إِن المنطقة الَّتِي سيتركز الحَدِيث عَلَيْهَا أثْنَاء دراستنا لِلْيَهُودِيَّةِ وتاريخهم هِيَ فلسطين، فَمن الْمُنَاسب معرفَة بعض المعلومات عَنْهَا:
فَأَما مساحتها فتبلغ حوالي ٢٧.٠٠٠ كم٢، وتتمتع بموقع استراتيجي مُهِمّ جدا حَيْثُ تقع فِي قلب الْعَالم الإسلامي، وَفِي ملتقى ثَلَاث قارات (آسيا، إفريقيا، أوروبا)، وَفِي مَرْكَز مُهِمّ بِالنِّسْبَةِ للمواصلات الْبَريَّة والبحرية والجوية. وتتميز كَذَلِك بأراضي خصبة جدا وثروات معدنية كَبِيرَة.
وَأما تاريخها فقد سكنها الفينيقيون - من الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة المهاجرة من شبه الجزيرة الْعَرَبيَّة - فِي الْألف الثَّالِث قبل الميلاد (سنة ٣٠٠٠ق. م)، وَإِلَى الْجنُوب مِنْهُم نزلت قبائل عَرَبِيَّة أُخْرَى أشهرها قبائل الكنعانيين حوالي سنة ٢٥٠٠ق. م. على ضفة الْأُرْدُن الغربية وَسميت المنطقة باسمهم فَأَصْبَحت تُدعى (أَرض كنعان) ووردت كثيرا بِهَذَا الإسم فِي التَّوْرَاة أَيْضا، وَفِي حوالي سنة ١٢٠٠ ق. م. نزلت بالسَّاحل المطل على الْبَحْر الْأَبْيَض جماعات تسمى قبائل فلستين جَاءَت من جَزِيرَة كريت (اقريطش) واختلطت بالكنعانيين فَأَصْبَحت الْبِلَاد تعرف بفلسطين١، وَقد كَانَت تسمى بـ (أَرض كنعان) فِي التَّوْرَاة قبل دُخُول إِبْرَاهِيم ﵊ إِلَيْهَا٢ وَبعده إِلَى زمن دُخُول بني إِسْرَائِيل إِلَيْهَا بعد مُوسَى ﵊، أما إِطْلَاق اسمهم عَلَيْهَا فقد كَانَ فِي آخر عهد الْقُضَاة تَقْرِيبًا فِي زمن نَبِي لَهُم اسْمه صموئيل، مَعَ بَقَاء الكنعانيين فِيهَا٣.
وَقد بَدَأَ الْفَتْح الإسلامي لهَذِهِ الْبِلَاد مُنْذُ عهد النَّبِي ﷺ الَّذِي سيّر جَيْشًا سنة
_________________
(١) انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٦٨٥، ٧٨٩، الْيَهُودِيَّة ص٤١ د. أَحْمد شلبي.
(٢) انْظُر: سفر التكوين ١٢/٥.
(٣) انْظُر: سفر صموئيل ١٣/٩، وأخبار الْأَيَّام الأول ٢٢/٢.
[ ٢٣٦ ]
ثَمَان من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة إِلَى (مُؤْتَة) ١ لمقاتلة الرّوم٢، ثمَّ كَانَت غَزْوَة تَبُوك سنة تسع من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة٣، وَفِي آخر عَهده ﷺ جهّز جَيش أُسَامَة بن زيد ﵁ إِلَى تخوم البلقاء من الشَّام٤، وَقد سيّر الصّديق ﵁ ذَلِك الْجَيْش بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٥. وَفِي عهد الْخَلِيفَة الصّديق ﵁ كَانَت موقعة (أجنادين) ٦ الَّتِي نصر الله فِيهَا جَيش الْمُسلمين بقيادة خَالِد ابْن الْوَلِيد ﵁ ونتج عَنْهَا فتح عدَّة مدن بفلسطين مِنْهَا: نابلس وعسقلان وغزة والرملة وعكا وَغَيرهَا، وَبِهَذَا مُهّد الطَّرِيق للزحف إِلَى بَيت الْمُقَدّس٧، ودعم ذَلِك موقعة (اليرموك﴾ الَّتِي انتصر فِيهَا الْمُسلمُونَ.
