يَدعِي الْيَهُود أَن لَهُم حقوقًا تاريخية فِي فلسطين لِأَن أجدادهم سكنوها فَتْرَة من الزَّمن، بدءًا بإبراهيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب، ومرورًا بمُوسَى ويوشع بن نون عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِقَامَة مملكتهم زمن دَاوُد وَسليمَان عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وانتهاءًا بطرد آخر يَهُودِيّ من بَيت الْمُقَدّس فِي عصر التشرد والتشتت الْيَهُودِيّ الَّذِي بَدْء عَام ٧٠م.
وَيَدعِي الْيَهُود أَيْضا أَن لَهُم حَقًا دينيًا على مَا جَاءَ فِي كتبهمْ المقدسة لديهم أَن الله وعدهم بامتلاك (أَرض كنعان) فلسطين وَمَا جاورها (من النّيل إِلَى الْفُرَات) وَهِي أَرض الميعاد لتَكون لَهُم ملكا ووطنًا ويستدلون على ذَلِك بِمَا ورد فِي التَّوْرَاة أَن ذَلِك الْوَعْد كَانَ مَعَ أَبِيهِم إِبْرَاهِيم ﵊ حينما
[ ٢٨٦ ]
قَالَ لَهُ الرب: "لنسلك أعطي هَذِه الأَرْض من نهر مصر إِلَى النَّهر الْكَبِير نهر الْفُرَات"١. وَقَالَ لَهُ الرب أَيْضا: "وأقيم عهدي بيني وَبَيْنك وَبَين نسلك من بعْدك فِي أجيالهم عهدا أبديًا، لأَكُون إِلَهًا لَك ولنسلك من بعْدك، وَأعْطِي لَك ولنسلك من بعْدك أَرض غربتك كل أَرض كنعان ملكا أبديًا وأكون إلههم"٢. وَيَزْعُم الْيَهُود المعاصرون أَنهم أحفاد إِبْرَاهِيم وسلالته وَأَنَّهُمْ شعب الله الْمُخْتَار فهم الأحق إِذا بفلسطين وَمَا جاورها أَرض الْآبَاء والأجداد.
بطلَان هَذِه الدَّعْوَى:
فَأَما بِالنِّسْبَةِ لزعمهم بِالْحَقِّ التاريخي فنبين بُطْلَانه بالآتي:
١ - أَن من الثَّابِت تأريخيًا وجود الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة من الكنعانيين والفينقيين فِي فلسطين قبل ظُهُور الْيَهُود بآلاف السنوات، وَلم يَنْقَطِع وجود الْعَرَب واستمرارهم فِي فلسطين إِلَى يَوْمنَا بِخِلَاف الْيَهُود. وَقد بَينا ذَلِك من قبل٣.
٢ - أَن على الْيَهُود المعاصرين - سلالة الخزر - أَن يطالبوا بِالْحَقِّ التاريخي لمملكة الخزر بجنوب روسيا وبعاصمتهم (إتل)، وَلَيْسَ بفلسطين أَو بَيت الْمُقَدّس، لِأَن أجدادهم لم يطأوها من قبل، وَقد أوضحنا ذَلِك أَيْضا٤.
٣ - كَانَت مُدَّة بَقَاء بني إِسْرَائِيل فِي فلسطين لَا تزيد عَن ثَلَاثَة قُرُون
_________________
(١) سفر التكوين ١٥/١٨ وَقد ذكر الْوَعْد أَولا فِي تكوين ١٢/٧ ثمَّ ١٣/١٥ ثمَّ ١٧/٨، ثمَّ تَكَرَّرت الْوَعْد لإسحاق وَيَعْقُوب فِي تكوين ٢٦/١ - ٤، ٢٨/١٣، ثمَّ تكَرر مَعَ يُوشَع فِي سفر يُوشَع ١/٢ - ٤، ثمَّ تكَرر مَعَ دَاوُد فِي المزمور ٦٩/٢٥، ٢٦، وسفر صموئيل الثَّانِي ٧/٤ - ٦، ١٢ - ١٦.
(٢) تكوين ١٧/٧، ٨.
(٣) انْظُر ص٦.
(٤) انْظُر ص٥٣ وَمَا بعْدهَا.
