- فَأرْسل الله ﵎ مُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام ابْني عْمرام بن قَهَات بن لاوي بن يَعْقُوب١عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى فِرْعَوْن وَقَومه مؤيّدين بالمعجزات لدعوتهم إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه وَحده وَرفع الْعَذَاب عَن بني
_________________
(١) سلسلة النّسَب من سفر التكوين ٦/١٦ - ٢٠، وَقد عَاشَ مُوسَى فِي الْقرن الثَّانِي عشر قبل الميلاد تَقْرِيبًا.
[ ٢٤٧ ]
إِسْرَائِيل، فكذب فِرْعَوْن وَقَومه وعصوا وَكَفرُوا بِاللَّه وآياته، فَأمر الله رَسُوله مُوسَى أَن يخرج ببني إِسْرَائِيل من مصر، فأتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده، فأغرقهم الله فِي اليمّ، ونَجَّا مُوسَى وَقَومه إِلَى أَرض سيناء.
- وَكَانَ قوم مُوسَى ﵊ من بني إِسْرَائِيل - الَّذين خرج بهم من مصر - قد عاشوا فِي الْعُبُودِيَّة والذل والوثنية سنوات مديدة، ففسدت عقائدهم وخبثت نُفُوسهم وضعفت همتهم وَظهر عنادهم وكسلهم وتواكلهم وتخاذلهم وعصيانهم لأمر الله وَرَسُوله، ونريد أَن نقف هُنَا بعض الوقفات لنبين بعض أَخْلَاق سلف الْيَهُود وآبائهم مِمَّن كَانُوا مَعَ مُوسَى ﵊ فِي الْأُمُور الْآتِيَة:
- أَنهم شكّوا فِي موت فِرْعَوْن بعد أَن أغرقه الله فِي الْبَحْر، فَأمر الله تَعَالَى الْبَحْر أَن يلقيه بجسده سويًا بِلَا روح١. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٢.
- وَلما جاوزوا الْبَحْر ونجوا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
- وحينما وصلوا إِلَى صحراء سيناء وأحسوا بالعطش تذمروا وَشَكوا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام٤ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ
_________________
(١) انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ٢/٤٤٦.
(٢) سُورَة يُونُس، آيَة ٩٢.
(٣) سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٣٨ - ١٣٩.
(٤) انْظُر: سفر الْخُرُوج ١٧/١ - ٧.
[ ٢٤٨ ]
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
- وَبعد أَن شربوا وأطفؤا ظمأهم جأروا بالشكوى إِلَى مُوسَى من الْجُوع وسألوا الطَّعَام٢ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ٣.
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ المنّ ينزل عَلَيْهِم على الْأَشْجَار، فيغدون إِلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شاؤا، والسلوى طَائِر يشبه بالسماني كَانُوا يَأْكُلُون مِنْهُ٤.
- ثمَّ طلبُوا بعد ذَلِك الْمَكَان الظليل الَّذِي يقيهم من حر الصَّحرَاء فَسَأَلَ مُوسَى ﵊ ربه ذَلِك، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٥.
وعَلى الرغم من كَثْرَة الْآيَات والمعجزات من الله ﷿ لقوم مُوسَى، فقد أظهرُوا العناد والمكابرة وَعدم الْإِيمَان حَتَّى يرَوا الله جهرة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٦٠.
(٢) انْظُر: سفر الْخُرُوج صَحَّ١٦.
(٣) سُورَة طه، آيَة ٨٠.
(٤) ذكره الإِمَام ابْن كثير فِي تَفْسِيره ١/٩٨ - ١٠٠، كَمَا ذكر أقوالًا أُخْرَى فِي تَعْرِيف الْمَنّ والسلوى.
(٥) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٧. وَانْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/١٠٠ - ١٠١، فِيمَا نَقله عَن السّديّ ووهب بن مُنَبّه وَغَيرهمَا فِي تَفْسِير الْآيَات الْكَرِيمَة السَّابِقَة.
[ ٢٤٩ ]
بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ٢.
وَبعد هَذِه المعجزات والآيات الْبَينَات الَّتِي امتن الله بهَا على بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُم – حينما ذهب مُوسَى ﵊ لميقات ربه لأخذ التَّوْرَاة على جبل طور سيناء واستبطأوا رُجُوعه - رجعُوا إِلَى مَا ألفوه من الوثنية بِمصْر فعبدوا الْعجل٣، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وَمَعَ فداحة الذَّنب وَعظم الْخَطِيئَة فَإِن رَحْمَة الله ﷿ أكبر، وعفوه ﵎ أوسع وَأعظم قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٥ - ٥٦.
(٢) سُورَة النِّسَاء، آيَة ١٥٣.
(٣) انْظُر: سفر الْخُرُوج صَحَّ ٣٢، وتتهم توراة الْيَهُود هَارُون ﵊ بِأَنَّهُ صنع الْعجل لبني إِسْرَائِيل وَأمرهمْ بِعِبَادَتِهِ، وَقد برّأ الله ﷿ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم هَارُون ﵊ من هَذِه التُّهْمَة الْبَاطِلَة وكشف عَن المجرم الْحَقِيقِيّ وَهُوَ السامري. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ . [سُورَة طه، آيَة ٨٧، ٨٨] .
(٤) سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٤٨ - ١٤٩.
(٥) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥١، ٥٢.
