المبحث الخامس: الغلو في الدين، وردود الأفعال لقد جاء الإسلام آمرا بالاعتدال والاقتصاد والوسطية في كل أمر (١)، حتى ميزت هذه الأمة وخصت بذلك، قال ﷾: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣].
وقال سبحانه آمرا بالاستقامة والاعتدال، ناهيا عن الغلو والطغيان: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: ١١٢]. وحذرنا رسول الله ﷺ من الغلو ومجاوزة الحد المشروع لنا، فقال ﵊ ناهيا عن الغلو، مبينا أنه سبب هلاك من قبلنا: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٢).وبين ﵇ أن هذا المتنطع الغالي المتعمق، المجاوز للحد في قوله وفعله (٣) هالك لا محالة فيقول: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا (٤).
ويقول ﷾ في شأن أهل الكتاب ناهيا إياهم عن الغلو: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا [النساء: ١٧١].
ويقول ﷾: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]. ويبين الإمام الطحاوي اعتدال هذا الدين وبعده عن الغلو فيقول: " ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام. . وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس (٥).
والناظر لأقوال الفرق المبتدعة التي فرقت الأمة بذلك يجدها خرجت بسبب الغلو والتقصير، فالمعطلة غلوا في التنزيه وقصروا في الإثبات، والمشبهة غلوا في الإثبات وقصروا في التنزيه، وكلاهما أخذ ببعض النصوص وترك بعضا، والحق في الاعتدال والجمع بين النصوص.
_________________
(١) انظر في ذلك «الفتاوى» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٧، ٢٥٠ – ٢٥٢)، «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية» (٢/ ١٣٣).
(٢) «سنن النسائي»، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (٥/ ٢٧٨)، سنن ابن ماجة، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٠٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي له (٢/ ٦٤٠).
(٣) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٢٢٠).
(٤) رواه مسلم (٢٦٧٠).
(٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٧٨٦)، وانظر مستفيدا كتاب «وسطية أهل السنة بين الفرق» لمحمد باكريم محمد باعبد الله (ص ٣٠٣).
[ ١ / ٦٧ ]
أما الخوارج فغلوا في إثبات الأعمال وعدها من الإيمان حتى كفروا المسلمين بمجرد المعصية، وقابلهم المرجئة فغلوا حتى أخرجوا العمل من الإيمان. فكان الغلو في ردود الأفعال سببا لأن ترد البدعة ببدعة والباطل بباطل. يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة ﵀: ولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر، وكثر بينهم التنازع حمل البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط، فقالوا بمذهب جهم في الجبر (١).ويقول ابن أبي العز الحنفي: فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي وأولئك كفروه؟ وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة. وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا. . وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم " (٢).من الخطأ إذًا: أن ترد البدعة ببدعة، وينقض الباطل بباطل مثله، إنما المنهج في الرد على أهل البدع ما ذكره ابن تيمية حيث يقول: كثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة: إما أن يوافقوهم على بدعهم الباطلة، وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة، وإما أن يجمعوا بين هذا وهذا، وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلا، ولا يدفع باطله بباطل أصلا، فيلزم المؤمن الحق وهو ما بعث الله به رسوله ﷺ، ولا يخرج منه إلى باطل يخالفه: لا موافقة لمن قاله، ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلا، وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب والسنة بما يناقض ذلك وإن كان لا يظهر ذلك في بادئ الرأي (٣).ويذكر أن رد الباطل بباطل، والبدعة ببدعة من طرق استزلال الشيطان لبني آدم فينبغي الحذر منه فيقول: " لا يجوز لأحد أن يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد. . فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا، فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات " (٤).
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٤٥ - ٢٤٧
_________________
(١) «الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية» (ص ٢٠)، وانظر (ص ٢٢، ٤٠ – ٤٢) منه.
(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٧٩٩) باختصار.
(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٢٩٢) وانظر (١/ ٢٥٤) و(٧/ ٢٨٨).
(٤) انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ١٣٣ – ١٣٤) باختصار.
[ ١ / ٦٨ ]