وَفِي عهد الْخَلِيفَة عمر بن الْخطاب ﵁ وجّه جَيْشًا بقيادة أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح ﵁ لفتح بَيت الْمُقَدّس الَّتِي حاصرها مُدَّة أَرْبَعَة أشهر حَتَّى طلب أَهلهَا الصُّلْح واشترطوا أَن يتَوَلَّى الْخَلِيفَة عمر بِنَفسِهِ استلام الْمَدِينَة، وَهَكَذَا كَانَ فجَاء عمر ﵁ وَكتب لَهُم وَثِيقَة الْأمان وَبنى مَسْجده فِي بَيت الْمُقَدّس٩.
_________________
(١) منْطقَة تقع فِي شَرق الْأُرْدُن شمال البتراء، وعَلى مسيرَة أحد عشر كَيْلا جنوب الكرك. انْظُر: (المعالم الأثيرة فِي السّنة والسيرة ص٢٣٧ مُحَمَّد شرّاب) .
(٢) انْظُر: السِّيرَة النَّبَوِيَّة ٤/٢٣ - ٤٥ لِابْنِ هِشَام، تَارِيخ الْإِسْلَام (الْمَغَازِي) ص٤٧٩ للذهبي.
(٣) انْظُر: المرجعين السَّابِقين ٤/٢١٥ - ٢٣٦، ص٦٢٧.
(٤) انْظُر: المرجعين السَّابِقين ٤/٣٨٤، ٣٨٥ - ٣٩٦، ص٧١٣.
(٥) انْظُر: تَارِيخ الْإِسْلَام (عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين)، ص١٩ للذهبي.
(٦) منْطقَة بفلسطين فِي الْجنُوب الغربي لبيت الْمُقَدّس، من أَعمال الْخَلِيل. انْظُر: (المعالم الأثيرة ص٢٠ مُحَمَّد شُرَّاب) .
(٧) انْظُر: تَارِيخ الْإِسْلَام (عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين)، ص٨١ - ٨٣.
(٨) نهر اليرموك طوله ٥٧ كَيْلا، وَهُوَ الْحَد الْفَاصِل بَين سورية والأردن، وَقد نشبت معركة اليرموك فِي سهل الواقوصة. انْظُر: (المعالم الأثيرة ص٢٩٧) مُحَمَّد شُرَّاب.
(٩) تَارِيخ الْإِسْلَام (عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين) ص١٦٢ للذهبي، الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٧/٥٥ لِابْنِ كثير.
[ ٢٣٧ ]
وَبِهَذَا الْفَتْح أصبح بَيت الْمُقَدّس مُنْذُ شهر رَجَب سنة ١٦؟ دَار إِسْلَام يجب على الْمُسلمين فِيهَا إِظْهَار أَحْكَام الْإِسْلَام وشعائره والدفاع عَنْهَا، وَإِذا مَا استولى الْكفَّار عَلَيْهَا وأصبحت (دَار الْإِسْلَام المحتلة أَو المغتصبة) فَإِنَّهُ يتَعَيَّن على الْمُسلمين المقيمين فِيهَا الْجِهَاد لاسترداد حَقهم وأراضيهم من الْكَفَرَة المغتصبين، كَمَا يتَعَيَّن على الْمُسلمين المجاورين لَهَا الْقيام بِالْجِهَادِ مَعَ أَهلهَا كَمَا فعل الْملك صَلَاح الدّين الأيوبي رَحمَه الله تَعَالَى حينما استردها من الصليبيين الْكَفَرَة وأعادها إِلَى الْمُسلمين، ونسأل الله ﷿ أَن يرفع راية الْجِهَاد، وَأَن يُؤَيّد الْمُسلمين بنصر من عِنْده ﷿ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١.