[ ٢٨٧ ]
وَنصف قرن - وَبَعض المؤرخين يرى أَنَّهَا تبلغ خَمْسَة قُرُون - فَهَل الْمدَّة الَّتِي مكثوها فِي فلسطين كَافِيَة فِي إِثْبَات حَقهم مُقَابل وجود الْعَرَب فِي فلسطين من قبلهم وبعدهم لمئات الْقُرُون؟!!
وَأما بِالنِّسْبَةِ للحق الديني والوعد الإلهي لإِبْرَاهِيم ﵊ وانتسابهم إِلَيْهِ دينيًا فَهُوَ بَاطِل من وُجُوه عديدة نذْكر مِنْهَا مَا يَأْتِي: -
١ - بعد أَن أوضحنا بطلَان انتساب مُعظم الْيَهُود المعاصرين إِلَى سلالة إِسْرَائِيل (يَعْقُوب) بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فقد بَين لنا الْقُرْآن الْكَرِيم بطلَان انتساب الْيَهُود إِلَى إِبْرَاهِيم ﵊ دينيًا فَقَالَ ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وَقَالَ ﷿: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
٢ - أَنه لايسلم للْيَهُود صِحَة كتبهمْ المقدسة لديهم وَمَا احْتَجُّوا بهَا من نُصُوص، فقد أثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَنهم تجرؤا على كتب الله الْمنزلَة على أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل بالتحريف والتزوير والتغيير قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
_________________
(١) سُورَة آل عمرَان، آيَة ٦٥ - ٦٨.
(٢) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ١٤٠.
[ ٢٨٨ ]
وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ ١. وَهَذَا مَا سنبينه وَنَذْكُر الشواهد والأدلة عَلَيْهِ فِيمَا سَيَأْتِي٢ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣ - وعَلى فرض التَّسْلِيم لَهُم - جدلًا - صِحَة مَا استدلوا بِهِ على الْوَعْد الإلهي من كتبهمْ، فَإنَّا نقُول إِن الْوَعْد الإلهي قد أعطي لإِبْرَاهِيم أَولا عِنْد وُصُوله أَرض كنعان وَلم يُولد لَهُ ولد حِينَئِذٍ (تكوين ١٢/٧)، وتكرر الْوَعْد حِين رُجُوعه إِلَى أَرض كنعان من مصر (تكوين ١٣/١٥)، ثمَّ تكَرر الْوَعْد وَلم يكن لإِبْرَاهِيم ولد (تكوين ١٥/١٨)، ثمَّ تكَرر الْوَعْد لإِبْرَاهِيم بعد أَن ولد لَهُ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام (تكوين ١٧/٨) .
بِنَاء على ذَلِك فالوعد الإلهي من حق إِسْمَاعِيل ﵊ جدُّ الْعَرَب وَالْمُسْلِمين دون غَيره، لِأَن إِسْحَاق الابْن الثَّانِي لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يُولد بعد٣.
فَإِن قيل: بِأَن الْوَعْد الإلهي لَهُم بِالْأَرْضِ المقدسة إرثٌ وموطنٌ أبديٌ قد ذكر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٤.
فَالْجَوَاب: أَنه بِقطع النّظر عَن كَون يهود الْيَوْم هم غير بني إِسْرَائِيل القدماء
١ - سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ١٣.
٢ - فِي بحث عنوانه (الْأَسْفَار المقدسة عِنْد الْيَهُود وأثرها فِي انحرافهم - عرض وَنقد)
٣ - انْظُر: الصهيونية والعنف ص٦٦ د. حسن ظاظا، الصهيونية وخطرها على البشرية ص٧٢ د. حمود الرحيلي.
٤ - سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٢٠، ٢١، وَبِنَحْوِ هَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٣٧، وَسورَة الْإِسْرَاء، آيَة ١٠٤، وَسورَة الشُّعَرَاء، آيَة ٥٧ - ٥٩.
[ ٢٨٩ ]
- كَمَا بَيناهُ من قبل - وَأَن مَا جَاءَ فِي الْآيَة لَا يعنيهم؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْمَل من دَان باليهودية من غير بني إِسْرَائِيل وهم مُعظم أَو كل يهود الْيَوْم، فَإِن الْحق فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْمُفَسّرين هُوَ أَن عبارَة الْآيَة لَيست على التَّأْبِيد، وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّة بالزمن الَّذِي وعدوا فِيهِ بذلك ونتيجة لما كَانَ من استجابتهم لأوامر الله وصبرهم١.
