أطلقت على أهل السنة أسماء وألقاب صحيحة تدل على حالهم وتطابق معتقداتهم هي كالرحيق بالنسبة لكل مؤمن صحيح العقيدة وكالشجى في حلق كل مبتدع مخرف وهي أسماء مشرقة أخذت من أوصافهم التي وردت على لسان المصطفى ﷺ ومن أحوالهم وسلوكهم.
فمن شكك فيها أو ردها فإنما ذلك لمرض في قلبه وعقيدة باطلة في نفسه كما هو شأن أهل الباطل في مقاومتهم دائمًا للحق وأهله والتشنيع عليهم وذكرهم بالألقاب والأسماء المنفرة الكاذبة.
وأسماء السلف الصحيحة التي أطلقت عليهم هي:
١ - أهل السنة والجماعة.
٢ - السلف الصالح.
٣ - الفرقة الناجية.
٤ - أهل الحديث والسنة.
٥ - أهل الأثر.
٦ - الطائفة المنصورة.
وفيما يلي بيان هذه الأسماء وبيان أحقية السلف بإطلاقها عليهم.
١ - أهل السنة والجماعة
أ – التعريف بأهل السنة:
١ - معنى السنة في اللغة:
هي الطريقة أو الطرق الواضحة والسلوك الطيب، قال الجوهري: السنن الطريقة يقال: استقام فلان على سنن واحدة، أي على طريقة واحدة.
وقال ابن الأثير مبيّنًا المعنى اللغوي ومتعرضًا كذلك للمعنى الاصطلاحي في مادة (سنن) قد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها والأصل فيها الطريقة والسيرة وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولًا وفعلًا مما لم ينطق به الكتاب العزيز ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي القرآن والحديث. وبما ذكر وغيره يتضح أن معنى السنة في اللغة هي: الطريقة أو الطريق وقد ورد في الحديث ما يؤيد ما سبق في قوله ﷺ في حديث وفد مضر: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (١)
وقد دل الحديث على أن السنة تنقسم إلى قسمين إما أن تكون سنة حسنة أو تكون سنة سيئة ولكل واحدة جزاؤها العادل.
٢ – معناها في الاصطلاح:
تطلق تسمية السنة على كل ما جاء عن المصطفى ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته ويطلق على المتمسكين بها أهل السنة وهي تسمية مدح لهم كما يطلق على المخالفين لها أهل البدعة تسمية ذم لهم.
ومن كرامة الله لأهل السنة هدايته لهم إلى الانتساب إليها دون غيرها كما هو حال أهل الطرق البدعية فلم ينتسبوا إلى رأي ولا إلى شخص ولا إلى بلد أو قوم أو غير ذلك وهي مزية فيهم قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أما أهل الطرق البدعية فما أكثر انتسابهم إلى مشائخهم أو آرائهم أو بلداتهم وغير ذلك.
ولهذا تجد أن الكثير من تلك التسميات والآراء لهم بل والأشخاص المتزعمين لهم يضمحلون ويندثرون مهما بلغوا من القوة والتمكين ومهما تطول بهم المدة، قال الراغب: سنة النبي ﷺ التي كان يتحراها ومن الملاحظ أنه مع اتفاق كل المسلمين على هذا المفهوم للسنة فقد وقع بعض التفاوت في مفاهيم علماء كل فن. فالسنة عند المحدثين هي: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو سيرة سواءً أكان قبل البعثة أو بعدها (٢)
بينما هي عند العلماء الذين يتتبعون الأحكام الشرعية العامة كالأصوليين يقتصرون في التعريف بها على أنها: ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٧). من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي وسيرته قبل البعثة تشمل صفاته الحميدة وتعبده في غار حراء.
[ ١ / ١٤٣ ]
وكالفقهاء الذين يبحثون عن حكم الشرع في أفعال المكلفين من حيث الوجوب أو عدمه حيث فسروا السنة بأنها: خلاف الواجب أي ما يثاب العبد على فعله ولا يعاقب على تركه كفعل المستحبات أو تركها.
ويتحصل من أقوال العلماء أن المراد بالسنة عند الإطلاق ما يلي:
١ - يراد بها كل ما أُثر عن النبي ﷺ.
٢ - يراد بها الحديث النبوي.
٣ - يراد بها العقيدة.
٤ - يراد بها التمسك بالكتاب والسنة وهدي الصحابة في كل الأمور سواء أكانت في الأمور الاعتقادية أو أمور العبادات.
