المبحث الثاني: سلامة الصحابة ﵃ من الفرقة لقد اختار الله ﷿ الصحابة ﵃ لصحبة نبيه ﷺ، وتبليغ دينه إلى الناس كافة، وما ذاك إلا لما علم ما في قلوبهم من محبة الحق، والعمل على نصرته، والاجتماع عليه، وبذل الأموال والأنفس في سبيل ذلك، يقول الحسن البصري ﵀ واصفا الصحابة: "أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه وإقامة دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (١).وقد تقدم معنا شيئا عن فضل الصحابة وعن فقههم، ولعله بان لنا موقفهم من الفرقة من خلال الفصول السابقة، وكيف أنهم ذموها وعابوها، فهم أعرف الناس بخطرها وضررها، وكانوا كذلك أبعد الناس عنها وأسلمهم منها، ولا يعني ذلك أنهم ﵃ لم يختلفوا؛ بل اختلفوا ولكنهم لم يفترقوا، وهذا شأن أهل الرحمة الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨ - ١١٩]، فهم يختلفون اختلافا لا يضرهم (٢).يقول ابن تيمية ﵀: "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]. وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين" (٣).ويقول الإمام إسماعيل الأصبهاني ﵀: "فإنا وجدنا أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في أحكام الدين فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم، فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع منهم نظام الألفة (٤).
هكذا كان الصحابة ﵃ متآلفين، مجتمعين، بعيدين عن أهل الفرقة وعن مناهجهم، وهناك نماذج ودلائل عدة على ذلك منها:
أولا: ما تقدم من أقوالهم العديدة في أمرهم المسلمين بالجماعة، ونهيهم عن الفرقة، وتحذيرهم من مغبة عواقبها
يقول ابن عباس ﵁ لسماك الحنفي: "يا حنفي الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت الله ﷿ يقول: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣]
ويقول عبدالله بن مسعود ﵁: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة".ويقول عمر بن الخطاب ﵁ محذرا الأمة: "إياكم والفرقة بعدي". أما علي بن أبي طالب ﵁ والذي يسير على نفس المنهج يقول: "الاختلاف حالقة الدين وفساد ذات البين، وإياكم والخصومات فإنها تحبط الأعمال، والاختلاف يدعو إلى الفتنة، والفتنة تدعو إلى النار، وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦] (٥).
_________________
(١) انظر كتاب «الشريعة» للآجري (٤/ ١٦٨٦).
(٢) انظر «الاعتصام» للشاطبي (ص٤٤٢).
(٣) «الفتاوى» (٤٢/ ٩٥).
(٤) الحجة في بيان المحجة (ص٢٤١) باختصار، وانظر عامه فهو كلام مفيد.
(٥) «ذم الكلام» للهروي (٤/ ٩).
[ ١ / ١٠٨ ]
وهذا معاوية بن أبي سفيان ﵁ ينصح الأمة ويحذرها من الفتنة فيقول: "إياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستيصال"
ثانيا: العمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف
لقد حرص الصحابة ﵃ على جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفها، وسعوا إلى سد باب الفرقة حتى لو كان على حساب مصلحته، فمصلحة المسلمين أولى، وحقن دمائهم أحرى بالعمل لأجله. وخوفا من الفرقة سارع الصحابة ﵃ بتولية أبي بكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ، ولإدراكهم أهمية جمع كلمة المسلمين على رجل يتولاهم، اجتمعوا ﵃ على بيعة أبي بكر ﵁ ولم يقضوا شيئا من أمر تجهيز رسول الله ﷺ ودفنه حتى أحكموا أمر البيعة (١).