. العبرانيون، بَنو إِسْرَائِيل، الْيَهُود
إِن من الشعوب الَّتِي سكنت أَرض فلسطين فِي التَّارِيخ الْقَدِيم، شعب بني إِسْرَائِيل الَّذين سنتحدث عَن تاريخهم، لكننا نجد مسميات أُخْرَى لَهُم، كالعبرانيين، وَالْيَهُود، فَهَل هِيَ مصطلحات مترادفة؟ أم أَن بَينهَا فرقا؟!
وَقبل أَن نَخُوض فِي الحَدِيث عَن مَوْضُوع دراستنا (تَارِيخ الْيَهُود)، كَانَ لَا بُد من الْإِجَابَة على السُّؤَال الْمَطْرُوح؛ لصلته الْوَثِيقَة بموضوع الدراسة، فَنَقُول - مستعينين بِاللَّه -:
- أما العبرانيون: - فِي الِاصْطِلَاح - فَهِيَ كلمة مرادفة لـ (بني إِسْرَائِيل) المتحدرين من سلالة يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَتسَمى لغتهم العبرية أَو العبرانية٢.
_________________
(١) سُورَة آل عمرَان، الْآيَة ١٢٦.
(٢) انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٥٩٦، دروس اللُّغَة العبرية ص٣٢، ٣٣ د. ربحي كَمَال.
[ ٢٣٨ ]
وَقد اخْتلف فِي أصل هَذِه التَّسْمِيَة على أَقْوَال مِنْهَا:
١ - أَنَّهَا نِسْبَة إِلَى (عَابِر) أَو (عيبر) وَهُوَ الْجد الْخَامِس فِي سلسلة نسب إِبْرَاهِيم ﵊ فِي التَّوْرَاة١.
٢ - أَنَّهَا نِسْبَة إِلَى إِبْرَاهِيم ﵊ الملقب فِي التَّوْرَاة بـ (ابرام العبراني) ٢ لعبوره نهر الْفُرَات أَو نهر الْأُرْدُن.
وَلم ترد هَذِه التَّسْمِيَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَإِنَّمَا وَردت فِي السّنة النَّبَوِيَّة الصَّحِيحَة من حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَفِيه: "فَانْطَلَقت بِهِ (النَّبِي ﷺ) خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبدا لعزى - ابْن عَم خَدِيجَة - وَكَانَ امْرَءًا تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني، فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب"٣.
ووردت كَذَلِك فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: "كَانَ أهل الْكتاب يقرأون التَّوْرَاة بالعبرية، ويفسرونها بِالْعَرَبِيَّةِ لأهل الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: "لَا تصدقوا أهل الْكتاب وَلَا تكذبوهم، وَقُولُوا: ﴿ءَامَنَّا بِاللهِ وَمآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلى إِبْرا؟يمَ وَإِسماعِيلَ وَإسحاقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْباطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِم لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُم وَنحَنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ ٤ " ٥.
_________________
(١) انْظُر: سفر التكوين ١١/١٤.
(٢) انْظُر: تكوين ١٤/١٣. للتوسع (انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٥٩٦، دروس اللُّغَة العبرية ص٣٦ د. يحيى كَمَال، تأريخ بني إِسْرَائِيل ٣٠ - ٣١ مُحَمَّد دروزة، بَنو إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن وَالسّنة ص١٨ د. مُحَمَّد سيد طنطاوي، الْيَهُودِيَّة ص٤٦ - ٤٧ د. أَحْمد شلبي) .
(٣) أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ ضمن فتح الْبَارِي ١/٢٢) .
(٤) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ١٣٦.
(٥) أخرجه البُخَارِيّ. (انْظُر: فتح الْبَارِي ٨/١٧٠، ١٣/٣٣٣) .
[ ٢٣٩ ]
- وَأما بَنو إِسْرَائِيل: - فِي الِاصْطِلَاح - فهم الأسباط الإثنا عشر أَبنَاء يَعْقُوب ﵊ وَمن جَاءَ من نسلهم.
