الأصل في البشرية هو الوحدة والجماعة على التوحيد .. والتفرق والاختلاف في الشرك بالله تعالى طارئ حادث.
يقول الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣].
فيخبر الله ﷿ في هذه الآية أن الناس كانوا أمة واحدة أمة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. يقول عبدالله بن عباس ﵄: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين (١).وقيل: إن وقت كون الناس أمة واحدة على دين التوحيد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه فعرضهم على آدم، يقول أبي بن كعب ﵁: " كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم يومئذ على الإسلام وأقروا له بالعبودية وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم ثم اختلفوا من بعد آدم (٢) فالله سبحانه إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف. فالأصل في البشرية هو الاجتماع على التوحيد الخالص لله ﷿، والأصل أن الناس كانوا مجتمعين على الدين الواحد دين التوحيد وأنه ما إن دب الشرك في الأمة إلا وقارنته الفرقة فاستلزم بعثة الأنبياء والرسل رحمة من الله تعالى بالناس وإعذارا لهم فهو سبحانه كما في الحديث: «ولا أحد أحب إليه من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (٣).
_________________
(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥)، والحاكم (٢/ ٥٩٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٦٩): أصح سندًا. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح وإن كان موقوفًا روايةً فهو مرفوعٌ درايةً.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٨)، وابن أبي حاتم (٢/ ٧٤).
(٣) رواه البخاري (٧٤١٦) بلفظ: « ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة».
[ ١ / ٢٩ ]
وفي هذه الآية رد على من زعم أن الأصل في البشرية الشرك والتعدد في الآلهة ثم كان التوحيد. بل الأصل التوحيد ثم كان الشرك ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: ١٩].يقول الإمام أبو جعفر محمد الطبري: فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به وذلك أن الله ﷿ قال في السورة التي يذكر فيها يونس: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:١٩] فتوعد الله ﷿ ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع ولا على كونهم أمة واحدة ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته الله ﷿ ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإنابة ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك (١).وقيل: إن المراد بالأمة هو آدم ﵇ فكان آدم على الحق إماما لذريته (٢).وسواء كان معنى الأمة: الدين الخالص لله تعالى أو معناه آدم لما قام بهذا الدين الخالص واجتمع ولده على هذا الدين لحين الاختلاف فهذا يؤكد أن الأصل في البشرية الاجتماع على التوحيد وأن الفرقة حلت بالبشرية حينما تركت هذا الأصل فطرأ الشرك بالله تعالى (٣).
وفي هذا تنبيه لأولي الألباب أن تحقق الجماعة المسلمة لا يكون إلا على التوحيد لله رب العالمين وفيه تحذير من الإخلال بهذا التوحيد أو الإتيان بما يؤثر فيه أو ينقصه أو يذهبه من شركيات وبدع لأن ذلك سيؤدي إلى الفرقة المذمومة المحذر منها.
ولما كانت الجماعة لا تتحقق إلا بالاجتماع على التوحيد الخالص لله تعالى كانت هذه وصية الله لأنبيائه ورسله وهذا ما سيتضح في النقطة الآتية إن شاء الله.
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٥٦ - ١٥٨
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٢٨٠).
(٢) انظر «تفسير الطبري» (٢/ ٩٥) «زاد المسير» لابن الجوزي (١/ ٢٢٩).
(٣) انظر في ذلك: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٦١).
[ ١ / ٣٠ ]