إِن الشُّعُور بالاستعلاء والاستكبار على جَمِيع الْخلق دَاء عضال ومزمن عِنْد الْأمة الْيَهُودِيَّة ذكره الْقُرْآن الْكَرِيم عَنْهُم فِي آيَات كَثِيرَة وتزخر بِهِ نُصُوص كتبهمْ المقدسة لديهم وَمِنْهَا مَا ورد فِي توراتهم المحرفة "أَنْتُم أَوْلَاد للرب إِلَهكُم لِأَنَّك شعب مقدس للرب إلهك، وَقد اختارك الرب لكَي تكون لَهُ شعبًا خَاصّا فَوق جَمِيع الشعوب الَّذين على وَجه الأَرْض"١.
_________________
(١) انْظُر: سفر التَّثْنِيَة ١٤/١ وتكررت التَّسْمِيَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي التَّوْرَاة المحرفة مِنْهَا خُرُوج ١٩/٦ وتثنية ٧/٢ - ٨، ٢٨/٩ وَغَيرهَا.
[ ٢٧٣ ]
وَيَقُول الرِّبِّي عقيبا فِي المشنا (وَصَايَا الْآبَاء ٣/١٨): بَنو إِسْرَائِيل أحباء الله لأَنهم يدعونَ أبناءه، بل هُنَاكَ برهَان أعظم على هَذَا الْحبّ، وَهُوَ أَن الله نَفسه قد سماهم بِهَذَا الِاسْم فِي قَوْله فِي التَّوْرَاة: "أَنْتُم أَوْلَاد للرب إِلَهكُم" ١.
وَفِي مصطلحاتهم نجدهم يخلعون على أنفسهم صِفَات الْمَدْح والتعظيم فيسمون أنفسهم أَيْضا بـ (الشّعب الأزلي) وبالعبرية [عَام عولام]، و(الشّعب الأبدي) وبالعبرية [عَام ينصح]، و(شعب الله) وبالعبرية [عَام ألوهيم] ٢.
وانبنى على ذَلِك احتقارهم للأمم الْأُخْرَى وتسميتها بِأَلْفَاظ السباب والشتائم مثل (الجوييم) و(عاريل) و(ممزير) ٣، ثمَّ تَمَادَوْا فِي ادعائهم بِأَن لَهُم حق السيطرة على الْعَالم مَا داموا أَنهم أَبنَاء الله وأحباؤه.
بطلَان هَذِه الدَّعْوَى:
لقد بيّن الْقُرْآن الْكَرِيم بطلَان زعمهم بالأدلة الْوَاضِحَة الدامغة فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ
_________________
(١) النَّص من كتاب التلمود نقلا من كتاب (أبحاث فِي الْفِكر الْيَهُودِيّ، ص١١١ د. حسن ظاظا.
(٢) انْظُر: الشخصية الإسرائيلية ص٢٨، ٥٠ د. حسن ظاظا.
(٣) الجوييم: كلمة عبرية تَعْنِي القذارة المادية والروحية وَالْكفْر، أما كلمة (عاريل) فتعني (الأقلف) أَي الَّذِي لم يختتن فَهُوَ قذر وَكَافِر، وَهَذِه الْكَلِمَة أَصبَحت من نصيب النَّصْرَانِي لِأَن الْخِتَان غير شَائِع عِنْده، أما (ممزير) فتعني ابْن الْحَرَام أَو ابْن الزِّنَا ويطلقها الْيَهُود على الْمُسلم لِأَنَّهُ من سلالة إِبْرَاهِيم ﵊ من هَاجر - وَهِي عِنْدهم جَارِيَة وأجنبية - فَكل من ينتمي إِلَيْهَا منتسبًا بِالْأَصْلِ أَو بِالدّينِ إِلَى نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَهُوَ من سلالة إِسْمَاعِيل ﵊ فَهُوَ عِنْد الْيَهُود (ممزير) . (انْظُر: الشخصية الإسرائيلية ص٤٩) بِتَصَرُّف بسيط.
[ ٢٧٤ ]
خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ١.
قَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير الْآيَة الْكَرِيمَة: "لم يَكُونُوا يخلون من أحد أَمريْن:
إِمَّا أَن يَقُولُوا: هُوَ يعذبنا، فَيُقَال لَهُم: فلستم إِذا أبناؤه وَلَا أحباؤه فَإِن الحبيب لَا يعذب حَبِيبه، وَأَنْتُم تقرون بعذابه وَذَلِكَ دَلِيل على كذبكم، وَإِمَّا أَن يَقُولُوا: لَا يعذبنا، فيكذبوا مَا فِي كتبهمْ وَمَا جَاءَت بِهِ رسلهم، ويبيحوا الْمعاصِي وهم معترفون بِعَذَاب العصاة مِنْهُم فيلتزمون أَحْكَام كتبهمْ"٢.