٥ - يراد بها ما يقابل البدع وأهل هذا القول – السلف – يفرقون بين السنة والحديث لأن السنة ما يقابل البدعة والحديث ما أضيف إلى النبي ﷺ فقد يكون الرجل محدثًا ولكنه ليس بسني.
ويفهم من هذه الإطلاقات عمومًا أن السنة يراد بها ما كان في أمر الدين بدليل قوله تعالى في الحث على التمسك بكل ما جاء عن النبي ﷺ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:٧]. وقوله تعالى: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [النساء:٨٠] وغير ذلك من الآيات. وبدليل قول النبي ﷺ: «فعليكم بسنتي» (١) وقوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) وقد أطلق على السلف أهل السنة لتمسكهم بها منذ عصر النبي ﷺ والصحابة ومن تبعهم بإحسان، والقرآن الكريم والسنة النبوية في مجال الاعتقاد والاستدلال لا فرق بينهما في وجوب العمل والتمسك بهما فهما وحيان إلا أن السنة النبوية صدرت على لسان المصطفى ﷺ والقرآن الكريم من كلام الله ﷿ وهذا هو اعتقاد أهل السنة كلهم المتمسكون بها حقيقة عدا من انحرف عنها من الطوائف التي تنتسب إلى الإسلام (٣).
ب- معنى الجماعة:
تطلق الجماعة على الطائفة أو الفرق أو الأمة الذين يرتبطون بمنهج واحد وهدف واحد ولم يتفرقوا في الاعتقاد والسلوك وتطلق تسمية أهل السنة والجماعة – وهو المراد – على السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم إلى يوم الدين كما تقدم – وأطلقها بعضهم على أهل الحديث ولا ريب أن اقتران اسم أهل السنة بالجماعة يفيد مزية خاصة لأهل السنة إذ هم الجماعة التي حث النبي ﷺ على الانضمام إليهم والسير في منهجهم حينما أخبر ﵊ عن هلاك الطوائف إلا واحدة وهي الجماعة وهذا هو الحق والاعتقاد مهما كان من الخلاف وإنما نذكر الخلاف فيما يلي تتمة للبيان.
الخلاف في المراد بالجماعة هذه:
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: ثابت صحيح، (٢/ ١١٦٤) وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٣٥٠) كتاب: «الاعتصام»، باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. ومسلم (١٧١٨). من حديث عائشة ﵂.
(٣) كالرافضة والخوارج وغيرهم من المنحرفين وهم يزعمون الانتساب إليها ويخالفونها بالتأويلات والهوى الفاسد.
[ ١ / ١٤٤ ]
١ - قيل الجماعة هم السواد الأعظم، واختُلف في المقصود بالسواد الأعظم فقيل: هم كثرة الناس وهذا مردود فلا يلزم أن تكون الجماعة التي معها الحق هم الكثرة دائمًا والله تعالى يقول: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ [الأنعام:١١٦] خصوصًا إذا فهم من السواد الأعظم العوام وغيرهم.
وقيل: السواد الأعظم هم العلماء العاملون بالحق المتبعون للسنة حتى لو كان عالمًا واحدًا وقوّى هذا القول كثير من العلماء فقد قيل:
وواحد كالألف إن أمر عنا
٢ - أنهم العلماء المجتهدون في كل عصر إلا أنه يرد على هذا أنه ضيق موسعًا باشتراط الوصول لرتبة الاجتهاد ثم إنه تعريف غير جامع ولا مانع فإن كل فن له علماؤه المجتهدون فيه وعلماء السلف يدخلون دخولًا أوليًا في عداد أهل السنة والجماعة الممدوحة.٣ - أنهم خصوص الصحابة رضوان الله عليهم ولكنه قول غير راجح مع دخول الصحابة دخولًا أوليًا في الجماعة ولكن الرسول ﷺ لا يحكم على المسلمين بالهلاك ما عدا الصحابة فقط ولقوله: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١).
٤ - أنهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أميرٍ واحدٍ وجب على الجميع طاعته إلا أنه يرد على هذا القول أن الحديث لم يرد في باب الإمارة وشأنها وإنما ورد في التحذير من التفرق.٥ - أنهم جماعة على الحق أخبر عنهم الرسول ﷺ بتلك الصفات دون تعيين لأسمائهم وبلدانهم (٢) وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
وهذا هو الذي يترجح - والله أعلم - ولأهل السنة والجماعة نصيب من صحة تلك الأقوال كلها.
