على أثر ثورة من الثورات المتكررة الَّتِي كَانَ يقوم بهَا الْيَهُود سنة ٧٠م
_________________
(١) كلمة يونانية أَخذهَا العبريون إِلَى لغتهم وتعني التَّفَرُّق فِي الأَرْض والذهاب فِيهَا أشتاتًا (انْظُر: الشخصية الإسرائيلية ص٦٥ د. حسن ظاظا) .
[ ٢٥٩ ]
دمّر الإمبراطور الروماني تيطس (هيكل سُلَيْمَان) مرّة ثَانِيَة وَقتل وسبى عددا كَبِيرا من الْيَهُود١.
وَفِي سنة ١٣٥م قَامَ الْيَهُود بثورة أُخْرَى زمن الإمبراطور الروماني أدريانوس الَّذِي دمّر مَدِينَة أورشليم، وَبنى مَكَان الهيكل معبدًا لـ (جوبيتير) كَبِير آلِهَة الرومان وغيّر اسْم الْمَدِينَة إِلَى (إيليا كابيتولينا)، وتخلص من الْيَهُود فِيهَا بِالْقَتْلِ والتعذيب والتشريد وَالنَّفْي ومنعهم من دُخُولهَا٢. فازداد تشَتت الْيَهُود وتفرقهم فِي أنحاء الْعَالم - عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل مُنْذُ التدمير الثَّانِي للهيكل - فِي دوَل آسيا وأوروبا وإقريقيا.
يَقُول المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس: "إِلَى هُنَا يَنْتَهِي تَارِيخ الإسرائيليين كأمة، فَإِنَّهُم بعد خراب أورشليم تفَرقُوا فِي جَمِيع بِلَاد الله، وتاريخهم فِيمَا بَقِي من العصور مُلْحق بتاريخ الممالك الَّتِي توطنوها أَو نزلُوا فِيهَا، وَقد قاسوا فِي غربتهم هَذِه صنوف الْعَذَاب وَالْبَلَاء، فَإِن الرومانيين حظروا عَلَيْهِم دُخُول أورشليم"٣ ا؟.
وَمَعَ تشتتهم فَإِن الْعَذَاب كَانَ يحل بهم أَيْنَمَا حلوا، وتعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي يسكنون فِيهَا بِسَبَب كفرهم وفسقهم وفسادهم وإفسادهم فِي الأَرْض وإشاعتهم للفتن والرذائل وَأكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ قَالَ الله تَعَالَى
_________________
(١) انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٧١ - ٧٨، تَارِيخ بني إِسْرَائِيل من أسفارهم ص٣٨١ دروزه، أبحاث فِي الْفِكر الْيَهُودِيّ ص٣٦، ٣٧ د. حسن ظاظا.
(٢) انْظُر: أبحاث فِي الْفِكر الْيَهُودِيّ ص٣٦ - ٣٨ د. حسن ظاظا، التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام ١/١٥٢ د. صابر طعيمة، الْقُدس عَرَبِيَّة إسلامية ص١٢٦ - ١٢٨ د. سيد فرج، الْيَهُودِيَّة العالمية ص٢٦ عبد الله التل.
(٣) انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٧٧.
[ ٢٦٠ ]
عَنْهُم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
فَكَانَ عِقَاب الله ﷿ عَلَيْهِم بِأَن سلّط عَلَيْهِم من يسومهم سوء الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وَقَالَ الله ﷿: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ٣
فَسلط الله عَلَيْهِم الآشوريين والفراعنة المصريين والبابليين واليونانيين والبطالسة المصريين الوثنيين ثمَّ الرومان الوثنيين والنصرانيين قَدِيما وحديثًا لقرون عديدة، ثمَّ بعد بعثة النَّبِي ﷺ سلطه الله ﷿ عَلَيْهِم فَأجلى بني قينقاع وَبني النَّضِير عَن الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَقتل بني قُرَيْظَة وَحَارب يهود خَيْبَر حَتَّى استسلموا لَهُ وصالحوه، ثمَّ أوصى بإخراجهم من جَزِيرَة الْعَرَب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ:
_________________
(١) انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٧٧.