لقد كانوا يعلمون أهمية الاجتماع على طاعة الإمام، إذ في الخروج عن أمره ومخالفته زعزعة للأمن وتأليب للناس، وتفريق لجماعة المسلمين لذلك لما حج عثمان ﵁ سنة ٢٩هـ وهو خليفة وأتم الصلاة في منى ولم يقصرها، عاتبه في ذلك عبدالرحمن بن عوف، واعتذر له عثمان ﵁ بأنه قد تزوج بمكة فكان في حكم المقيم لا المسافر، وبأن أناسا من أهل اليمن ظنوا أن الصلاة للمقيم ركعتان، فأتم عثمان ﵁ لذلك. ولما خرج عبدالرحمن بن عوف من عند عثمان لقي عبدالله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول "أي نصلي معه أربعا (٢).هذا هو منهج العالمين بأمر الله تعالى، المدركين أهمية الجماعة وخطر الفرقة، وأنه أصل من أصول الدين وقاعدة من قواعده الكلية، لا يقدمون عليه أمر جزئي أو فرعي من أمور الدين (٣).يقول العلامة صالح بن المهدي المقبلي (٤)، مبينا حرص الصحابة على جمع الكلمة، واحتواء الخلاف وتجاوزه من أجل ذلك يقول: "أن أكثر إغضائهم كان لصيانة أخوة الإسلام وحرمة أهله، لا لتساهل في الخلاف، حتى ربما يقضي أحدهم ويترك رأيه خشية شيوع الخلاف"، كقول علي ﵁: "اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف، حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي" (٥).ونقم ابن مسعود على عثمان ﵁ ترك القصر وتابعه في الصلاة، فقيل له، فقال: "الخلاف كله شر". فتركوا التنويه بالخلاف محاذرة لتفاقم الشر، لا لأنه مرضي عندهم، بل مراد الله تعالى كما شاع في المتأخرين وانتشر، إنما كان المهم المقدم عند أحدهم أن يكون الناس جماعة أو يموت سالما من الفتنة كما قال علي ﵁ (٦).
_________________
(١) انظر شرح «السنة» للبغوي (١٠/ ٨١، ٧٨ - ٨٤).
(٢) انظر حاشية «العواصم من القواصم» لمحب الدين الخطيب (ص٨٩)، وعزاه لـ «تاريخ الطبري» (٥/ ٥٦ - ٥٧)، «تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله ﷺ في الأخبار» للطبري (١/ ٢٢٤ - ٢٢٦) «مسند عمر بن الخطاب»، «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ١٥٤).
(٣) انظر «الموافقات» للشاطبي (٤/ ٥٣٥).
(٤) وهو: صالح بن مهدي بن علي المقبلي، مجتهد، من أعيان الفقهاء، ولد في قرية مقبل في اليمن، كان على مذهب الإمام زيد، ترك اليمن ورحل إلى مكة فاشتهر وكتب فيها مؤلفاته وتوفي بها، من كتبه: "الإتحاف لطلبة الكشاف" توفي سنة ١١٠٨ هـ انظر «الأعلام» (٣/ ١٩٧).
(٥) رواه البخاري (٣٧٠٧).
(٦) «العلم الشامخ» (ص ٤٨٦).
[ ١ / ١٠٩ ]
ويضرب لنا ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ أروع مثال وأصدقه لحرص الصحابة ﵃ على جمع الكلمة، والعمل على حقن دماء المسلمين ولو بسفك دمائهم، فلقد ضحى بنفسه ولم ينخلع من الخلافة خشية على أمة محمد ﷺ أن يتركوا بلا إمام، أو تكون سنة للخارجين فينفتح باب شر على الأمة. لقد دخل عبدالله بن عمر ﵁ على عثمان وهو محصور في الدار، وقال: "ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال ابن عمر: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني، وإن لم أخلع قتلوني، قال ابن عمر: أرأيت إن خلعت تترك مخلدا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا. قال ابن عمر: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا. قال: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصا قمصكه الله (١).وفي رواية عن عثمان أنه قال: "أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله" (٢)، وقال: "والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أخلع أمة محمد بعضها على بعض (٣).وليس هذا فقط؛ بل إنه ﵁ نهى الصحابة عن الدفاع عنه، وقتال من حاصروه حتى لا يراق دم بسببه، فقد جاء زيد بن ثابت إلى عثمان، وقال له: "هذه الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصارا لله مرتين. فيقول له عثمان: أما القتال فلا" (٤).وقال ﵁ يوم حصر في الدار: "إن أعظمكم عني غناء رجل كف يده وسلاحه" (٥).وقال لأبي هريرة لما طلب منه الإذن بقتال هؤلاء الخارجين عليه المحاصرين له، قال: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي؟ قال: لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتل الناس جميعا، فرجع أبو هريرة ولم يقاتل (٦).فعثمان ﵁ اختار أهون الشرين، فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين (٧). والصحابة حوله امتثلوا أمر الله بطاعة الإمام، وكان ﵁ قد عزم عليهم بحقه في طاعتهم له ألا يقاتلوا، فقال: "أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده وسلاحه" (٨) ..