٢ – السلف
التعريف بالسلف في اللغة وفي الاصطلاح
أ – في اللغة: يقال سلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف وقد استدل الراغب لمجيء (٣)
السلف على المتقدم بقوله تعالى: فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [الزخرف:٥٦] وقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:٢٧٥] وقوله تعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:٢٢].وقال ابن منظور: قيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح (٤)
.
وهذا التعريف اللغوي للسلف عام يشمل كل من سبق وتقدم على غيره وهو دون المعنى الاصطلاحي للسلف في المفهوم الحقيقي لهم.
والسلف الصالح قد تقدمونا وهم قدوتنا ولهذا فلا منافاة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي من تلك الناحية إلا من حيث الخصوص والعموم كما سيتضح هذا عند ذكر التعريف الاصطلاحي لهم فيما يلي:
ب – التعريف الاصطلاحي:
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦٤١). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، بلفظ: (ما أنا عليه وأصحابي). وقال: هذا حديث مفسّر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. وقال البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨٥): ثابت. وقال الحافظ العراقي في «المغني» (٣/ ٢٨٤): أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه ولأبي داود من حديث معاوية وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك وهي الجماعة وأسانيدها جياد. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) في بعض الروايات والآثار أن هذه الجماعة هم أهل الغرب "أي الدلو الكبير وهم العرب" وفي بعضها أنهم أهل الشام ورجحه شيخ الإسلام والذي رجحه عامة العلماء أن هذه الطائفة لا يلزم أن تكون في مكان واحد من الأرض ويمكن أن يكون آخرهم بالشام عند انقضاء الأمر والله أعلم.
(٣) «المفردات» للراغب (٢٣٩)
(٤) «لسان العرب» (٦/ ٣٣١).
[ ١ / ١٤٥ ]
اختلف العلماء في المفهوم من إطلاق تسمية السلف على من تطلق وفي أي زمن أطلقت وهل هذا الوصف باق يصح الانتساب إليه أم لا؟ ١ - ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن مفهوم السلف عند الإطلاق يراد به الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان وأتباع التابعين من أهل القرون الثلاثة الوارد ذكرهم في الحديث ومن سلك سبيلهم من الخلف وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ ومن قال بقوله ويظهر هذا في قوله: "مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف (١) إلى آخر كلامه ولفظة أهل الحديث الواردة في كلام شيخ الإسلام يقصد بها عامة من يتمسك بالسنة النبوية وليس المراد ما تعارف عليه الناس اليوم في التخصصات العلمية بدليل قوله في معرض ثنائه على أئمة الحديث:
"وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم بالرسول وأعلمهم بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ومدخله ومخرجه وباطنه وظاهره وأعلمهم بأصحابه وسيرته وأيامه وأعظمهم بحثًا عن ذلك وعن نقلته وأعظمهم تدينًا به واتباعًا له واقتداء به وهؤلاء هم أهل السنة والحديث حفظًا له ومعرفة بصحيحه وسقيمه وفقهًا فيه وفهمًا يؤتيه الله إياه في معانيه وإيمانًا وتصديقًا وطاعة وانقيادًا واقتداءً واتباعًا مع ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم ورأيًا وأصدق الناس رؤيًا وكشفًا".إلى أن يقول: "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا وكذلك أهل القرآن وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبها ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم" (٢).
وفي هذا البيان الطيب يتضح أن أهل الحديث هم الذين يعلمونه ويعملون به أما من علمه ولم يعمل به فإنه ليس منهم بل لا فرق بينه وبين أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم ممن برزت جهودهم في خدمة الحديث وأصحاب المعجم المفهرس أقوى مثال وهم بخلاف أهل الحديث مع كثرة ما دونوه لتتم حجة الله عليهم.
٢ - وهناك من خصص لفظ السلف عند الإطلاق بالصحابة فقط.
٣ - ومنهم من خص لفظ السلف بالصحابة ومن تبعهم دون غيرهم.
٤ - ومنهم من خص السلف بالقرون الثلاثة فقط.