(٢) سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٦٧.
(٣) سُورَة الْإِسْرَاء، آيَة ٤ - ٨.
[ ٢٦١ ]
"لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أدع إِلَّا مُسلما" ١.
وَفِي الْعَصْر الحَدِيث كَانَ الْيَهُود يسامون سوء الْعَذَاب فِي الدول الأوروبية النَّصْرَانِيَّة وَغَيرهَا فمثلًا اضطهدوا فِي بريطانيا سنة ١٢٩٨م حينما أَمر الْملك ادوارد الأول بطرد الْيَهُود من جَمِيع الْبِلَاد البريطانية، وفتك البريطانيون باليهود فتكًا ذريعًا.
وَفِي فرنسا اضطهدهم الْملك لويس التَّاسِع، وَفِي عهد الْملك فيليب الْجَمِيل سنة ١٣٠٦م، وَفِي سنة ١٣٢١م نكل بهم الفرنسيون وطردوهم، وَأَيْضًا فِي سنة ١٥٨٢م طردوا مرّة أُخْرَى.
وَفِي إيطاليا حاربهم بابوات الْكَنِيسَة الكاثوليكية حَربًا شعواء، وَفِي سنة ١٥٤٠م ثار عَلَيْهِم الإيطاليون فَقَتَلُوهُمْ وطردوهم.
وَفِي روسيا حدثت مذابح فظيعة فِي عهد الحكم القيصري النَّصْرَانِي خَاصَّة فِي سنة ١٨٨١م، وَسنة ١٨٨٢م، وَسنة ١٩٠٢م حَيْثُ قتل الْيَهُود بالآلاف.
وَفِي ألمانيا ظلّ الْقَتْل والطرد باليهود قَائِما فِي القرنين الثَّانِي عشر وَالرَّابِع عشر الميلاديين، وَكَانَ آخر مَا لاقوه من عَذَاب وتقتيل وتشريد على يَد هتلر النازي إبتداء من توليه الحكم فِي ألمانيا ١٩٣٣م إِلَى ١٩٤٥م٢.
_________________
(١) أخرجه الإِمَام مُسلم ٣/١٣٨٨ وَغَيره عَن عمر (، وَأخرجه البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: "أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب". (انْظُر: فتح الْبَارِي ٦/٢٧١) .
(٢) رَاجع فِي تَفْصِيل تِلْكَ الإضطهادات: تأريخ الإسرائيليين ص٨٠ - ٩٧ شاهين مكاريوس، خطر الْيَهُودِيَّة العالمية على الْإِسْلَام والمسيحية ص١٠٦ - ١٢٠ عبد الله التل، التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام ٢/٤٧ - ٧٣ د. صابر طعيمة، الشخصية الإسرائيلية ٨٤ - ٩٠ د. حسن ظاظا، بَنو إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ص١١٣، ١١٤ د. مُحَمَّد عبد السَّلَام.
[ ٢٦٢ ]
يتَبَيَّن لنا من هَذِه الْأَمْثِلَة والنماذج لاضطهادات الْيَهُود فِي كل الْبِلَاد الَّتِي نزلُوا بهَا أَنهم تعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي سكنوها وغضبهم يَسْتَوِي فِي ذَلِك تاريخهم الْقَدِيم والوسيط والْحَدِيث والمستقبل أَيْضا حسب الْوَعيد الإلهي فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بِأَنَّهُم يسامون الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون ذَلِك على يَد الْمُسلمين إِن شَاءَ الله كَمَا وَردت بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي أَن الْمُسلمين سيقاتلون الْيَهُود فيقتلونهم حَتَّى يَقُول الشّجر وَالْحجر: تعال يَا مُسلم فَإِن ورائي يَهُودِيّ فاقتله١.
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ: (انْظُر فتح الْبَارِي ٦/١٠٧) .
[ ٢٦٣ ]