ولقد سار الصحابة ﵃ على المنهج نفسه الذي رباهم عليه رسول اله ﷺ من بغض الفرقة، والسعي لجمع الكلمة، والتنازل عن بعض الحقوق، من أجل ذلك، مثاله: أنه لما توفى الحسن بن علي ﵁ وكان قد أوصى أخاه الحسين أن يدفن بجوار رسول الله ﷺ فإن خاف قتالا أو فتنة فليدفن بالبقيع. فلما مات ﵁ لبس الحسين السلاح وتسلح بنو أمية وقالوا: لا ندعه يدفن مع رسول الله ﷺ، أيدفن عثمان بالبقيع، ويدفن الحسن بن علي في الحجرة؟ وخاف الناس وقوع الفتنة والقتال، فأشار سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وجابر، وابن عمر ﵃ على ألا يقاتل، فامتثل ﵁ ودفن أخاه قريبا من قبر أمه بالبقيع (٩).
_________________
(١) «العلم الشامخ» (ص٤٨٦).
(٢) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٦٦).
(٣) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٧٢).
(٤) انظر «الطبقات» (٣/ ٧٠)، وانظر «العواصم من القواصم» لابن العربي (ص١٢٥ - ١٢٩).
(٥) انظر «الطبقات» (٣/ ٧٠)، وانظر «العواصم من القواصم» لابن العربي (ص١٢٥ - ١٢٩).
(٦) انظر «الطبقات» (٣/ ٧٠)، وانظر «العواصم من القواصم» لابن العربي (ص١٢٥ - ١٢٩).
(٧) انظر حاشية «العواصم من القواصم» للخطيب (ص١٢٩).
(٨) انظر «العواصم من القواصم» (١٣٣).
(٩) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ٤٤).
[ ١ / ١١٠ ]
﵃ وأرضاهم إنهم والله لهم الحكماء والعلماء والمريدون وجه الله بما يشيرون، وبما يجمعون به الأمة.
لم تكن الدنيا شغل الصحابة الشاغل، ولم يكونوا يسعون للملك والرئاسة، بل يريدون تبليغ دين الله تعالى، ويسعون في مصلحة المسلمين دون نظر إلى مصالحهم، أو السعي لتحقيق مآربهم، تعرض على أحدهم الدنيا فيردها يبتغي الأجر من الله بتوحيد صف المسلمين وحقن دمائهم، فها هو ذا الحسن بن علي ﵁ يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربعين، ويسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع كلمة المسلمين على معاوية ﵁. فالحسن تنازل عن الخلافة حرصا منه على الجماعة المسلمة، وخوفا من أن يراق دم من دماء المسلمين، لذلك لما اجتمع الجيشان ورآهم أمثال الجبال في الحديد من كثرتهم قال: "أضرب بين هؤلاء وهؤلاء في ملك من ملك الدنيا، لا حاجة لي فيه" (١).وخطب ﵁ في أهل العراق بعد وفاة علي بن أبي طالب وقال: إن كل ما هو آت قريب، وإن أمر الله ﷿ لواقع، ماله من دافع، ولو كره الناس، وإني ما أحب أن ألي من أمر أمة محمد ﷺ ما يزن مثقال ذرة حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد عرفت ما ينفعني مما يضرني" (٢).ولقد ذمه بعض أصحابه وأنصاره على تنازله عن الخلافة لمعاوية، حتى قال له رجل منهم لما قدم ﵁ إلى الكوفة قال له: "السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: لا تقل هذا!! لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك" (٣).وقال له آخر: يا عار المؤمنين!! فقال له: العار خير من النار (٤).
_________________
(١) كتاب «الشريعة» للآجري (٥/ ٢١٦٩).
(٢) كتاب «الشريعة» للآجري (٥/ ٢١٦٩).
(٣) انظر «البداية والنهاية» (٨/ ١٩).
(٤) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٦٥).