ويتضح من هذه التعريفات أنه لا خلاف بين أحد من المسلمين أن الصحابة هم السلف الصالح الأخيار الأبرار وأن أفضل الناس بعد الصحابة هم التابعون لهم بإحسان ثم أتباع التابعين ثم من سار على نهج الجميع دون تقييد بزمن. وأما من خص السلف فقط بالصحابة أو التابعين أو أتباعهم فقط أو خصهم بزمن محدد فهو استحسان منه واجتهاد وليس له دليل فإن السلف ليسوا جماعة بخصوصهم أو في زمن بخصوصه وإنما السلف هم المتمسكون بالكتاب والسنة فإن المدار عليهما والعبرة بهما ولا ريب أن الصحابة لهم القدح المعلى في هذه النسبة لملازمتهم النبي ﷺ وجودة أفهامهم وذكائهم ولهذا كان ما عملوا به حجة يجب العمل به وما تركوه يجب تركه بخلاف غيرهم بعد القرون الثلاثة وإن كان وصف السلف يشملهم بسبب تمسكهم بالشرع الشريف مع تفوق الصحابة عليهم بالفضل والأسبقية (٣).
السلف والسلفية:
_________________
(١) «الفتاوى» (٦/ ٣٥٥).
(٢) «الفتاوى» (٤/ ٨٥ – ٩٥).
(٣) الأسبقية لا تكون مزية إذا لم يصاحبها الالتزام بالكتاب والسنة فقد وجد في زمن الرسول ﷺ وزمن الصحابة من لم يكن له أدنى فضل أو خير مثل المنافقين والمرتدين الذين سيقول الرسول ﷺ لهم في يوم القيامة سحقًا سحقًا كما ثبت بذلك النص وعلى هذا فلا تظهر مزيتها إلا مع التحقيق والاتباع والانقياد.
[ ١ / ١٤٦ ]
وبيان صحة الوصف وجواز الانتساب والاعتزاء إليه والرد على ما أنكر ذلك لم يكن هذا الوصف مجرد لقب أو اسم أو ظهر صدفة على ألسنة الناس. لم يكن كذلك ولكنه نشأ عن أساس ثابت كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لقد نشأ الاسم عن سلوك عميق لما كان عليه الصحابة ومن بعدهم بإحسان فاستحقوا هذا الاسم نتيجة عمل واقتداء والتزام بكتاب الله وسنة نبيه ﵊.
ولا ريب أن من اتصف بهذا الوصف يستحق أن ينتسب إلى السلفية أو سلف هذه الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
ولا اعتبار لنبز أصحاب الأهواء والبدع وتزهيدهم عن هذه الفرقة الناجية ومن أراد أن يقف على الحق فليقرأ سيرة هذه الجماعة وليقف على البلاء الذي تحملوه في سبيل الدفاع عنها لتبقى جوهرة مكنونة صافية نقية.
وفي تاريخ الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعدهم من تلامذتهم وأتباعهم إلى يومنا الحاضر خير شاهد على استحقاق هؤلاء لهذا الاسم السلفية وعلى غبطة الانتساب إليهم الذي هو في النهاية انتساب إلى الإسلام الذي رضيه الله تعالى. وقد ظهر من كلام الشيخ أبي زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) (١) والدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (إسلام بلا مذاهب) أن السلفيين هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم في القرن الرابع ثم تجدد ظهوره على يد الشيخ ابن تيمية في القرن السابع الهجري ثم جدده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر للهجرة وقد أخطأ الحقيقة كما أخطأها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي).حيث رد وبعنف على القول بأن السلفية لقب لفئة من الناس واعتبره خطأً وبدعة طارئة على المسلمين بزعمه وقد ظهر خطأه من تسمية كتابه هذا وقد ذهب إلى أن الاقتداء بالسلف ليس معناه اتباع آرائهم وأقوالهم ومواقفهم التي اتخذوها وسلوك طريقتهم وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام (٢) وهذا حكم قاصر وغير صحيح فإن السلفية ليست فترة زمنية ثم إن تفسيره الاقتداء بالصحابة بهذا التفسير لا يعتبر اتباعًا حقيقيًا فإذا لم نتبعهم في آرائهم وفي أقوالهم وفي مواقفهم التي ورثوها عن النبي ﷺ وفي سلوكهم وطريقتهم في العبادات وفي المعاملات إذا لم نتبعهم في هذا كما يرى البوطي فماذا بقي لهم من فضل الصحبة والتلقي من النبع الصافي قبل أن تعكره مختلف الآراء والمذاهب والفرق.
وأما ما يراه من اتباعهم يكون في الرجوع إلى ما احتكموا إليه عند الاختلاف فهذا أيضًا لا يمنع الاقتداء بهم وتقديم آرائهم على آراء من جاء بعدهم. على أن القواعد التي أشار إليها البوطي وأن الشافعي ﵀ عملها حيث وضع قواعد أصول الفقه لم تكن قد بينت في الزمن الذي كان قبله فماذا يحكم عليهم البوطي (٣) ولو أنه سلم بما اتفق عليه السلف لكان خيرًا وأشد تثبيتًا ولأغناه ذلك عن تكلف القواعد والشروط وموقف العقل بالنسبة للنصوص في أخبار الآحاد وأخبار التواتر التي شغلته فإنها كلها مبنية على الاستحسان والاجتهاد على طريقة المتكلمين.