قلتُ: قد كَانَ وسيكون عَذَاب الله ﷿ للْيَهُود على ذنوبهم فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة كَمَا بينّاه فِي أثْنَاء الحَدِيث عَن تاريخهم٣.
ثمَّ بَيَّن الله ﷿ بطلَان اصل الادعاء، وبيّن لَهُم مَا هُوَ الْحق من أَمرهم فَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَي لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم أَيهَا الْيَهُود، بل الْحق أَنكُمْ كَسَائِر الْبشر من خلق الله إِن آمنتم وأصلحتم أَعمالكُم نلتم الثَّوَاب، وَإِن بَقِيتُمْ على كفركم وجحودكم نلتم الْعقَاب، لَا فضل لأحد على أحد عِنْد الله إِلَّا بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح٤.
فَالنَّاس من أصل وَأب وَاحِد من آدم ﵊ وَهُوَ من تُرَاب قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ١٨.
(٢) انْظُر: تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ١/١٢٦.
(٣) انْظُر ص٢٩ وَمَا بعْدهَا.
(٤) انْظُر: بَنو إِسْرَائِيل فِي الْكتاب وَالسّنة ص٥٦٢ د. الطنطاوي.
(٥) سُورَة الرّوم، آيَة ٢٠.
[ ٢٧٥ ]
فَلَا فرق بَين أسود وأبيض وَلَا ميزة لفرد على آخر وَلَا فضل لإِنْسَان على إِنْسَان عِنْد الله إِلَّا بالتقوى وَهُوَ المقياس الصَّحِيح قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ١.
كَمَا أبطل الله ﷿ زعمهم بقوله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ ٢.
وتحداهم الله ﷿ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم لإِظْهَار كذبهمْ بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣.
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٤.
ثمَّ نقُول متعجبين ومستنكرين كَيفَ يكون الْيَهُود أَبنَاء الله وأحباؤه وَقد غضب الله عَلَيْهِم ولعنهم فِي كتبه المقدسة الْمنزلَة على أنبيائه الْكِرَام؟!، فقد ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم لعن الله ﷿ وغضبه عَلَيْهِم صَرَاحَة فِي أحد عشر موضعا فِي الْآيَات القرآنية الْآتِيَة: -
- قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) سُورَة الحجرات، آيَة ١٣.
(٢) سُورَة النِّسَاء، آيَة ٤٩ - ٥٠.
(٣) سُورَة الْجُمُعَة، آيَة ٦ - ٨.
(٤) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٩٤، ٩٥.
(٥) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٨٨.
[ ٢٧٦ ]
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ ٢.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٣.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٤.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ٥.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ٦.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٨٩.
(٢) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ١٥٩.
(٣) سُورَة آل عمرَان، آيَة ٨٧.
(٤) سُورَة النِّسَاء، آيَة ٤٦.
(٥) سُورَة النِّسَاء، آيَة ٤٧.
(٦) سُورَة النِّسَاء، آيَة ٥١ - ٥٢.
[ ٢٧٧ ]
عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ..﴾ ٣.
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
ولعنهم الله ضمنا مَعَ الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ والظالمين والكاذبين فِي آيَات كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.
كَمَا عذبهم ﷿ بألوان من الْعَذَاب لم تحدث لغَيرهم كالمسخ قردة وَخَنَازِير. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٥.
وحرّم عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لغَيرهم. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ
_________________
(١) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ١٣.
(٢) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٠.
(٣) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٤.
(٤) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٧٨، ٧٩.
(٥) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٠ - ٦٣.
[ ٢٧٨ ]
ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
وَقضى الله ﷿ عَلَيْهِم بالتشريد وَالْعَذَاب والمسكنة وَالْغَضَب عَلَيْهِم قَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢.
وَإِن إِنْزَال الْعَذَاب من الله ﷿ على الْيَهُود بِسَبَب كفرهم وعصيانهم ثَابت فِي كتبهمْ الَّتِي يقدسونها لتظل شَاهدا على افترائهم وكذبهم فقد ورد فِي توراتهم قَول مُوسَى ﵊: "لِأَنِّي أَنا عَارِف تمردكم ورقابكم الصلبة، هُوَ ذَا وَأَنا بعد حيّ مَعكُمْ الْيَوْم قد صرتم تقاومون الرب، فكم بالحري بعد موتى لِأَنِّي عَارِف أَنكُمْ بعد موتِي تفسدون وتزيغون عَن الطَّرِيق الَّذِي أوصيتكم بِهِ، ويصيبكم الشَّرّ فِي آخر الْأَيَّام، لأنكم تَعْمَلُونَ الشَّرّ أَمَام الرب حَتَّى تغيظوه بأعمال أَيْدِيكُم"٣.
