؛ لأن الذي عندهم من خبر قتله وصلبه لا يدعون أنه من أخبار الأنبياء، وإنما يعزونه إلى تلاميذ عيسى، وأنهم نقلوا ذلك عمن شاهده، وهم ليسوا بأنبياء، ولا معصومين عن الخطأ.
هذا لو صح أن هذه الكتب محفوظة عنهم، وأنى يعلم ذلك؟ بل فيها من الكذب والتغيير ما أقمنا برهانه فيما تقدم، ولله الحمد.
وأما ما في القرآن من العلوم والمعارف - سوى ما تقدم - مما لم تعهده العرب عامة، ولا سيدنا محمد - ﷺ - خاصة قبل نبوته، فشيء هو مبلغ النهاية، كما قال الله - تعالى - ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . وقال عز
[ ٢ / ٤٣٩ ]
من قائل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس، وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عن الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن.
ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر، فضلا عن أن تحتاج إلى المحدثين المهلمين، أو إلى أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح:
" «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» "، فعلق ذلك تعليقا في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن
[ ٢ / ٤٤٠ ]
الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدث، كما كانوا محتاجين إلى نبي بعد نبي، وأما أمة محمد - ﷺ - فأغناهم الله برسولهم وكتابهم عن كل ما سواه، حتى إن المحدث منهم كعمر إنما يؤخذ عنه ما وافق الكتاب والسنة، وإذا حدث شيء في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب والسنة، فلا يقبله إلا إذا وافقهما.
وهذا باب واسع في فضائل القرآن الذي جاء به محمد - ﷺ - على ما سواه.
هذا وهو - ﷺ - رجل أمي لا يخط كتابا، ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس به عالم يعرف أخبار الماضين، ولا خرج في سفر ضاربا إلى عالم، فيعكف عنده، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل، وعلم الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين.
وهذا أدل دليل على أنه أمر جاءه من عند الله؛ ولهذا احتج عليهم بذلك في قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
[ ٢ / ٤٤١ ]
وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها؛ أي: هذا الكلام ليس من قبلي، ولا من عندي، ولا أقدر أن أفتريه على الله، ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة العلماء والتعلم منهم.
ولكن الله بعثني به، ولو شاء - سبحانه - لم ينزله علي، ولم ييسره بلساني، ولا لسان غيري، ولكنه أوحاه إلي، وأذن لي في تلاوته عليكم، ولا أدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبا وافتراء - كما تقولون - لأمكن غيري أن يتلوه عليكم، وتدرون به من جهته؛ لأن الكذب لا يعجز عنه البشر. وأنتم لم تدروا بهذا، ولم تسمعوه إلا مني، ولم تسمعوه من بشر غيري.
ثم أجاب عن سؤال مقدر، وهو أنه تعلمه من غيره، وافتراه من تلقاء نفسه، فقال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: تعلمون حالي، ولا تخفى عليكم سيرتي ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي، وتعلمون أني ما طالعت كتابا، ولا تتلمذت لأستاذ، ولا تعلمت من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة من عمري جئتكم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة في الأصول والأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، وقد عجز عن معارضته الفصحاء والبلغاء والعلماء.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
فكل ذي عقل سليم يعرف أن هذا لا يحصل إلا بالوحي من الله تعالى.
ولما كان علم ذلك ضروريا، وكان إنكار المعلوم بالضرورة يقدح في صحة العقل قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
فتأمل صحة هذا الدليل، وحسن تأليفه، وظهور دلالته.
قال القاضي أبو الفضل:
" كون القرآن من قبل النبي - ﷺ - وأنه أتى به، معلوم ضرورة، وكونه متحديا به معلوم ضرورة، وعجز العرب عن الإتيان بمثله معلوم ضرورة، وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوة البلاغة، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عن معارضته، واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته ". انتهى.
فعجز العرب عن معارضته حجة قاطعة، ومحجة ساطعة، ومحال أن يلبثوا ثلاثا وعشرين سنة على السكوت عن معارضة آية منه، تستلزم تلك المعارضة نقض أمره، وتفريق أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته، مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم، وقتل أكابرهم، وسبي ذراريهم، وهو لا يزداد إلا تقريعا لهم بعجزهم عن المعارضة، ويقول لهم: إن زعمتم أني افتريته لعلمي بأخبار الأمم فأتوا بمفترى مثله.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا تكلفه مصقع، وإلا لظهر ووجد من يستجيده، ويحامي عليه، ويزعم بمجرد الدعوى أنه عارض وناقض، فلما لم يوجد ذلك - مع أن كثيرا منهم هجاه وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته - قطع بعجزهم وتحيرهم وانقطاعهم.
قال أبو سليمان الخطابي:
" وقد كان - ﷺ - أعقل خلق الله، وقد قطع القول بأن ما أتى به من عند ربه، وأنهم لا يأتون بمثل أقصر سورة منه. فلولا أنه على بينة واضحة من ربه - علام الغيوب - وأنه لا يقع فيما أخبر به خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يمكن أن يكون ". انتهى.
قال بعض العلماء:
إن الذي أورده - ﷺ - على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب البيان والتقدم في اللسن بكلام مفهم المعنى عندهم، فكان عجزهم عنه
[ ٢ / ٤٤٤ ]
أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص، ولا يتعاطون علمه. وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، فدل أن العجز عنه إنما كان ليكون علما على رسالته وصحة نبوته.
واعلم أن جمهور العلماء وأهل السنة على أن القرآن معجز بذاته، لا يصح أن يكون مقدورا للبشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن اقتدار الخلق عليها كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصى.
ومن قال: إنه مما تمكن مماثلته، وأنه لا يمتنع أن تأتي به القوة البشرية فهو يقول: أن الله - تعالى - صرف الناس عن معارضته، فالإعجاز في هذا ظاهر - أيضا - لأن الله - تعالى - لما دعا أهل الخطابة والفصاحة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة لسانهم، إلى معارضة القرآن، فعجزوا عن الإتيان بمثله، لم يخف على أولي الألباب أن صارفا إلهيا صرفهم عن ذلك.
وعلى الطرفين فعجز العرب عنه ثابت، فالإعجاز به حاصل.
ولكن الصحيح هو الأول.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
[ ٢ / ٤٤٥ ]