إن من أعظم ما فرق الأمة الإسلامية وأوهن جسدها: الابتداع في دين الله تعالى، إذ لو فتح الباب لكل إنسان أن يقول في الدين برأيه، وأن يحدث في الشرع ما يستحسنه بذوقه لتفرقت سبل الضلالات بالجماعة المسلمة - وهي الآن كذلك ـلذلك نهينا عن اتباع السبل وأمرنا باتباع الصراط المستقيم كما يقول الله ﷾: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأنعام: ١٥٣ [] ولقد عنون الإمام الآجري الباب الأول من كتابه كتاب (الشريعة): " باب: ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة بل الاتباع وترك الابتداع (١).، فهو يرى ﵀ أنه بلزوم الجماعة يكون الاتباع وإن الفرقة تكون بالابتداع في دين الله.
ولقد جاء الأمر الأكيد بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والتحذير من الإحداث في الدين الذي لا يكون إحداثا إلا بترك سنة الرسول ﷺ، يقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء: ٥٩].
_________________
(١) «كتاب الشريعة» (١/ ٢٧٥).
[ ١ / ٥٩ ]
ويقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب:٣٦].وحذر ﷺ من الإحداث في الدين فيقول: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (١).وقال ﷺ: «إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه السيف كائنا من كان» (٢). والهنات جمع هنة: والمراد بها هنا الفتن والأمور الحادثة (٣). فالبدع والمحدثات تفرق الأمة المسلمة وفي حديث آخر بين ﷺ أن في ترك سنته واتباع البدع تفريق للجماعة فيقول حذيفة بن اليمان ﵁: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قال: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٤) فذكر ﷺ من الأحوال التي ستحدث أنه سيأتي أقوام يهدون بغير هديه ويستنون بغير سنته وذكر ﷺ الدعاة على أبواب جهنم وهم من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال كالخوارج والقرامطة (٥).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤). من حديث العرباض بن سارية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح. وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١). وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٣٦)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) رواه مسلم (١٨٥٢) من حديث عرفجة ﵁.
(٣) «شرح صحيح مسلم للنووي» (١٢/ ٢٤١).
(٤) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).
(٥) انظر «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٣٧) للنووي «فتح الباري» (١٣/ ٣٦).
[ ١ / ٦٠ ]
وكأن حذيفة ﵁ فهم أن الأحوال السابقة من ترك السنة والعمل بالبدعة والدعوة إليها، كفيل بتمزيق الجماعة المسلمة لذلك سأل لما أمره ﷺ بلزوم الجماعة فقال: " فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ وفي حديث آخر يبين ﷺ أن هذه البدع وهذا الإحداث في الدين يفرق الأمة المسلمة ويوقعها في الاضطراب فتهتز السلطة والقيادة، والذي من شأنه أن يريق دماء المسلمين لذلك يوصينا ﷺ بالسمع والطاعة على من تولى أمر المسلمين واجتمعت عليه كلمتهم ولو عبدا حبشيا ما دام أنه يسير بهم بكتاب الله تعالى فالعلاج الوحيد لما ستقع فيه الأمة - وهي واقعة الآن فيه - من الاختلاف والفرقة هو اتباع سنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده والابتعاد عن هذه الضلالات المفرقة للجماعة فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فبماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (١).ولخطورة البدعة يحذرنا منها ﷺ وينهانا عنها فيقول: «إياكم والبدع» (٢). وليعلم أن الافتراق من لوازم البدعة والفرقة من سمات أصحابها يقول ﷾: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥]. قال قتادة: يعني أهل البدع (٣).يقول الشاطبي ﵀: "والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام (٤).ولقد جاء الحكم صريحا فيمن أحدث في الدين فقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٥). أي: مردود عليه غير مقبول، لما في هذا الإحداث من خطر بالغ على الدين يقول الإمام ابن القيم: ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها (٦)، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد (٧).ولقد حذر الصحابة من البدع، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن أصدق القيل قيل الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها (٨).وقال ابن مسعود ﵁: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (٩).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤). من حديث العرباض بن سارية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح. وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١). وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٣٦)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٠) وحسنه الألباني في «ظلال الجنة».
(٣) انظر «الاعتصام» للشاطبي (٤٣).
(٤) «الاعتصام» (٩٠).
(٥) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨). من حديث عائشة ﵁.
(٦) أي: للبدع.
(٧) «تهذيب مدارج السالكين» لابن القيم هذبه عبد المنعم العزي (٢٠٨).
(٨) رواه المروزي في «السنة» (٩٠)، وابن وضاح «البدع والنهي عنها» (٢٤).
(٩) رواه المروزي في «السنة» (٩٣).