[ ٢٥٠ ]
وَلَكِن ذَلِك الْعَفو كَانَ لابد لَهُ من الْكَفَّارَة١ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
ـ وَلما جَاءَهُم مُوسَى ﵊ بِمَا شرع لَهُم فِي التَّوْرَاة فَإِنَّهُم لم يقبلوها حَتَّى رُفع الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
وَمَعَ هَذَا كُله لم يحمد بَنو إِسْرَائِيل مَا هم فِيهِ من النَّعيم رب غَفُور وشراب طهُور وَطَعَام سَائِغ لَا يكلفهم أدنى مجهود وظل مَمْدُود بل ظلوا يضجرون ويتكاسلون وَيطْلبُونَ ويعاندون ويتمادون حَتَّى قَالُوا٤ مَا أخبر الله ﷿ بِهِ عَنْهُم فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٥.
فَأَمرهمْ الله ﷿ أَن يدخلُوا الأَرْض المقدسة (بَيت الْمُقَدّس وَأَرْض الْخيرَات) وَوَعدهمْ بالنصر، وَطلب مُوسَى ذَلِك من قومه، فَقَالَ ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا
_________________
(١) انْظُر: سفر الْخُرُوج صَحَّ (٣٢) .
(٢) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٤.
(٣) سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٧١.
(٤) انْظُر: سفر الْعدَد صَحَّ (١١) .
(٥) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٦١.
[ ٢٥١ ]
لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
فَحكم الله عَلَيْهِم بالتيه فِي صحراء سيناء أَرْبَعِينَ سنة يَسِيرُونَ دَائِما لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ حَتَّى٢ مَاتَ ذَلِك الجيل المتخاذل العَاصِي الَّذِي خرج بِهِ مُوسَى من مصر وَلَقي من أذاهم وعصيانهم مَا لَا يُوصف، قَالَ الله ﷿ مُبينًا أذاهم لمُوسَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
- وَتُوفِّي هَارُون وَمن بعده مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ذَلِك التيه، وَأقَام الله فِي بني إِسْرَائِيل يُوشَع بن نون٤ (فَتى مُوسَى) عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام
_________________
(١) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٢٠ - ٢٦.
(٢) انْظُر: سفر الْعدَد صَحَّ١٣، ١٤، ٣٢.
(٣) سُورَة الصَّفّ، آيَة ٥.
(٤) يُوشَع بن نون ﵊ نَبِي من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل ثبتَتْ نبوته عِنْد الْمُسلمين فِي السّنة الصَّحِيحَة بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: "غزا نَبِي من الْأَنْبِيَاء فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتبعني رجل قد ملك بضع امْرَأَة وَهُوَ يُرِيد أَن يَبْنِي بهَا ولمّا يبن، وَلَا آخر قد بنى بنيانًا ولمّا يرفع سقفها، وَلَا آخر قد اشْترى غنما أَو خلفات وَهُوَ منتظر أَوْلَادهَا، قَالَ: فغزا فَدَنَا من الْقرْيَة حِين صلى الْعَصْر أَو قَرِيبا من ذَلِك فَقَالَ للشمس: أَنْت مأمورة وَأَنا مَأْمُور اللَّهُمَّ احبسها عَليّ شَيْئا، فحبست عَلَيْهِ حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ" الحَدِيث - أخرجه البُخَارِيّ مُخْتَصرا. (انْظُر: فتح الْبَارِي ٩/٢٢٣)، وَمُسلم ٣/١٣٦٦ وَاللَّفْظ لَهُ، وَالْإِمَام أَحْمد ٣/٣١٨، وَيبين لنا حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي اسْم هَذَا النَّبِي الْكَرِيم، فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: "إِن الشَّمْس لم تحبس على بشر إِلَّا ليوشع ليَالِي سَار إِلَى بَيت الْمُقَدّس". أخرجه الإِمَام أَحْمد ٢/٣٢٥ وَصَححهُ ابْن كثير (انْظُر: قصَص الْأَنْبِيَاء ص٣٧٧) والألباني (انْظُر: سلسلة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ح٢٠٢)، وراجع سفر يشوع صَحَّ (١٠) .
[ ٢٥٢ ]
نَبيا لَهُم خَليفَة عَن مُوسَى ﵊، وَلما انْقَضتْ مُدَّة التيه خرج يُوشَع ﵊ ببني إِسْرَائِيل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فحاصرها وَفتحهَا الله عَلَيْهِم، وَأمرهمْ الله ﷿ حِين دُخُولهمْ الأَرْض المقدسة ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ١.
فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "قيل لبني إِسْرَائِيل: ﴿َادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فَدَخَلُوا يزحفون على أستاهم فبدّلوا وَقَالُوا: حِطة حَبَّة فِي شَعْرَة" ٢.
فتعسًا لهَؤُلَاء الْقَوْم الَّذين يقابلون الْإِحْسَان بالإساءة، وَالْمَعْرُوف بالمنكر، وَالنعْمَة بالجحود، فاستحقوا بذلك غضب الله ﷿ عَلَيْهِم.
- وَبعد دُخُولهمْ الأَرْض المقدسة بَدَأَ يُوشَع ﵊ يكمل فتوحاته وَيقسم الْأَرَاضِي الَّتِي غنمها على أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل الإثني عشر، وَبعد وَفَاة يُوشَع ﵊ تولى قيادة بني إِسْرَائِيل قضاتهم. وَمن هُنَا
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٨، ٥٩.
(٢) أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ (انْظُر: فتح الْبَارِي ٨/١٦٤، ٣٠٨)، وَمُسلم ٤/٢٣١٢، وَأحمد ٢/١١٨، وراجع تَفْسِير ابْن كثير ١/١٠٣.
[ ٢٥٣ ]
يُقَسِّم المؤرخون المراحل التاريخية الَّتِي مرت على بني إِسْرَائِيل مُنْذُ دُخُولهمْ الأَرْض المقدسة (فلسطين) إِلَى العصور الْآتِيَة:
[ ٢٥٤ ]