أما لزومهم جماعة المسلمين وتحذيرهم من التفرق فهذا أحد الأسس التي قامت عليها عقيدتهم امتثالًا لأمر الله تعالى وأمر نبيه ﷺ فقد استفاضت الأدلة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه ﷺ على وجوب لزوم الجماعة والحذر من التفرق وما يؤدي إليه مهما كان نوعه.
وفي كتاب الله تعالى وسنة المصطفى ﷺ ما يوضح ويؤكد هذا الجانب بمزيد من العناية والبيان.
١ - الأدلة من كتاب الله تعالى:
- قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:١٠٣].
- وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:١٥٩]
- وقال الله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:١٠٥]
- قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام:١٥٣]
وهذه الآيات وغيرها مما جاء في معناها واضحة الدلالة والمراد، وكلها تهدف إلى منع التفرق في الآراء والمعتقدات التي لا يتصف بها قوم إلا كانوا في طريقهم إلى الفضل رغم وضوح هذه الأدلة ورغم حاجة الأمة الإسلامية إلى العمل بمفهوم هذه الآيات البينات إلا أن المسلمين في عصرنا هذا لم يستفيدوا منها بل كان بعضهم قريبًا من حال الذين أخبر الله عنهم أنهم ازدادوا بمجيء البينات اختلافًا وفرقة وبعدًا عن منهج الله تعالى. قال تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:٤]. فما أكثر ما يجتمع المسلمون في شكل مؤتمرات وندوات ولقاءات ويكون شعارهم هو العمل بهذه الآية: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:١٠٣] ولكنهم يخرجون وهم على أشد ما يكونون من الاختلاف والتنافر وما أكثر ما يقرأ المسلمون هذه النصيحة الإلهية: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:١٠٥].
وما أكثر ما يقرؤون غيرها من الآيات ولكن لماذا لم يستفيدوا منها؟
والجواب: أنهم حينما يجتمعون يكون كل فريق وحزب في غاية الإصرار على أن حبل الله الذي يجب التمسك به هو ما هو عليه وحزبه ويجب على الآخرين الانضواء تحت رايتهم والسير على نهجهم وكل يرى نفس هذا الرأي وبالتالي يكون اجتماعهم لتعميق هذه الفرقة فلا يستفيدون من تلاوة هذه الآيات شيئًا لعدم إخضاع رغباتهم وأهوائهم لتحكيمها ولعدم رضاهم بالرجوع إلى الحق الذي هدى الله إليه سلف هذه الأمة وصلح عليه أمرهم وما دام كل حزب وكل فرقة تستدل بالآيات على أن الآخرين مفارقين للحق وأن الحق هو بأيديهم فقط وما داموا كذلك فلا أمل في عودة الوحدة الإسلامية. ومن عجيب أمر أهل الأهواء أن البينات التي تفصل النزاعات أصبحت هي بمفاهيم هؤلاء البدعية مصدر الاختلاف والنزاع بسبب عدم التسليم لمفهومها الصحيح وإلا فهي ليست كذلك وحبل الله وصراطه المستقيم واحد لا تعدد فيه وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام:١٥٣] فكيف يتعدد الحق؟ وكيف تصبح كل تلك الفرق والطوائف المبتعدة عن سنة المصطفى ﷺ وعن سبيل المؤمنين؟ كيف يصبحون كلهم على حق؟.
٢ - الأدلة من السنة النبوية
[ ١ / ١٦٥ ]
وكما تعددت الأدلة من كتاب الله تعالى على النهي عن التفرق وعلى وجوب التمسك بالجماعة تعددت الأدلة كذلك من السنة النبوية على هذا الجانب الهام في العقيدة الإسلامية.
ومما ورد في ذلك:١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» (١) ٢ - عن حذيفة ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال: نعم. قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد الخير من شر قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٢) - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ..» الحديث (٣).- وعن عرفجة بن شريح الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» (٤) - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماعة» (٥)
- وهذه الأحاديث وغيرها مما وردت عن النبي ﷺ كلها تؤكد على وجوب لزوم الجماعة والتحذير من التفرق ولو تمسك بها المسلمون وحققوها لكانوا على الخير الذي مضى عليه السلف الكرام من الصحابة ومن تبعهم بإحسان ولعاد للمسلمين سؤددهم وكرامتهم التي فقدت في عصرنا الحاضر بسبب التفرق وعدم الإذعان لتعاليم الشريعة السمحاء ومع ذلك لا يزال الخير إن شاء الله في أمة محمد ﷺ إلى أن تقوم الساعة ما داموا متمسكين بالحق قولًا وعملًا والله تعالى يقول: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:١١]
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ١٤٧
_________________
(١) رواه مسلم (١٧١٥)، وأحمد (٢/ ٣٦٧) (٨٧٨٥) واللفظ له.
(٢) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).
(٣) رواه مسلم (١٨٤٨).
(٤) رواه مسلم (١٨٥٢).
(٥) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).
[ ١ / ١٦٦ ]