إن الفرقة والاختلاف عذاب وعقوبة من الله ﷿ للأمة حينما تعصيه، أما الاجتماع والائتلاف فهو رحمة بالأمة ونعمة من الله على عباده المؤمنين. لقد أمر الله عباده المؤمنين أن يلزموا الجماعة ويلتزموا السمع والطاعة، وبين سبحانه أن النجاة تكون بالتمسك والاعتصام بحبله سبحانه الذي هو الجماعة (١) كما قال سبحانه: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣]. ومتى ما عملت الأمة بأمر الله وأمر رسوله ﷺ عاشت بخير واستطاعت أن تبلغ دينها وتعلي كلمته واستطاعت أن تقود البشرية إلى كل خير في الدنيا والآخرة. والمتأمل للقرون الماضية في تاريخ الأمة الإسلامية يجد هذا الأمر جليًا واضحًا أنه متى ما تمسكت الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ واجتمعت على الحق وائتلفت قلوبها قويت هذه الجماعة وسادت وقادت وهذا رحمة من الله بها وما إن تدب الفرقة في صفوف الأمة وتتخلى عن بعض ما أمرت به وتتهاون في تطبيق سنة بينها ﷺ تضعف وتهون وتصبح لقمة سائغة في أيدي الأعداء وما ذاك إلا لأن الجماعة رحمة من الله بالأمة أما الفرقة فهي عذاب وعقوبة من الله ﷿ يعاقب بها الأمة حينما تعصيه ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» (٢) وفي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (٣) وفي الحديث عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه قال: «لما نزل على رسول الله ﷺ: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا قال: أعوذ بوجهك. أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال أعوذ بوجهك. فلما نزلت: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ قال: هاتان أهون أو أيسر» (٤) قال علي بن خلف بن بطال ﵀: "أجاب الله دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب ولم يجبه في أن لا يلبسهم شيعا أي فرقا مختلفين وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض أي: بالحرب والقتل بسبب ذلك وإن كان ذلك من عذاب الله لكنه أخف من الاستئصال وفيه للمؤمنين كفارة (٥).
_________________
(١) ([١١١]) هذه أحد المعاني الواردة (لحبل الله) انظر «زاد المسير في علم التفسير» لابن الجوزي (١/ ٤٣٣).
(٢) ([١١٢]) رواه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٤/ ٢٧٨) (١٨٤٧٢). من حديث النعمان بن بشير ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٨٢): رواه عبد الله، وأبو عبد الرحمن راويه عن الشعبي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٣١٠٩).
(٣) ([١١٣]) رواه مسلم (٢٨٩٠). من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٤) ([١١٤]) رواه البخاري (٧٣١٣). من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٥) ([١١٥]) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (١٠/ ٣٦٠).
[ ١ / ٢٤ ]
ويقول عبدالله بن عباس ﵄ في قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا قال: الأهواء والاختلاف" وقال في قوله: وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب (١)
وكما بين الله ﷿ فيما مضى من نصوص أن هذه الفرقة عقوبة وعذاب امتن الله ﷿ على المؤمنين بتأليف قلوبهم وذكرهم نعمته عليهم بأن جمع شملهم ووحد كلمتهم بهذا الدين العظيم وبقيام الأخوة الإيمانية بينهم وقد كانوا في جاهلية وشر وكفر بالله ﷿ وفرقة لا يعلمها إلا الله فجاء الله سبحانه بدينه ونبيه وجمع بينهم، وفي هذا تنبيه للمسلمين على أهمية الجماعة وأنها من نعم الله العظمية وآلائه الجزيلة، وفيه تنفير من الفرقة التي هي عقوبة وعذاب.
يقول الله ﷿: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]. يقول الطبري في تأويل قوله سبحانه: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا يقول: "واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء أي: بشرككم يقتل بعضكم بعضا عصبية في غير طاعة الله، ولا طاعة رسوله فألف الله بالإسلام بين قلوبكم فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه (٢) وعن قتادة بن دعامة السدوسي قوله: " كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب (٣) وأما قوله: " فأصبحتم بنعمته إخوانا" فإنه يعني فأصبحتم بتأليف الله ﷿ بينكم بالإسلام وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر إخوانا متصادقين لا ضغائن بينكم ولا تحاسد. وقال رجل لعبد الله بن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانا (٤) نعم هذه صفة الجماعة المسلمة وحال أفرادها: متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله متعاونين على البر والتقوىولقد نصر الله ﷿ نبيه ﷺ بنصره المؤزر وبالمؤمنين المجتمعين على طاعة الله وطاعة رسوله وهذا مما امتن الله به على نبيه ﷺ وأنعم الله به على المؤمنين إذ يقول الله تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:٦٢ - ٦٣] (٥) بالألفة والمحبة بين المسلمين وبرباط الأخوة الإيمانية تتحد الجماعة المسلمة وتقوى وتسود لتنشر هذا الدين العظيم.
وأما إذا نزعت ورفعت هذه الألفة حل محلها العداوة والبغضاء ودبت الفرقة والخصومات بين الناس وضعفت الجماعة الإسلامية وعاشت العذاب بالفرقة إلا أن يرحمها ربها بالجماعة.
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٤٨ - ١٥٢
_________________
(١) ([١١٦]) انظر: «تفسير الطبري» (٧/ ١٤٢ - ١٤٣).
(٢) ([١١٧]) انظر «تفسير الطبري» (٤/ ٢٢).
(٣) ([١١٨]) انظر «تفسير الطبري» (٤/ ٢٤) وانظر: (تفسير ابن كثير (١/ ٣٦٨).
(٤) ([١١٩]) انظر «تفسير الطبري» (٤/ ٢٢).
(٥) ([١٢٠]) انظر «تفسير السعدي» (٣/ ١٨٦).
[ ١ / ٢٥ ]