- وَأما (إِسْرَائِيل): فَهُوَ نَبِي الله يَعْقُوب ﵊ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ١.
وَبِمَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي حَدِيث طَوِيل - أَن عِصَابَة من الْيَهُود جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ تسأله - وَفِيه: قَالَ رَسُول الله ﷺ: "أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى ﷺ، هَل تعلمُونَ أَن إِسْرَائِيل يَعْقُوب ﵇ مرض مَرضا شَدِيدا وَطَالَ سقمه فَنَذر لله نذرا لَئِن شفَاه الله تَعَالَى من سقمه ليحرمن أحب الشَّرَاب إِلَيْهِ وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ، وَكَانَ أحب الطَّعَام إِلَيْهِ لحْمَان الْإِبِل، وَأحب الشَّرَاب إِلَيْهِ أَلْبَانهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نعم، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ " ٢. الحَدِيث.
وَقد ذكرت التَّوْرَاة قصَّة سَبَب تَسْمِيَة يَعْقُوب ﵊ بإسرائيل، حينما صارعه ملاك فِي صُورَة إِنْسَان حَتَّى طُلُوع الْفجْر، وَلم يُطلقهُ يَعْقُوب حَتَّى قَالَ لَهُ: لَا يدعى اسْمك فِيمَا بَعْد يَعْقُوب بل إِسْرَائِيل، لِأَنَّك جاهدت مَعَ الله وَالنَّاس وقدرت٣.
وَقد جَاءَ ذِكْر بني إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة كثيرا، خَاصَّة فِي مجَال تذكيرهم بنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِم وعَلى آبَائِهِم وأسلافهم ودعوتهم، إِلَى
_________________
(١) سُورَة آل عمرَان، آيَة ٩٣.
(٢) أخرجه الإِمَام أَحْمد ١/٢٧٣، ٢٧٨، وَالطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير ١٢/٢٤٧، وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة ٦/٢٦٦، ٢٦٧.
(٣) انْظُر: سفر التكوين ٣٢/٢٤ - ٣٢، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٦٩، ١٠٧٤.
[ ٢٤٠ ]
الدُّخُول فِي الْإِسْلَام ومتابعة النَّبِي مُحَمَّد ﷺ وتهييجًا لَهُم بِذكر أَبِيهِم إِسْرَائِيل، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم ﴾ ١ الْآيَات.
وَتَقْدِيره: يَا بني العَبْد الصَّالح الْمُطِيع لله كونُوا مثل أبيكم فِي مُتَابعَة الْحق كَمَا تَقول: يَا ابْن الْكَرِيم افْعَل كَذَا٢.
- وَأما الْيَهُود - فِي الِاصْطِلَاح - فهم المتبعون لشريعة التَّوْرَاة من بني إِسْرَائِيل وَغَيرهم٣.
قَالَ الإِمَام ابْن تَيْمِية - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالحًِا فَلَهُم أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم وَلا خَوْفُ عَلَيْهِم وَلا هُم يحَزَنُون﴾ ٤. قَالَ: إِن لفظ ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ يتَنَاوَل جَمِيع أهل الْكتاب - التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل - الَّذين كَانُوا قبل النّسخ والتبديل، وَالَّذين كَانُوا بعد ذَلِك، فَهَذَا الِاسْم لَا يخْتَص بالكفار مِنْهُم، كَمَا أَن لفظ (بني إِسْرَائِيل) وَلَفظ (أهل الْكتاب) لَيْسَ مُخْتَصًّا بالكفار، وَلَكِن كَانُوا مُسلمين ومؤمنين مَعَ كَونهم من بني إِسْرَائِيل وَمن أهل الْكتاب، وَكَذَلِكَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى٥.ا؟
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٤٠، ٤٧.
(٢) انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/٨٦.
(٣) أَي من غير بني إِسْرَائِيل لِأَن أجناسًا من الرّوم والخزر قد اعتنقوا الدّيانَة الْيَهُودِيَّة المنحرفة وَلَيْسوا من بني إِسْرَائِيل - فِيمَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فعلى هَذَا فَإِن مصطلح الْيَهُود أَعم من بني إِسْرَائِيل.