[ ١ / ١١١ ]
ثبات على المنهج وتصميم على الحق ولو عذل العاذلون، ولام اللائمون، ولم يكن السعي لجمع الكلمة والعمل على حقن الدماء صادر من الحسن بن علي وحده، بل كان هذا موقف الصحابة ﵃ ففي المقابل كان معاوية ومن معه من الصحابة حريصين أيضا على جمع الكلمة وعقد الصلح، وحقن الدماء، لذلك أرسل معاوية للحسن بن علي ﵁ يطلب منه الصلح ويشترط لنفسه ما شاءه لا عن قلة عدد جيشه بل خوفا من إراقة دماء المسلمين. فروى البخاري عن الحسن البصري قال: "استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية – وكان والله خير الرجلين – أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له واطلبا إليه (١).فأتياه فدخلا عليه فتكلما، وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به فصالحه. فقال الحسن (٢): ولقد سمعت أبا بكرة (٣) يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه – وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٤).يقول الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀ عن ذلك: "انظروا رحمكم الله وميزوا فعل الحسن الكريم بن الكريم أخ الكريم ابن فاطمة الزهراء مهجة رسول الله ﷺ، الذي قد حوى جميع الشرف، لما نظر إلى أنه لا يتم ملك من ملك الدنيا إلا بتلف الأنفس وذهاب الدين، وفتنة متواترة وأمور تتخوف عواقبها على المسلمين، صان دينه وعرضه، وصان أمة محمد ﷺ، ولم يحب بلوغ ما له فيه حظ من أمور الدنيا، وقد كان لذلك أهلا، فترك ذلك بعد المقدرة منه على ذلك تنزيها منه لدينه، ولصلاح أمة محمد ﷺ ولشرفه، وكيف لا يكون ذلك وقد قال النبي ﷺ: «إن ابني هذا سيد، وإن الله ﷿ يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٥).هذا هو المنهج، وهذا هو موقف الصحابة من الفرقة، موقف ثابت لثبات ما يستندون إليه من قول الله وقول رسوله ﷺ لا يتبدل أو يتغير، وإن تغير الأشخاص، فالخلافة والملك يعرض على صحابي آخر فيأباه خوفا على الأمة، وخشية إراقة دماء المسلمين، فلقد عرضت الخلافة على عبدالله بن عمر لكنه رفضها وقال: "إني والله لئن استطعت لا يهراق في سبي محجمة دم" (٦).ويقال له: لو أقمت للناس أمرهم، فإن الناس قد رضوا بك كلهم.
_________________
(١) أي طلب الصلح والتنازل عن الخلافة لمعاوية.
(٢) الحسن البصري راوي القصة.
(٣) هو: نفيع بن الحارث وقيا: نفيع بن مروح تدلى في حصار الطائف ببكرة فاشتهر بأبي بكرة مولى النبي ﷺ ومن فضلاء الصحابة رضوان الله عليهم، توفي سنة ٥١ هـ وقيل ٥٢هـ. انظر الإصابة (٦/ ٢٥٢)، السير (٣/ ٥).
(٤) رواه البخاري (٢٧٠٤).
(٥) كتاب «الشريعة» (٥/ ٢١٧٠)، وانظر «فتح الباري» (١٣/ ٦١ - ٦٧).
(٦) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٤/ ١٥١)، وانظر منه (٤/ ١٤٩، ١٥٢، ١٦٩، ١٧١، ١٨٢).
[ ١ / ١١٢ ]
فيقول لهم: "أرأيتم إن خالف رجل بالمشرق؟ قالوا: إن خالف رجل قتل، وما قتل رجل في صلاح أمة؟ فقال: والله ما أحب لو أن أمة محمد ﷺ أخذت بقائمة رمح، وأخذت بزجه فقتل رجل من المسلمين ولي الدنيا وما فيها (١).وفي موقف آخر لابن عمر ﵁ يظهر حرصه على موافقة الجماعة وعدم الخروج عنها، أو التسبب بالخروج عليها، إذ طلب معاوية بن أبي سفيان منه مبايعة يزيد ابنه بالخلافة بعده، وبين معاوية سبب ذلك قال: "إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع"، فقال له ابن عمر: "إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدا مجدع الأطراف" (٢).ولما تمت البيعة ليزيد بن معاوية، وشكى الناس منه، وأراد أهل المدينة خلعه، ظهر من حرص الصحابة على جمع الكلمة ووحدة الصف، ما ظهر من تسكين الثائرة، والمناصحة للمخالفين، فلما قيل لأسير (٣). ﵁ ما قيل في يزيد قال ﵁: "يقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، ولا أفقهها فقها، ولا أعظمها فيها شرفا، وأنا أقول ذلك، ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد ﷺ أحب إلي من أن تفرق، أرأيتكم بابا لو دخل فيه أمة محمد ﷺ وسعهم أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قالوا: لا، قال: أرأيتكم لو أن أمة محمد ﷺ قال: كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله أكان هذا يسعهم؟ قالوا: نعم، قال: فذلك ما أقول لكم" (٤) .. ولقد رفض عبدالله بن عمر ورفض النعمان بن بشير وغيرهم من الصحابة رفضوا خلع يزيد بن معاوية، واشتد نكير ابن عمر على من خلعه. وغضب ﵁، وخاف الفتنة والفرقة من خلعه والخروج عليه، فجمع حشمه وولده فقال: "إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه" (٥).بل ولعلمه ﵁ بحرمة الخروج على السلطان وخطورته وضرره على المسلمين يذهب ناصحا لعبد الله بن مطيع ومن معه من أهل المدينة لما أرادوا خلع يزيد بن معاوية، فيذهب إليه ابن عمر فيقول عبدالله بن مطيع: اطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة، فقال ابن عمر: "إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعة الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (٦).وكذلك كان أبو أمامة ﵁ حريصا على الجماعة فقال: عن حال الناس والأمراء في خلافة عبدالملك بن مروان قال: "أما والله إني لكاره لأعمالهم، ولكن عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم، والسمع والطاعة خير من الفجور والمعصية (٧).