وَذَلِكَ الْجَزَاء لإيمانهم وتفضيلهم على عالمي زمانهم سنّة إلهية فِي عباده ﷿، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٢.
فَلَمَّا انحرف بَنو إِسْرَائِيل عَن دين الله الْحق وَارْتَدوا وفسدوا وأفسدوا فِي الأَرْض لم يعد لَهُم حق بالتمسك بالوعد الإلهي لَهُم، بل كَانَ الْجَزَاء عَلَيْهِم بِمَا تضمنته الْآيَات الْكَرِيمَة بلعنة الله عَلَيْهِم وغضبه وعقابه بتشتيتهم فِي الأَرْض وتسليط من يسومهم سوء الْعَذَاب عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَضرب الذلة والمسكنة عَلَيْهِم أَيْن مَا ثقفوا جَزَاء لنقضهم مواثيق الله وكفرهم بآياته.
٤ - كَمَا يُمكن القَوْل أَيْضا أَن وعد الله لَهُم قد تحقق بعد مُوسَى ﵊ حينما دخل بَنو إِسْرَائِيل الأَرْض المقدسة بقيادة يُوشَع بن نون - فَتى مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَأَقَامُوا فِيهَا زمن دَاوُد وَسليمَان ﵉ حينما فَضلهمْ الله ﷿ على عالمي زمانهم، وَلَكِن حينما كفرُوا بِاللَّه وفسدوا وأفسدوا فِي الأَرْض غضب الله عَلَيْهِم فعذبهم وسلط عَلَيْهِم من يسومهم سوء الْعَذَاب وحرمهم من الأَرْض المقدسة وشردهم وشتتهم فِي الأَرْض.
_________________
(١) انْظُر: تَارِيخ بني إِسْرَائِيل من أسفارهم ص٥٣٧، ٥٣٨، مُحَمَّد دروزة.
(٢) سُورَة الْأَنْبِيَاء، آيَة ١٠٥.
[ ٢٩٠ ]
وَأما فِيمَا يتَعَلَّق بِمَسْأَلَة مَا إِذا كَانَ الْوَعْد أبديا وَلَا يُمكن نسخه فَيَقُول الدكتور الْفَرد جلوم - أستاذ دراسات الْعَهْد الْقَدِيم فِي جَامِعَة لندن: بِأَنَّهُ لم يقطع إطلاقًا أَي وعد غير مَشْرُوط بِأَن التَّمَلُّك سَيكون أبديًا، هَذَا مَعَ أَن الْمَقْصُود كَانَ فَتْرَة طَوِيلَة غير محددة. اهـ١.
٥ - إِن الْوَعْد الإلهي مَشْرُوط بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، فقد ورد فِي التَّوْرَاة الْأَمر بذلك وبالمثوبة عَلَيْهِ، والوعيد الشَّديد لمن كفر بِاللَّه وارتد عَن دينه وَنَصه: "فَإِن انْصَرف قَلْبك وَلم تسمع بل غويت وسجدت لآلهة أُخْرَى وعبدتها، فَإِنِّي أنبئكم أَنكُمْ لَا محَالة هالكون"٢.
وَقد ثَبت فِي أسفارهم المقدسة لديهم أَنهم قد كفرُوا بِاللَّه وَارْتَدوا وعبدوا آلِهَة وأوثانًا أُخْرَى، وَقد أوضحنا ذَلِك أثْنَاء سردنا لتاريخهم٣.
لذَلِك حل بهم الْعَذَاب وَالْبَلَاء وَالْغَضَب من الله وَهُوَ ثَابت أَيْضا فِي أسفارهم حَيْثُ يَقُول نَبِيّهم أرميا: "لماذا بادت الأَرْض واحترقت كبرية بِلَا عَابِر؟! فَقَالَ الرب: على تَركهم شريعتي الَّتِي جَعلتهَا أمامهم، وَلم يسمعوا لصوتي وَلم يسلكوا بهَا، بل سلكوا وَرَاء عناد قُلُوبهم ووراء البعليم٤ الَّتِي علمهمْ إِيَّاهَا آباؤهم، لذَلِك قَالَ رب الْجنُود إِلَه إِسْرَائِيل: هَا أنذا أطْعم هَذَا الشّعب أفْسِنْتينا٥، وأسقيهم مَاء العلقم، وأبددهم فِي أُمَم لم يعرفوها هم وَلَا آباؤهم،
_________________
(١) نقلا من كتاب الخلفية التوراتية للموقف الإمريكي ص٧٠ إِسْمَاعِيل الكيلاني.