_________________
(١) انظر (ص ٢١١).
(٢) انظر «وسيطة أهل السنة بين الفرق» (١١٢).
(٣) وللدكتور صالح الفوزان جزاه الله خيرًا تعقيبات قوية في الرد على أبي زهرة والدكتور سعيد البوطي فيما زعماه عن السلف في كتابه الجيد «البيان لأخطاء بعض الكتاب» انظر (ص ١٢٧ و١٨٧) وانظر «وسيطة أهل السنة بين الفرق» (ص ١١٢) و(ص ١١٣).
[ ١ / ١٤٧ ]
والخلاصة من كل ما سبق أن مذهب السلف والانتساب إليه أمر لا غبار ولا اعتراض عليه وأنه لا يحق لأحد الانتساب إليه إلا إذا كان متبعًا قولًا وفعلًا ظاهرًا وباطنًا كما كان عليه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان، وأما من حاد عنهم إلى كلام الفلاسفة وعلماء الكلام الباطل وإلى اتباع العقل دون الالتفات إلى النص فهو ليس على طريقتهم وإن انتسب إليهم لأنه انتساب غير حقيقي.
٣ - الفرقة الناجية:
الفرقة في اللغة: اسم يطلق على الطائفة أو الجماعة من الناس.
والناجية: وصف لتلك الفرقة بالنجاة دون أن يكون له تعلق بالزمن والمقصود بهم هم أهل الحق ممن تمسكوا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على مدى الأزمان ولا عبرة بدعاوى المنحرفين أنهم هم تلك الفرقة الناجية. ووصفهم بالناجية لعله أخذ من قول المصطفى ﷺ: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه» (١) أو لأن المتمسك بالوحيين سبيله النجاة أو لقول الرسول ﷺ: «لا تزال طائفة الحديث» (٢) ولا ريب أن من تمسك بكتاب الله وسنة نبيه أنه من الناجين بتوفيق الله له، ينجو من الضلالة والفتن وينجو إذا ما مات على ذلك من عذاب الله وغضبه، قال رسول الله ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك» (٣).
وهذا الاسم – الفرقة الناجية – يشمل كل من اتصف بالعقيدة الصحيحة التي كان عليها الصحابة ومن استن بسنتهم واهتدى بهديهم وربما أخذت التسمية أيضًا من حديث افتراق الأمة حيث أخبر الرسول ﷺ أن الفرق كلها هالكة إلا واحدة هي الناجية وهم الصحابة ومن تمسك بهديهم وهذا الوصف لا ينطبق إلا على السلف الذين اتبعوا الصحابة بإحسان.
ويجب أن نلاحظ أن السلف حين تسموا بهذه التسمية لا يقصدون من ورائها الشهادة لأنفسهم بالجنة ولا تزكية أنفسهم وإنما المقصود بها إظهار ما هم عليه من التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم وهما مصدر النجاة ولا يمنع أن تكون التسمية من باب التفاؤل أو من باب إظهار البراءة من المخالفين كما يرى البعض ولا مانع من ملاحظة كل ذلك.
٤ - تسميتهم أهل الحديث والسنة
كثير من العلماء يطلق هذه التسمية على السلف أهل السنة كشيخ الإسلام وغيره من رجال العلم.
وإذا أطلقوا في تسميتهم فقالوا أهل الحديث والسنة فإنهم لا يريدون التقسيم إنما هما عندهم بمعنى واحد فالسنة هي الحديث والحديث هو السنة حسب ما يظهر من صنيع المحدثين من السلف.
_________________
(١) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٩٩) مرسلًا. ورواه موصولًا الحاكم (١/ ١٧١)، والبيهقي (١٠/ ١١٤) من حديث ابن عباس ﵄. بلفظ: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه». قال الحاكم: احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متفق عليهم. وهذا الحديث لخطبة النبي ﷺ متفق على إخراجه في الصحيح. ووافقه الذهبي وقال: وله أصل في الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٠): صحيح.
(٢) رواه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. بلفظ: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».
(٣) رواه ابن ماجه (٤٣)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٢) بدون لفظ: (المحجة). من حديث العرباض بن سارية ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٦٨): إسناده حسن، وصححه الشوكاني في «إرشاد الفحول» (٢/ ١٣١)، والألباني في «صحيح ابن ماجه».