ومن حرصهم على الجماعة ووحدة الصف أنه لما طلب من ابن عمر مبايعة عبدالملك بن مروان بين ﵁ أن قوله لا يخرج عن قول جماعة المسلمين، وأنه متى ما بايعه الناس بايعه، وفعلا لما تمت البيعة لعبد الملك لم يتأخر ابن عمر في مبايعته.
كل ذلك يبين لنا سلامة الصحابة من الفرقة وحرصهم على الجماعة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
_________________
(١) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٤/ ١٥١)
(٢) انظر «البداية والنهاية» (٨/ ٨٠).
(٣) أسير رجل من أصحاب رسول الله ﷺ وهو منسوب، انظر الإصابة (١/ ٥٠) دار الفكر، «الطبقات الكبرى» (٧/ ٦٧).
(٤) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٧/ ٦٧) بتصرف يسير.
(٥) رواه البخاري (٧١١١).
(٦) رواه مسلم (١٨٥١).
(٧) انظر كتاب «السنة» للمروزي (٧٧).
[ ١ / ١١٣ ]
ثالثا: حرصهم على حسم مادة الاختلاف قبل وقوعه، واستدراكه قبل استفحالهلقد أدرك الصحابة ﵃ أهمية الجماعة وضرورتها لإقامة هذا الدين، وجعل كلمة الله هي العليا، وعلموا يقينا – كما أخبرهم ربهم – خطر هذه الفرقة إذا دبت في المجتمع المسلم، لذلك حرصوا أشد الحرص على حسم مادة الفرقة والاختلاف بتعلم الناس أصول الاعتقاد، وبيان مسائله التي قد تكون شبهة على بعض الناس، كما كان علي بن أبي طالب يعلم الناس إثبات القدر، وكان عبادة بن الصامت يوصي ابنه بالإيمان بالقدر (١).كما حرص الصحابة ﵃ على اجتماع الأمة، وعدم حدوث شيء يشوش على العامة أو يوجب اختلافهم، لذلك لما رأى عمر بن الخطاب أبي بن كعب وعبدالله بن مسعود يختلفان في الصلاة في الثوب الواحد، إذ قال أبي: الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل، وقال ابن مسعود: إنما كان والثياب قليلة، فخرج عمر مغضبا وقال: "اختلف رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ فمن ينظر إليه ويؤخذ عنه، وقد صدق أبي، ولم يأل ابن مسعود، ولكني لا أسمع أحد يختلف فيه بعد مقامي هذا إلا فعلت به كذا وكذا (٢).ومن حرصه أيضا ﵁ ما جمع الناس عليه من عدد تكبيرات صلاة الجنازة، فقد كان الصحابة مختلفين منهم من يكبر خمسا، ومنهم من يكبر سبعا، ومنهم من يكبر أربعا (٣)، فحسم الفاروق ﵁ مادة الاختلاف وجمع الصحابة على أربع تكبيرات ونهاهم عما سوى ذلك.
