لقد جاء النهي الأكيد والتحذير الشديد من الفرقة، كما أن الله ﷿ توعد الساعي في تفريق الأمة، المفارق لجماعتها بالوعيد الشديد مما يلحق به الضرر البالغ، ومن ذلك:
أولا: الوعيد الشديد من الله تعالى لأهل الفرقة
لقد توعد الله سبحانه المفارق للجماعة المسلمة في نصوص عديدة، يقول الله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] فمن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ، وخالف ما اجتمعت عليه الأمة المحمدية (١)، وخالف طريق المسلمين (٢) فقد عرض نفسه للعقاب الشديد من الله ﷿ في قوله تعالى: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجا له كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا النار يوم القيامة (٣).
وقال الله ﷿ متوعدا المفارقين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ١٣] فهؤلاء الذين خالفوا الله ورسوله وساروا في شق وتركوا الشرع والإيمان واتباعه في شق، وشقوا العصا وجعلوها فرقتين فهؤلاء توعدهم بقوله: فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ هو الطالب الغائب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء ﵎ لا إله غيره ولا رب سواه (٤).
ويكفي أهل الفرقة أصحاب البدع وعيدا لهم أن رسول الله ﷺ منهم بريء، وهم منه برءاء. يقول الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] عن الحسن البصري قال: خرج علينا عثمان بن عفان ﵁ يوما يخطبنا، فقطعوا عليه كلامه، فتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء، قال: وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي ﷺ فقيل: هذا صوت أم المؤمنين، قال: فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (٥).وعند الطبري أن أم سلمة قالت: ليتق امرؤ أن لا يكون من رسول الله ﷺ في شيء، ثم قرأت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (٦).
_________________
(١) انظر «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٢٥).
(٢) انظر «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٤٧).
(٣) انظر «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٢٦).
(٤) انظر «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٨١) بتصرف.
(٥) انظر «الاعتصام» للشاطبي (ص٤٣)، وأم المؤمنين هنا هي أم سلمة ﵂ يفسره الأثر الذي بعده.
(٦) انظر «تفسير الطبري» (٨/ ٧٨).
[ ١ / ٩٢ ]
ولما كان هؤلاء المفارقون بريئين من محمد ﷺ، ومحمد منهم بريء توعدهم الله فقال: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ [الأنعام:١٥٩]. أي: أنا الذي إلي أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك دونك ودون كل أحد، إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضيل مني عليهم، ويوم القيامة يجازي كلا منهم بما فعله في الدنيا، المحسن منهم بالإحسان، والمسيء بالإساءة كما قال: ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (١).
ثانيا – تسويد الوجوه يوم القيامة
إن الفضيحة أن يأتي أهل الفرقة أصحاب البدع يوم القيامة وقد اسودت وجوههم عقابا لهم لما أحدثوه في دين الله وفرقوا به المسلمين، يقول الله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: ١٠٥ – ١٠٦] قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: "يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة – قاله ابن عباس ﵄" (٢).
ثالثا – أن شذوذه عن الجماعة شذوذ إلى النار هذا ما توعد به رسول الله ﷺ المفارق للجماعة، فإن مفارقته هذه وشذوذه عن الصراط المستقيم إنما هو شذوذ إلى النار والعياذ بالله، قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار». (٣) بل إن هذا الذي خلع طاعة إمامه، وفارق جماعة المسلمين قد ارتكب إثما عظيما عند الله، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ: «فمن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع» (٤).وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "والله ما فارق رجل الجماعة شبرا إلا فارق الإسلام". (٥)
رابعا – إن المفارق يأتي يوم القيامة ولا حجة لهولا يسأل عنه لسوء حاله، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له» (٦) وقال: «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده» (٧).
_________________
(١) انظر «تفسير الطبري» (٨/ ٧٩) بتصرف.
(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٩٠).
(٣) رواه الترمذي (٢١٦٧) والحاكم (١/ ٢٠١) (٣٩٧) قال الترمذي غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم استقر الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان وله أصل وشواهد، وقال ابن حجر «إتحاف المهرة» (٨/ ٩٢٥) ضعيف، وقال الألباني صحيح دون قوله ومن شذ ..
(٤) رواه أبو داود (٤٧٥٨) والترمذي (٢٨٦٣) وأحمد (٥/ ٣٤٤) (٢٢٩٦١) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي حسن صحيح غريب، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٥٢٧) صحيح، وصححه الألباني.
(٥) «المصنف» لابن أبي شيبة (٧/ ٤٥١) و«السنة» للخلال (١/ ٨٧)
(٦) رواه مسلم (١٨٥١) عن ابن عمر
(٧) رواه أحمد (٦/ ١٩) (٢٣٩٨٨)، والحاكم (١/ ٢٠٦) (٤١١)، وأبو يعلى (٥/ ١٨٤) (٦٩٠٦) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه ولا أعرف له علة "، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
[ ١ / ٩٣ ]
خامسا – الحرمان من الشرب من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلمما أشد عطش الناس يوم القيامة؟! ومن أشد الحرمان أن يحرم العبد المسلم من أن يشرب من حوض نبينا محمد ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبدا، ويخشى على المبتدعة المفارقين لجماعة المسلمين أن يكونوا ممن يحال بينهم وبين الشرب من الحوض (١).ففي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم» (٢).وقال ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجالا منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوك بعدك» (٣).