(٢) سفر التَّثْنِيَة ٢٠/١٥ - ١٨.
(٣) انْظُر: ص٢٤ وَمَا بعْدهَا، وراجع سفر الْمُلُوك الثَّانِي ١٧/٩ - ١٧ وَغَيره.
(٤) البعليم: جمع إِلَه البعل، وَهُوَ إِلَه الْمزَارِع وَرب الخصب عِنْد الْقَبَائِل الوثنية. - انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص١٨٠.
(٥) نَبَات مُرُّ وسام (الْمرجع السَّابِق ص٩٥) .
[ ٢٩١ ]
وَأطلق وَرَاءَهُمْ السَّيْف حَتَّى أفنيهم"١.
وَقَالَ: "هَكَذَا قَالَ الرب: إِن كنت لم أجعَل عهدي مَعَ النَّهَار وَاللَّيْل فَرَائض السَّمَاوَات وَالْأَرْض، فَإِنِّي أرفض نسل يَعْقُوب وَدَاوُد عَبدِي"٢.
بل قد ورد التَّصْرِيح فِي أسفارهم المقدسة لديهم بحرمانهم من بَيت الْمُقَدّس بِسَبَب كفرهم وضلالهم وعصيانهم، فَقَالَ أشعيا: "فَكَانَ إليّ كَلَام الرب قَائِلا: يَا ابْن آدم إِن الساكنين فِي هَذِه الخرب فِي أَرض إِسْرَائِيل يَتَكَلَّمُونَ قائلين: إِن إِبْرَاهِيم كَانَ وَاحِدًا وَقد ورث الأَرْض وَنحن كَثِيرُونَ، لنا أَعْطَيْت الأَرْض مِيرَاثا، لذَلِك قل لَهُم: هَكَذَا قَالَ السَّيِّد الرب تَأْكُلُونَ بِالدَّمِ وترفعون أعينكُم إِلَى أصنامكم وتسفكون الدَّم، أفترثون الأَرْض ﴿﴿وقفتم على سيفكم فَعلْتُمْ الرجس، وكل مِنْكُم نجَّس امْرَأَة صَاحبه، أفترثون الأَرْض﴾﴾ "٣.
فَمَتَى نقض الْيَهُود عهد الله فَإِنَّهُ ﷿ لَا ينفذ عَهده ووعده لَهُم بل ينفذ وعيده وعذابه، فالأرض لله يُورثهَا من أَقَامَ دينه وَاتبع تعاليمه لَا من يفْسد فِي الأَرْض ويعيث فَسَادًا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٤.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٥.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
_________________
(١) سفر أرميا ٩/١٢ - ١٦.
(٢) سفر أرميا ٣٣/١٩ - ٢٥ بِاخْتِصَار.
(٣) سفر أشعيا ٣٣/٢٣ - ٢٦.
(٤) سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٢٨.
(٥) سُورَة الْأَنْبِيَاء، آيَة ١٠٥.
[ ٢٩٢ ]
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٢.
والمسلمون هم المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَة إِذا صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَرَجَعُوا إِلَى كتاب الله ﷿ وَسنة نبيه، وتمسكوا بِالْإِسْلَامِ كَامِلا أفرادًا وأسرًا ومجتمعات ودولًا، ونكتفي بِهَذِهِ الْأَوْجه فِي الرَّد على مزاعم الْيَهُود وَبَيَان بُطْلَانهَا٣.
_________________
(١) سُورَة النُّور، آيَة ٥٥.
(٢) سُورَة الْحَج، آيَة ٤١.
(٣) انْظُر: للتوسع التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام ١/٣١٧ - ٣٢٢ د. صابر طعيمة، الخلفية التوراتية للموقف الإمريكي ص٤١ - ٩٤ إِسْمَاعِيل الكيلاني، الْيَهُود والتحالف مَعَ الأقوياء ص١٤٦ - ١٦٨ د. نعْمَان السامرائي، الصهيونية وخطرها على البشرية ص٦٩ - ١٠٦ د. حمود الرحيلي، بَنو إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ص٢٦٣ - ٢٦٥ د. مُحَمَّد عبد السَّلَام مُحَمَّد.
[ ٢٩٣ ]