ومن ذلك أيضا ما وقع بين سلمان الفارسي ﵁، وحذيفة بن اليمان، حيث كان حذيفة بالمداين فيذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة ويخبرونه بذلك، فجاء حذيفة لسلمان وقال له: وما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ﷺ؟ فقال سلمان: "أن رسول الله كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضى لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة؟ والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر".
فرضي الله عنهم وأرضاهم كانوا أعلم الناس وأحرصهم على الجماعة، وأبعدهم عن الفرقة، يوصي بعضهم بعضا، وينبه وينصح بعضهم بعضا بذلك.
_________________
(١) كتاب «الشريعة» للآجري (٢/ ٨٤٢).
(٢) انظر «جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٢/ ٩١١، ٩١٤).
(٣) واختلاف الصحابة هذا من اختلاف التنوع.
[ ١ / ١١٤ ]
إن مما أوصى به الصحابة ومن بعدهم لحسم مادة الاختلاف، والحد من انتشار الفرقة ما أوصوا به من هجر أصحاب البدع، والنهي عن مجالستهم ومحادثتهم بل حتى السلام عليهم. فهذا عمر بن الخطاب يضرب صبيغ بن عسل (١). لما بدأ يسأل أسئلة تثير الشبهة في نفوس الناس، ولا يكتفي عمر بضربه بل يأمر بهجره وعدم الجلوس معه تأديبا له ومنعا من انتشار شره بين الناس حتى أعلن توبته (٢).وكذلك يوصي ابن عباس بهجر القدرية فيقول: "لا تجالسهم ولا تكلمهم" (٣).ومن مواقف الصحابة ﵃ ومحاولتهم استدراك الخلاف واحتوائه قبل فشوه وانتشاره ما حصل في زمن عثمان ﵁ ذلك أن حذيفة بن اليمان قدم عليه، وكان يغازي بأهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في قراءة القرآن، فلما رجع قال لعثمان: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى". إذ بلغ اختلافهم أن كفر بعضهم بعضا، فاستشار عثمان الصحابة ﵁ في أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف فكان ذلك (٤).
فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأعاننا الله على السير بهداهم.
تنبيه:
لا يرد في الذهن أن سلامة الصحابة من الفرقة تعارض بما وقع بين الصحابة يوم الجمل وصفين، بل إن ما وقع يشهد لهم ﵃ بسلامتهم من الفرقة، وحرصهم ﵃ على إقامة الحق، واجتهادهم في ذلك.
فأما ما حدث في وقعة الجمل ومسير أم المؤمنين عائشة ﵄، والزبير ابن العوام وطلحة إلى البصرة إنما كان غرضهم في ذلك أمرين:
_________________
(١) هو: صبيغ بن عسل ويقال ابن سهل الحنظلي قدم المدينة زمن عمر بن الخطاب ﵁ فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وأعد له عراجين النخل فضربه به حتى دمى رأسه، وأقر له عطاءه. انظر الإصابة (٣/ ٢٥٨).
(٢) انظر «الشريعة» للآجري (١/ ٤٨١)، شرح أصول اعتقاد أهل «السنة» للالكائي (٤/ ٦٣٤)، ولقد نفع ذلك مع صبيع بن عسل إذ أنه دعي بعد ذلك إلى اللحاق بالخوارج الحرورية فرفض وقال: "هيهات! قد نفعني الله بموعظة الرجل الصالح"، يقصد تأديب عمر له. انظر: مصنف عبدالرازق (١١/ ٤٢٦)، «التنبيه والرد» للملطي (ص١٨١).
(٣) انظر كتاب «الشريعة» (٢/ ٨٧٥)، وانظر في هجر أهل البدع «الشريعة» (٥/ ٢٠٢٤، ٢٥٢٤، ٢٥٤٤).
(٤) انظر «فتح الباري» (٩/ ١٨).
