ولا ريب أن العقيدة الإسلامية صافية نقية محجة بيضاء ولهذا ما إن ظهرت البدع والفتن التي أراد أهلها – بسوء نية – التشويش على صفائها وطمس نورها إلا ووقف السلف بكل حزم وشجاعة ويقين لردها والإنكار عليها وعلى أهلها لا تأخذهم في الله لومة لائم فحفظ الله بهم الدين وأتم بهم النعمة ولولا فضل الله ثم تلك الجهود التي بذلوها لاختلط الحق بالباطل وقال من شاء في الدين بما شاء ولانتشرت البدع والخرافات الباطلة إلى أن يصبح المسلمون في دينهم كما أصبح عليه من قبلهم ولكن الله لم يرض بهذا فقد تكفل بحفظ دينه الذي ارتضاه إلى يوم القيامة وسخر له رجالًا خدموه يبتغون فضل الله ورضوانه ما كانت تأخذهم في الله لومة لائم في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته.
فقد كان السلف من الرعيل الأول على عهد رسول الله ﷺ. أخلص الناس وأشدهم حفاظًا على شعائر الإسلام، كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم يتناصحون ويرشدون لا يقر لأحدهم قرار إذا رأى منكرًا أو بدعة من قريب أو من بعيد لا يداهنون أحدًا ولا يرهبون إلا ربهم.
[ ١ / ١٧٠ ]
ولو بدأنا التعرف على جهودهم في زمن الخليفة الراشد أبي بكر ﵁ لرأينا مدى اهتمامه بالحفاظ على العقيدة الإسلامية صافية نقية وما محاربته لأهل الردة وإرجاعهم إلى الدين إلا مظهر من مظاهر اهتمامه بخدمة العقيدة بل وما كانت هجرته إلى المدينة مع النبي ﷺ إلا أحد الشواهد على ذلك فلقد ترك المال والبنين والأهل والأحبة ليفر إلى البلد الذي يأمن فيه على عقيدته وما إنفاقه في سبيل الله وإعتاقه الرقاب إلا لوجه الله وخدمة عقيدته الحنيفية ولقد أسلم على يده أفذاذ كانوا مفخرة الإسلام والمسلمين ويطول الشرح لو أردنا استقصاء أعماله التي قدمها مبتغيًا بها وجه الله وخدمة دينه. وكذلك الحال مع الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ الذي اقض مضاجع أعداء الإسلام وأعلى الله به كلمة الحق وظهر المسلمون على أعدائهم ودخل الناس في دين الله أفواجًا وكانت درته سيفًا مسلطًا على رقاب أهل البدع وكانت سيرته العطرة وأخباره المشرقة مثار دهشة وإعجاب العالم أجمع كان شديدًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم شديد على أهل البدع يضربهم بالدرة مؤدبًا لرعيته بأقواله وأفعاله. دخل عليه شاب طويل الثوب وعمر يجود بنفسه فسلم عليه فلما خرج ناداه عمر فرجع إليه الشاب فقال له: يا بني أقصر من ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك (١) أو كلامًا نحو هذا ولم يشغله ما هو فيه من سكرات الموت حتى عن التنبيه على هذه المسألة فما الظن بغيرها؟ وقد ضرب رجلًا اسمه صبيغ حتى أدمى رأسه لأنه كان مغرمًا بالسؤال عن المتشابهات (٢) وهدد أبا موسى الأشعري حين استأذن ثلاثًا وانصرف قائلًا له لماذا استأذنت ثلاثًا وانصرفت فقال له: هكذا سمعت النبي ﷺ يقول: وكان أبو موسى صادقًا وعمر يعرفه بالصدق ولكنه أراد أن يحد ويؤدب من عسى أن تسول له نفسه التقول على الرسول ﷺ فقال له: هات شاهدًا وإلا فعلت وفعلت بك (٣)، وكان مهابًا رغم تواضعه الجم تهابه الناس وتهابه الشياطين كما أخبر بذلك النبي ﷺ: أنه لا يسلك واديًا أو فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا آخر (٤) وأخباره لا تستقصيها هذه العجالة ﵁.