(٤) سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٦٢. ونظيرها فِي سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٩ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالحًِا فَلَهُم أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم وَلا خَوْفُ عَلَيْهِم وَلا هُم يحَزَنُون﴾ .
(٥) انْظُر: كتاب (تَفْسِير آيَات أشكلت) ١/٢٧٥، ومجموع فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٧/٥٥.
[ ٢٤١ ]
وَاخْتلف فِي أصل تسميتهم باليهود على أَقْوَال مِنْهَا:
١ - قيل: سمُّوا يهودًا من (الهوادة) وَهِي المودّة، لمودتهم فِي بَعضهم لبَعض.
٢ - وَقيل: من (التهوّد) وَهِي التَّوْبَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﵊: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك﴾ ١، أَي تبنا. فكأنهم سُمُّوا بذلك فِي الأَصْل لتوبتهم ومودتهم فِي بَعضهم الْبَعْض.
٣ - وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لأَنهم يتهوّدون - أَي يتحركون - عِنْد قِرَاءَة التَّوْرَاة٢.
٤ - ورد أَن (يهوذا) هُوَ الابْن الرَّابِع ليعقوب ﵊ وَنسب إِلَيْهِ سبط من الأسباط الاثْنَي عشر، ثمَّ أطلق اسْمه على المملكة الجنوبية (مملكة يهوذا) لِأَن مُلُوكهَا كَانُوا من سبط يهوذا وتمييزًا لَهَا عَن (مملكة إِسْرَائِيل الشمالية) وفيهَا الأسباط الْعشْرَة، وحينما تشَتت الأسباط وأُخِذَ سبط يهوذا إِلَى السَّبي البابلي فقد توسع مَعْنَاهُ، فَصَارَ يَشْمَل جَمِيع من رجعُوا من الْأسر من بني إِسْرَائِيل، ثمَّ صَار يُطلق على جَمِيع الْيَهُود المشتتين فِي الْعَالم٣.
قَالَ البيروني: إِنَّه قد أبدلت الذَّال الْمُعْجَمَة دَالا مُهْملَة (يهوذا - يهودا) لِأَن الْعَرَب كَانُوا إِذا نقلوا أَسمَاء الأعجمية إِلَى لغتهم غيروا بعض حروفها. ا؟٤.
وَقَالَ المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس: وَمن ذَلِك الزَّمَان - ٥١٥ ق. م
_________________
(١) سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٥٦.
(٢) انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/١٠٧ فِي ذكر الْأَقْوَال السَّابِقَة.
(٣) انْظُر: خطط المقريزي ٣/٥٠٣، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص١٠٨٤، الشخصية الإسرائيلية ص٢٨ - ٣١ د. حسن ظاظا.
(٤) صبح الْأَعْشَى ١٣/٢٥٣.
[ ٢٤٢ ]
- يختفي ذكر الأسباط الْعشْرَة الْأُخْرَى، فَمن عَاد مِنْهُم - أَي من السَّبي البابلي - إِلَى فلسطين اخْتَلَط بسبطي يهوذا وبنيامين، وَفِي ذَلِك الْحِين سُمي الإسرائيليون يهودًا، ودُعيت بِلَادهمْ الْيَهُودِيَّة١.ا؟.
وَالْقَوْل الْأَخير – فِي نَظَرِي – أقرب الْأَقْوَال إِلَى الصَّوَاب؛ لما بيّناه٢، وَالله أعلم.