[ ١ / ١١٥ ]
١ - الصلح ولم الشمل وجمع كلمة المسلمين.٢ - الطلب بدم أمير المؤمنين عثمان بن عفان (١).وكان قصد علي بن أبي طالب ﵁ الصلح أيضا (٢).ولبيان ذلك نذكر ما دار بين القعقاع بن عمرو (٣) ﵁ حينما أرسله علي ﵁ إلى طلحة والزبير وعائشة ﵄ وهم في البصرة، حيث أرسله علي إليهم يدعوهم إلى الألفة والجماعة، يعظم عليهما الفرقة والاختلاف، فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين فقال: "أي أماه ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس. فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها، فحضرا فقال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت: إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شيء يكون؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن. قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن. فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم، وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه – يعني أن الذي تريدونه من قتل عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها – وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فقالت عائشة ﵂: فماذا تقول أنت؟ قال: أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وإدراك الثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر كانت علامة شر وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقونا، فكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولا فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر. فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء (٤).والتقت الطائفتان قرب البصرة وهما على ما فارقا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين وباتوا بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، لأنهم علموا أن الفريقين اصطلحوا على دمائهم، وأن في اصطلاح الناس هلاكهم، فباتوا يتشاورون، وأجمعوا على أن نجاتهم في فرقة الطائفتين، فعزموا على أن يثيروا الحرب بين الطائفتين من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل (٥).
_________________
(١) انظر «البداية والنهاية» (٧/ ٢٣٠، ٢٣٩، ٢٤١).
(٢) انظر «البداية والنهاية» (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٨).
(٣) القعقاع بن عمرو التميمي،، أحد فرسان العرب وأبطالهم في الجاهلية والإسلام، له صحبه، شهد صفين مع علي ﵁، توفي نحو ٤٠هـ. انظر الإصابة (٣/ ٢٣٩) دار الفكر، «الأعلام» (٦/ ٤٨).
(٤) انظر «البداية والنهاية» (٧/ ٢٣٧).
(٥) المراد بهم قتلة عثمان.
[ ١ / ١١٦ ]
ليس فيهم صحابي واحد، فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فتهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا: طرقتنا أهل الكوفة ليلا، وبيتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب علي، فبلغ الأمر عليا فقال: ما للناس؟ فقالوا: بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، وكان أمر الله قدرا مقدورا وقامت الحرب على ساق وقدم (١).يقول ابن حزم ﵀: "أما أم المؤمنين والزبير وطلحة ﵃ لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافا عليه ولا نقضا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلما، ولم يكن نهوض علي إلى البصرة لقتالهم لكن موافقا لهم على ذلك ليقوي بهم، وتجتمع الكلمة على قتلة عثمان ﵁، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير، وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم، فردعوا حتى خالطوا عسكر علي، فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا تشك أن الأخرى بدأتها بالقتال، فاختلط الأمر اختلاطا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة قتلة عثمان – لعنهم الله- لا يفترون من شب الحرب، وإضرامها فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها، ومقصدها مدافعة عن نفسها (٢).فالقتال وقع بقصد أهل الفتنة لا بقصد السابقين الأولين (٣). فرضي الله عنهم وأرضاهم. أما ما جرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ في صفين، فبين ابن حزم ﵀ هذا الأمر حينما قال: إن ما حدث كان اجتهاد في الرأي من معاوية ﵁ حيث أنه رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان ﵁ على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان من ولد عثمان، وله في ذلك مستند (٤)، وإنما أخطأ من تقديمه ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك، ولا إثم عليه، فما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرا واحدا وللمصيب أجرين.
وأما علي ﵁ فقاتل معاوية لامتناعه عن إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته.
وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه، وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله، وإن كان متأولا وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله، ولا بموجب له فسقا بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي ﵁ وصحة إمامته، وأنه صاحب الحق وأن له أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية ﵁ ومن معه مخطئون مأجورون أجرا واحدا.
_________________
(١) انظر «البداية والنهاية» (٧/ ٢٣٨، ٢٣٩). باختصار وتصرف، انظر الفتنة ووقعة الجمل رواية سيف بن عمر الضبي، جمع وتصنيف أحمد عرموش (ص١٤٥).
(٢) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لأبي محمد بن حزم (٤/ ٢٣٨).
(٣) انظر «منهاج السنة» النبوية لابن تيمية (٦/ ٣٣٩)، وانظر تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل لأبي بكر الباقلاني (٥٥٣، ٥٥٧)
(٤) مستنده: بأن رسول الله ﷺ أمر عبدالرحمن بن سهل أخا عبدالله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت، وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر، وروى: الكبر الكبر، فسكت عبدالرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابني مسعودن وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه، انظر «الفصل» (٤/ ٢٤١).