وَذكرت المزامير بعض الْعُقُوبَات الإلهية الَّتِي نزلت على الْيَهُود بِسَبَب كفرهم وعصيانهم، وفيهَا: "وتعلقوا ببعل فغور وأكلوا ذَبَائِح الْمَوْتَى وأغاظوه بأعمالهم فاقتحمهم الوباء، فَوقف فينحاس ودان فَامْتنعَ الوباء لم يستأصلوا الْأُمَم الَّذين قَالَ لَهُم الرب عَنْهُم، بل اختلطوا بالأمم وتعلموا أَعْمَالهم، وعبدوا أصنامهم فَصَارَت لَهُم شركا، وذبحوا بنيهم وبناتهم للأوثان، وأهرقوا دَمًا زكيًا،
_________________
(١) سُورَة الْأَنْعَام، آيَة ١٤٦، ١٤٧.
(٢) سُورَة آل عمرَان، آيَة ١١٢.
(٣) تَثْنِيَة ٣١/٢٧ - ٣٠.
[ ٢٧٩ ]
دم بنيهم وبناتهم الَّذين ذبحوهم لأصنام كنعان، وتدنست الأَرْض بالدماء، وتنجسوا بأعمالهم، وزنوا بأفعالهم، فحمي غضب الرب على شعبه وَكره مِيرَاثه، أسلمهم ليد الْأُمَم وتسلط عَلَيْهِم مبغضوهم، وضغطهم أعداؤهم فذلوا تَحت يدهم "١.
وَقَالَ نَبِيّهم أرميا فِي رثاء بَيت الْمُقَدّس وَمَا أَصَابَهَا من الْأَعْدَاء: "لِأَن الرب قد أذلها لأجل كَثْرَة ذنوبها، ذهب أَوْلَادهَا إِلَى السَّبي قُدَّام الْعَدو"٢.
وَقَالَ أرميا عَن الله وعذابه: "نَحن أَذْنَبْنَا وعصينا أَنْت لم تغْفر، إلتحفت بِالْغَضَبِ وطردتنا"٣ وَقَالَ: "ردّ لَهُم جَزَاء يَا رب حسب عمل أياديهم، لعنتك لَهُم، اتبع بِالْغَضَبِ وأهلكهم من تَحت سماوات الرب"٤.
ثمَّ قَالَ فِي نِهَايَة رثاءه لما أصَاب بني إِسْرَائِيل: "لماذا تنسانا إِلَى الْأَبَد وتتركنا طول الْأَيَّام، ارددنا يَا رب إِلَيْك فنرتد، جدد أيامنا كالقديم، هَل كل الرَّفْض رفضتنا؟ ﴿هَل غضِبت علينا جدا؟﴾ "٥.
كَمَا أَن الأناجيل نسبت إِلَى الْمَسِيح ﵊ ذمّ الْيَهُود وتوعدهم بِالْعَذَابِ الإلهي، فَقَالَ: "يَا أورشليم يَا أروشليم، يَا قاتلة الْأَنْبِيَاء، وراجمة الْمُرْسلين إِلَيْهَا، كم أردْت أَن أجمع أولادك كَمَا تجمع الدَّجَاجَة فراخها
_________________
(١) المزمور ١٠٦/١٩ - ٤٧.
(٢) مراثي أرميا ١/٥.
(٣) مراثي أرميا ٣/٤٢، ٤٣.
(٤) مراثي أرميا ٣/٦٥، ٦٦.
(٥) مراثي أرميا ٥/٢١، ٢٢. وللاستزادة من الْأَسْفَار المقدسة لديهم فِي غضب الرب ﷿ وَسخطه عَلَيْهِم بِسَبَب كفرهم وضلالهم. رَاجع: سفر أرميا - الإصحاحات (٤)، (٦)، (١٣)، وسفر أشعيا - الإصحاح (١٤)، (٥١) .
[ ٢٨٠ ]
تَحت جناحها وَلم تريدوا، هوذا بَيتكُمْ يتْرك لكم خرابًا" ١.
ونكتفي بِهَذِهِ النُّصُوص فِي بَيَان بطلَان دَعْوَى الْيَهُود بِأَنَّهُم أَبنَاء الله وأحباؤه.
_________________
(١) إنجيل متّى ٢٣/٢٩ - ٣٩.
[ ٢٨١ ]