وَقد تكَرر ذكر الْيَهُود فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة كثيرا، خَاصَّة فِي سِيَاق بَيَان كفرهم وأقوالهم الْبَاطِلَة وَإِظْهَار خزيهم وفضائحهم والتحذير من مكائدهم وشرورهم، حَيْثُ لم ترد هَذِه التَّسْمِيَة فِي مقَام الْمَدْح لَهُم، وَإِنَّمَا وَردت فِي مقَام الذَّم والتقريع لَهُم، وَمن تِلْكَ الْآيَات القرآنية الدَّالَّة على ذَلِك: قَوْله ﷿: ﴿وَقالت اليَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهم وَلُعِنٌوا بِمَا قَالُو ابَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيرًا مِنْهُم مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضآءَ إِلى يَومِ القِيامَةِ كُلَّمآ أَوْقَدُوا نَارًا للحَرْبِ أَطْفَأَها الله وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرضِ فَسادًا وَالله لَا يحُبُّ المُفْسِدينَ﴾ ٣.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يحُرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا ليًّا بِأَلْسِنَتِهِم وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَو أَنَّهُم قَالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكَانَ خَيرًا لَهُم وَأَقْوَم وَلكِنْ لَعَنَهُم الله بِكُفْرِهِم فَلا يُؤمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٤.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنِّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ ءامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ
_________________
(١) انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين، ص٣٢.
(٢) وَقد رجح هَذَا القَوْل الشَّيْخ مُحَمَّد صديق خَان - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي كِتَابه: (لقطَة العجلان مِمَّا تمس إِلَى مَعْرفَته حَاجَة الْإِنْسَان، ص١١١) وَغَيره.
(٣) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٤.
(٤) سُورَة النِّسَاء، آيَة ٤٦.
[ ٢٤٣ ]
أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً للَّذِينَءَامَنُوا الَّذينَ قَالوآ إِنَّا نَصارَى ذَلِكَ بَأَنَّ مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُم لَا يَسْتَكْبِرون﴾ ١.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله وَقالَتِ النَّصارَى المَسِيحُ ابنُ الله ذَلِك قَوْلهُم بِأَفْواهِهِم يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُم الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّها الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُم أَنَّكُم أَوْلِياءُ لله مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوا المَوتَ إِنْ كُنْتُم صَادِقين وَلا يَتمَنَّوْنَهُ أبدا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِم وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالمِين قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُم ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عَالمِ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتم تَعْمَلُون﴾ ٣.
وَغير ذَلِك من الْآيَات الْكَثِيرَة الَّتِي تَتَحَدَّث عَن الْيَهُود.
أَسمَاؤُهُم الْأُخْرَى:
للْيَهُود أَسمَاء وأوصاف أُخْرَى نذْكر مِنْهَا الْآتِي:
- أهل الْكتاب: لأَنهم يُؤمنُونَ بِالْكتاب الْمنزل على مُوسَى ﵊، وَهُوَ التَّوْرَاة، وَهَذَا الِاسْم يشْتَرك فِيهِ مَعَهم النَّصَارَى.
- أهل التَّوْرَاة: لإيمانهم بشريعة التَّوْرَاة وَأَنَّهَا مُؤَبّدَة لَا تنسخ.
- أهل السبت: لتعظيمهم يَوْم السبت وَتَحْرِيم الْعَمَل فِيهِ.
- قوم مُوسَى أَو أمة مُوسَى: لانتسابهم إِلَيْهِ وَإِلَى شَرِيعَته، واعتقادهم أَنه لَيْسَ هُنَاكَ نَبِي أفضل من مُوسَى ﵊.
- المغضوب عَلَيْهِم: لأَنهم علمُوا الْحق فَلم يعملوا بِهِ فاستحقوا غضب الله عَلَيْهِم ولعنته، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَلَا أعلم بَين الْمُفَسّرين فِي هَذَا - أَي أَن المُرَاد
_________________
(١) سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٨٢.
(٢) سُورَة التَّوْبَة، آيَة ٣٠.
(٣) سُورَة الْجُمُعَة، آيَة ٦ - ٨.
[ ٢٤٤ ]
بقوله تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ١ هم الْيَهُود – اخْتِلَافا، وَذكر الإِمَام ابْن كثير أَحَادِيث مروية فِي ذَلِك٢.
_________________
(١) سُورَة الْفَاتِحَة، آيَة ٧.
(٢) انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/٣١، ٣٢.
[ ٢٤٥ ]