[ ١ / ١٤٨ ]
ولكن ينبغي الانتباه إلى أن بعض علماء السلف قد يطلق تسمية أهل السنة احترازًا عن غيرهم من أهل البدع فتكون السنة عامة والحديث أخص ويظهر الافتراق في أبواب الاعتقاد عند هذا الاستعمال. وعلى هذا فهناك فرق بين مصطلح أهل السنة وأهل الحديث وإن عبر بأحدهما عن الآخر في أبواب الاعتقاد لما بينهما من التقارب في الغالب وإلا فقد يكون المرء من أهل السنة وليس من أهل الحديث من الناحية الصناعية أي ليس بمحدث وقد يكون من أهل الحديث صناعة وليس هو من أهل السنة فقد يكون مبتدعًا (١).
ولاشك في أن هذه التسمية شرف عظيم لرجال العقيدة الصحيحة الحاملين لواء علم الحديث المنتسبين إليه.
٥ – أهل الأثر
أطلقت الأثرية أو أهل الأثر على أهل السنة والجماعة والمراد بهم كل من تمسك بنصوص الكتاب والسنة ويريدون بالأثر ما أثر عن الله تعالى وعن نبيه ﷺ من تلك النصوص.
وواضح أنهم لا يريدون به ما أصبح معروفًا عند بعض العلماء من تقسيماتهم للحديث إلى أقسام ومنها المأثور أو الأثر وهو ما وقف على الصحابي ولم يرفع إلى النبي ﷺ فإن السلف لا ينطبق عليهم هذا الاصطلاح إذ هم من أحرص الناس على التمسك بما صح عن النبي ﷺ ورفع إليه. وإنما يقصدون بالأثر الحديث عمومًا فأهل الأثر أي أهل الحديث الملتزمون بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما ورد عن السلف من الصحابة ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان من آثارهم الصحيحة لأن رد الآثار الصحيحة إنما هو من سمة أهل البدع المتنطعين في دينهم الذين لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم مع أنهم يقدمون كلام مشايخهم وآبائهم على ما تفيده النصوص حمية وعصبية.
ولكنهم يستكبرون عن الآثار التي هي أشرف وأرفع من كلام من جاء بعد الصحابة مهما بلغ في العلم والشرف.
٦ - تسميتهم الطائفة المنصورة هذه التسمية للسلف أخذت من قول الرسول ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (٢) وعن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ: «ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله» (٣) وفي بعض الروايات: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين » (٤) الحديث، وقد فسّر العلماء هذه الطائفة بأنهم كل من تمسك بالكتاب والسنة وعمل الصحابة المجانبين البدع وأهلها وهم أصحاب الحديث الذي يعملون به قولًا وعملًا المجاهدون في سبيل الله تعالى.
وقد أخبر النبي ﷺ أن النصر سيكون حليفهم إلى أن تقوم الساعة وهي بشارة عظيمة مفرحة لأهل الحق والواقع يشهد بذلك فكم من المؤامرات والخطط تبيت لهم قديمًا وحديثًا ولكن الله تعالى بلطفه يخرجهم منها ويجعل لهم منها فرجًا ومخرجًا لأن الله تعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين إلى يوم القيامة وهؤلاء هم حفظته بإذن الله تعالى وقد تكفل الله ﷿ بنصرة من ينصر دينه وأن يجعل العاقبة الحسنة له في الدنيا والآخرة. وقد يفهم البعض أن هذا الحديث يدل على أن السلطة والحكم لابد أن يكونا بأيدي العلماء من أهل السنة. وهذا فهم خاطئ إذ لا يلزم من كونهم منصورين إلى قيام الساعة أن يكونوا بشكل حكومات ولا بد فإن الله تعالى ينصرهم بهذا وبغيره بلطفه العظيم كما هو الواقع فأحيانًا يكون الحكم بأيديهم وأحيانًا بأيدي غيرهم ولا يؤثر ذلك في سلوكهم الإيجابي أبدًا.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي١/ ٩٦
_________________
(١) انظر «وسطية أهل السنة» (١١٨).
(٢) رواه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٧٣١٢). من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٤) رواه الترمذي (٢١٩٢)، وابن ماجه (٦)، وأحمد (٣/ ٤٣٦) (١٥٦٣٤). من حديث قرة بن إياس ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي» و«صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
[ ١ / ١٤٩ ]