[ ١ / ١١٧ ]
ولو أن معاوية بايع عليا لقوي به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصح أن الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم، ولولا ذلك لأنفذ الحق عليهم كما أنفذوه على قتلة عبدالله بن خباب إذ قدر على مطالبة قتلته. فعلي ﵁ طلب حقه وقاتل عليه، وقد كان له تركه ليجمع كلمة المسلمين، ومن ترك حقه رغبة في حقن دماء المسلمين فقد أتى من الفضل بما لا وراء بعده، ومن قاتل عليه ولو أنه فلس فحقه طلب، ولا لوم عليه، بل هو مصيب في ذلك، وبالله التوفيق (١).
ثم ليعلم أن هذه الفتنة التي وقعت إنما هي بين بعض الصحابة ﵃، وهم الذين اجتهدوا ورأوا أن الحق مع إحدى الطائفتين فلحق بها، أما أكثر الصحابة فاعتزلوا الفتنة. يقول الإمام محمد بن سيرين (٢) ﵀: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين (٣).ويقول الشعبي (٤) ﵀: "بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن" (٥).
فكان منهجهم ﵃ اعتزال الفتنة ولزوم البيت وترك القتال.
_________________
(١) انظر «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٢٤٠ – ٢٤٤). باختصار وتصرف، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصبهاني (٣٦٤ – ٣٧١)، «الفتاوى» (٤/ ٢٦٨) «البداية والنهاية» (٨/ ٢٥٢ – ٢٧٧).
(٢) هو: محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، أبو بكر إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي من أشراف الكتاب، اشتهر بالورع وتعبير الرؤيا، توفي سنة ١١٠هـ. انظر التهذيب (٩/ ٢١٤)، «الأعلام» (٦/ ١٥٤).
(٣) انظر «البداية والنهاية» (٧/ ٥٢).
(٤) هو: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، أبو عمر الهمداني الشعبي، كان فقيها عالما، توفي سنة ١٠٤هـ. انظر: السير (٤/ ٢٩٤)، الشذرات (١/ ١٢٦).
(٥) انظر «تاريخ الطبري» (٣/ ٦)، تحقيق «مواقف الصحابة في الفتنة» لمحمد أمحزون (٢/ ١٦٧).
[ ١ / ١١٨ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والذين قعدوا عن القتال جملة أعيان الصحابة كسعد وزيد وابن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وهم يروون النصوص من النبي ﷺ في القعود عن القتال في الفتنة. وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة حتى قال الإمام أحمد: لا يختلف أصحابنا أن قعود علي عن القتال كان أفضل له لو قعد، هذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال وتبرمه به، ومراجعة الحسن ابنه له في ذلك، وقوله له: ألم أنهك يا أبت؟ وقوله: لله در مقام قامه سعد بن مالك، وعبدالله بن عمر، إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطأه ليسير" (١).وينبه الإمام النووي على أمر مهم فيقول: "قوله ﷺ: «إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» (٢)، معنى: تواجها ضرب كل واحد وجه صاحبه أي ذاته وجملته، وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له ويكون قتالها عصبية ونحوها واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا أو لم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته منهم" (٣).
ختاما: إن الناظر في حال الصحابة ﵃ يظهر له ويتبين سلامتهم من الفرقة، فقد كانوا على الجماعة حريصين، ومن الفرقة بعيدين، وفي موقفهم من الفرقة متحدين، لتقديمهم نصوص الوحي، ولاتباعهم هدي رسول الله ﷺ، ولسلوكهم السبيل الذي دعا إليه محمد ﷺ كما قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨].
فهم ﵃ سائرون على الصراط المستقيم الذي وصاهم به ربهم تعالى، مجانبون في ذلك سبل الضلالة، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣]
إن وحدة الموقف تنتج من وحدة المنهج، فهل تعي الأمة ذلك وتعود لتوحد مناهجها لتتحد مواقفها، وتعود لقول ربها لتلتئم وحدتها بتوحيدها لله رب العالمين قولا وعملا، وتصديقا وتسليما، ويعود كما كان البنيان المرصوص، والجسد الواحد، أسأل الله ذلك.
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٣٢٧ - ٣٤٧
_________________
(١) «الفتاوى» (٤/ ٢٦٩)، وانظر منه (٣٥/ ٣٣، ٣٦)، «منهاج السنة النبوية» (٦/ ٣٣٣).
(٢) رواه مسلم (٢٨٨٨) ورواه البخاري (٣١) بلفظ التقى.
(٣) شرح «صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ١١).
[ ١ / ١١٩ ]