وبعد وفاته واستشهاده خلفه عثمان ﵁ فأبلى في الإسلام وفي خدمته وفي الفتوحات ونشر الإسلام وخدمة العقيدة الحنيفية ما طفحت به المراجع التاريخية.
ومن أجل خدماته للإسلام كرمه الواسع ابتغاء مرضات الله تعالى وإنفاقه الذي فاق التصور ثم فتوحاته ونشر الإسلام ولا ينسى القارئ أجل خدمة قام بها عثمان في شأن كتاب الله تعالى إلى أن استشهد على يد البغاة عاقبهم الله بما يستحقون.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٧٠٠).
(٢) رواه الدارمي (١/ ٦٦)، والآجري في «الشريعة» (ص٧١)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٦٣٥). وقال محققه حسين أسد: رجاله ثقات غير أنه منقطع سليمان بن يسار لم يدرك عمر بن الخطاب.
(٣) رواه مسلم (٢١٥٤). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) روى البخاري (٣٢٩٤) من حديث سعد بن أبي وقاص قوله ﷺ: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك» وهو عند مسلم أيضا (٢٣٩٦)
[ ١ / ١٧١ ]
ثم خلفه علي ﵁ على نفس الأهداف في خدمة الدين ورفع رايته ومحاربة أهل الكفر وأهل البدع بأقواله وأفعاله حتى لقي ربه ثم جاءت الدولة الأموية وكان لأول ملوكهم معاوية ﵁ وهو من خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين خدماته الجليلة للإسلام والمسلمين فقد فُتحت البلدان الكثيرة في عهده وعهد خلفائه وانتشر الإسلام انتشارًا واسعًا وكان ﵁ محاربًا لكل محدث في الدين حماية للعقيدة الإسلامية أن تدنس بالشبهات.
ونبغ في عهد الدولة الأموية ثم العباسية علماء أجلاء خدموا الدين وقدموا أنفسهم في سبيل الحفاظ على صفائه ونقائه.
ولم يخل عهد من العهود إلا وفيه جهابذة من علماء السنة ومن المحافظين على بقاء ونقاء الإسلام إلى يومنا الحاضر ولله الحمد فلا ننسى تلك المواقف المشرفة لعلماء السلف في خدمة الدين الإسلامي. أمثال الإمام المبجل إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى أن جاء في العهد القريب الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي جدد الله به كثيرًا من السنن التي كادت أن تندثر وأذل به كثيرًا من أهل البدع التي انتشرت وأخذت حيزًا واسعًا في عقول المسلمين ويطول جدًا ذكر علماء السنة وذكر جهودهم في خدمة العقيدة فقد كُتبت المطولات العديدة في هذا الشأن ومن الصعوبة حصرها جميعًا أو حصر جهود مؤلفيها في وقفاتهم التي أصبحت نموذجًا يحتذى به ومشعلًا يستضاء به تلك الجهود التي قمع بها فتن المارقين أصحاب البدع ومختلف الفرق من جهمية ومعتزلة أشعرية وماتريدية وخوارج ومرجئة من بدء ظهورهم إلى يومنا الحاضر فأدوا الأمانة الملقاة على عواتقهم وابرؤوا ذممهم ونصحوا الأمة فحذروا وبينوا وألفوا الكتب والمقالات وكم لهم من محاضرات ومناظرات دحضوا فيها شبه الضالين وأقاموا الحجة على كل السامعين فانقلبوا بنعمة من الله تعالى وما هذه المؤلفات العديدة التي تزخر بها المكتبات الإسلامية إلا ثمرة من ثمار جهودهم وأقوى الشواهد على بلائهم.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ١٥٨
[ ١ / ١٧٢ ]