لقد حذرنا الله ﷿ ورسوله ﷺ من اتباع سنن الكافرين خاصة أهل الكتابين، وأخبرنا أن أمته ستتبع السنن الماضية الضالة، وأنها ستفترق كما افترقوا.
وفي هذا بيان أن تقليد الكفرة واتباع طريقتهم وسيرتهم من أسباب الفرقة التي دبت في الأمة، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة "، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا شبرا وذراعا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك». (١) وفي حديث آخر عن أبي واقد الليثي أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر إنها السنن قلتم – والذي نفسي بيده – كما قالت بنو إسرائيل لموسى: قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨]. لتركبن سنن من كان قبلكم». (٢) ويقول ابن تيمية: " فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان ﷺ ينهى عن التشبيه بهؤلاء وهؤلاء " (٣).ولقد جاءت نصوص كثيرة تأمرنا بمخالفة الكفار، وتنهى عن التشبه بهم، ولقد خصت الفرقة بمزيد ذكر في كتاب الله ﷿ حيث جاء النهي عن مشابهة الكافرين في تفرقهم خاصة (٤)، يقول الله ﷿: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥].
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣١٩)
(٢) رواه الترمذي (٢١٨٠) وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٤٧) والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٤٦) وابن حبان (١٥/ ٩٤) (٦٧٠٢) والطبراني (٣/ ٢٤٤) وقال الترمذي حسن صحيح، وقال الهيثمي (٧/ ٢٤): فيه كثير بن عبد الله وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه، وقال الألباني صحيح.
(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٨١، ١٧٠).
(٤) انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٠١).
[ ١ / ٨٧ ]
ويأمر الله ﷿ نبيه بمخالفة الكافرين وعدم اتباع أهوائهم، يقول ﷿: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: ١٨]، ويقول سبحانه: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد: ٣٧]. والناظر لأحوال الأمة الآن يجد أن الفرقة قد دبت بين المسلمين، وأن البدعة قد فشت فيهم، وأن في كثير منها مشابهة ومضاهاة للكافرين، مثل الغلو في الصالحين، وكتم العلم أو تحريفه كما فعلت اليهود، أو جحد الحق الذي مع المخالف كما فعلت اليهود والنصارى، والغلو في الدين والابتداع فيه من البناء على القبور، واتخاذ العبادات والأعياد التي لم يشرعها الله ولا رسوله (١)، والذي من شأنه أن يحرف الناس عن الصراط المستقيم، ويلجئهم للسبل المفرقة للأمة.
وحاضر المسلمين اليوم شاهد على ذلك من ترك أكثرهم نصوص الوحيين وجريهم خلف الكافرين ومتابعة عوائدهم وسننهم سواء كان على مستوى الدولة في السياسة والحكم أو على مستوى الفرد في الأخلاق والسلوك مما يوهن جسد الأمة، ويبث الفرقة والاختلاف فيها كما هو واقع الآن.
ولقد بين ابن تيمية ﵀ الحكمة من النهي عن مشابهة الكافرين، والأمر بمخالفتهم، وأن في ذلك مزيد تمسك بالصراط المستقيم فقال: " وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح باب إلى معرفة الانحراف.
وقد بعث الله محمدا ﷺ بالحكمة، وكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر لأمور منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما؛ في الأخلاق والأعمال.
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام – الذي هو الإسلام لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا، أو باطنا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة – كان إحساسه بمفارقته اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين " (٢).
وإن صاحب هذا التقليد للكافرين هوى في النفوس كان أدهى وأمر، وأشد تفريقا للأمة، لما في اتباع الهوى من صد عن الصراط المستقيم، كما يتضح بالآتي ..
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٩٢ - ٢٩٥
_________________
(١) انظر دراسات في الأهواء والفرق والبدع لناصر العقل (ص ٣٥٧ – ٣٦٠)، التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلام ي لجميل اللويحق (ص ٤٩، ٥٢، ١٧٧، ٣٣٩).
(٢) انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٩٢، ٩٤).
[ ١ / ٨٨ ]