[ ١ / ٦١ ]
ولقد اشتد نكير ابن مسعود على من أحدث في الدين وابتدع قولا وعملا ومن ذلك أنه جاء ﵁ إلى قوم حلق جلوس في المسجد ينتظرون الصلاة وفي كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مئة فيكبرون فيقول هللوا مئة فيهللون مئة ويقول سبحوا مئة فيسبحون مئة. فجاءهم ﵁ مع جمع من أصحابه ووقف على إحدى تلك الحلق وقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضع من حسناتكم شيء! ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه إن رسول الله ﷺ حدثنا: «إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم» وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى. قال عمرو بن سلمة الكوفي: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١).وفي رواية أخرى: أنه ما زال يحصبهم بالحصا حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: لقد أحدثتم بدعة ظلمًا أو قد فضلتم أصحاب محمد علمًا (٢).
فانظر كيف أنكر عليهم ابن مسعود بشدة ولم يعذرهم لحسن نيتهم بل قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إذ لا تكفي النية الحسنة للفعل ليقبل، بل لا بد من اتباع هدي محمد ﷺ وسنته
ويوصي ابن مسعود ﵁ بالاتباع فيقول: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. ويقول ابن عباس: عليكم بالاستقامة والاتباع، وإياكم والبدع (٣).ويقول الزبير بن العوام: السنن السنن فإن السنن قوام الدين (٤).
_________________
(١) رواه الدارمي (١/ ٦٨ - ٦٩)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٣). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ١١): إسناده صحيح.
(٢) كتاب «ما جاء في البدع» لابن وضاح.
(٣) «ذم الكلام» للهروي (٤/ ١٤).
(٤) «السنة» (١١١) للمروزي.
[ ١ / ٦٢ ]
ووصايا الصحابة كثيرة متضافرة تأمر بالاتباع وتحذر من الابتداع ولقد سار من بعدهم على نهجهم من التحذير من البدع فأفردوا مصنفات خاصة تأمر بالاتباع ولزوم السنة وتحذر من البدع لخطورتها. حتى لو عدت البدعة بسيطة أو بدا الإحداث في الدين صغيرًا، أو كان أمرا فرعيًا ميسورًا، فإن لهذا خطره ويجب الحذر منه والنهي عنه. يقول الإمام البربهاري: واحذر صغار المحدثات من الأمو، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها فعظمت وصارت دينا يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام. فانظر رحمك الله كل من سمعت من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله ﷺ أو أحد من العلماء فإن وجدت فيه أثرا عنهم فتمسك به ولا تتجاوز لشيء ولا تختار عليه شيئا فتسقط في النار (١).إن هذا التحذير من البدعة والهلاك الذي يحيط بصاحبها ليس فقط لخطورة البدعة على الفرد بل لخطورتها على الأمة وتقويضها لأركان الدين، ولقد أدرك أعداء الدين خطورة البدع وأهميتها في تفريق الجماعة المسلمة وزعزعة العقيدة الإسلامية التي توحد المسلمين وتجمعهم فعملوا على إشعال البدع بين المسلمين ومساندتها ورعايتها فما خرجت السبئية إلا من أحضان اليهودية، وما ضل جهم بن صفوان إلا بعد مناقشته للسمنية (٢).وما المعتزلة ومناهجهم الكلامية إلا من أثر الفلسفة اليونانية. وما زال أعداء الإسلام يواصلون طريقهم في محاولات جادة لإضلال المسلمين وصدهم عن دينهم بالتشكيك في السنة النبوية والطعن في شخصية الرسول ﷺ وإثارة الشبهات حولها (٣).
وما يقوم به المستشرقون من العمل على إخراج كتب البدع وتحقيقها ونشرها بدعوى إحياء التراث الإسلامي وما نشرت كتب الفلسفة وكتب أهل الاعتزال إلا تحت مسمى حرية الفكر والعقل المزعومة. أخيرًا: إنه لا حياة للمسلمين ولا قوة لهم ولا نصر إلا باتباعهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وأن يقتدوا بالصحابة ﵃ في موقفهم منهما تسليمًا وانقيادًا واتباعًا وعلى المسلم أن يوقن أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وأن شر الأمور محدثاتها فهذا يدحر كل بدعة، يقول ابن القيم: فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالاستعانة والإخلاص وصدق اللجأ إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان (٤).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٠٩
_________________
(١) «شرح السنة» (٦١).
(٢) السمنية: قوم في الهند دهريون ينكرون من العلم ما سوى الحسيات. انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٧٩٥).
(٣) انظر: «صراع الغرب مع الإسلام» لآصف حسين، ترجمة مازن مطبقاني (٩٢، ١١٥).
(٤) «تهذيب مدارج السالكين» (٩٠٢)، وانظر: «الرسالة التبوكية» لابن القيم (٥٢).
[ ١ / ٦٣ ]