سادسا – الموت ميتة جاهليةإن هذا المفارق للجماعة لو مات وهذا حاله فميتته ميتة جاهلية قال رسول الله ﷺ: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية». (٤) ويقول ﷺ: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية» (٥) والمراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت للأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير الحق (٦).فهذا وعيد شديد لكل من يسعى لقلب الحكم وحل البيعة بسيفه بالإفساد كالتفجير والتهديد والقتل وإخلال الأمن، أو بلسانه بتأليب الناس على الإمام وتحريضهم للخروج عليه، فمن هذا شأنه ومات على ذلك فحال موته كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لا أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا (٧).
_________________
(١) انظر «فتح الباري» (١١/ ٣٨٥، ٤٦٣)، «الاعتصام» للشاطبي (ص٥٤) «التذكرة» للقرطبي (ص٣٠٦)، «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» لجلال الدين السيوطي (ص١٥ – ٢٣)، «النهاية في الفتن والملاحم» لابن كثير (١/ ٢٣٦).
(٢) رواه البخاري (٦٥٩٣)، ومسلم (٢٢٩٣).
(٣) رواه البخاري (٦٥٧٦)، ومسلم (٢٢٩٧)
(٤) رواه مسلم (١٨٤٨)
(٥) رواه البخاري (٧٠٥٤) ومسلم (١٨٤٩)
(٦) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٦ - ٧).
(٧) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٧) بتصرف وزيادة.
[ ١ / ٩٤ ]
سابعا – البعد عن التوبة، واستدراجه في معصيته لقد حجب الله سبحانه التوبة عن صاحب البدعة المفارق للجماعة (١) الخارج عن الصراط المستقيم، يقول رسول الله ﷺ: «إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة» (٢).وعن يحيى بن أبي عمرو السيباني (٣) قال: "كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة توبة، وما ينتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منه" (٤).وتصديق ذلك ما قاله رسول الله ﷺ عن الخوارج: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه» (٥).ولعل بيان سبب حجب التوبة عنه وبعدها منه في قوله ﷺ بعد ذكر الافتراق المشهور وذكره لافتراق أمته قال: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (٦) يقول الإمام الشاطبي ﵀ شارحا ذلك: "وسبب بعده عن التوبة أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس لأنه أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدا لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل مع ضميمة أخرى: وهي أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك؟ وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به، وهو الدليل الشرعي في الجملة (٧).ثم ما الذي يصده عن الاستمساك بمنهجه، والازدياد من رأيه، وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟ أفيفيد البرهان مطلبا؟! كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [المدثر:٣١] (٨).وينبغي أن نعلم أن هذه النصوص لا تدل على أن لا توبة أصلا للمبتدع المفارق للجماعة، بل قد يتوب ويرجع إلى السنة والجماعة، وقد وقع، فالعموم في الحديث ليس عموما بإطلاق يقتضي الشمول، بل هو عموم عادي يقتضي الأكثرية (٩).وأغلب من تحجب عنهم التوبة، وتكون بعيدة المنال عنه: من قد أشرب قلبه بهذه البدعة، وأعجب برأيه وفعله، وظن أنه يتقرب بذلك إلى الله، فأخذ يدعو إلى بدعته وفعله، ويوالي ويعادي على ذلك، فهذا بحق يتجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه (١٠).
_________________
(١) إن المفارق للجماعة بمعصيته هذه التي تعتبر من البدع هو من ضمن المبتدعة، يقول الشاطبي: "وأما مفارقة الجماعة فبدعتها ظاهرة، لذلك يجازى بالميتة الجاهلية" انظر «الاعتصام» (٣٨٥).
(٢) كتاب «السنة» لابن أبي عاصم (ص٢١) وفال عنه الألباني "حديث صحيح".
(٣) هو: يحي بن أبي عمرو السيباني أبو زرعة الحمصي، ابن عم الأوزاعي، ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة ١٤٨هـ. انظر التهذيب (١١/ ٢٦٠).
(٤) انظر كتاب «ما جاء في البدع» لمحمد بن وضاح القرطبي (ص١١٧ – ١١٨).
(٥) انظر كتاب «ما جاء في البدع» لمحمد بن وضاح القرطبي (ص١١٧ – ١١٨).
(٦) رواه أبو داود (٤٥٩٧) وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٧٩) والطبراني (١٩/ ٣٧٦) (١٦٥٥٤) والحديث سكت عنه أبو داود، والحاكم في المستدرك (٤٤٣) وصححه، وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (٥١) حسن صحيح.
(٧) «الاعتصام» (ص١٠٠).
(٨) انظر «الاعتصام» (ص١٠١) بتصرف.
(٩) انظر «الاعتصام» (ص٥٢٦).
(١٠) انظر تفصيل ذلك: «الاعتصام» للشاطبي (ص١٠٠، ٥٢٣ - ٥٣٤)، وانظر ما سيأتي (ص٢٤٦) هامش (٣) معنى الكلب.
[ ١ / ٩٥ ]
ولقد توعد الله سبحانه هذا المفارق للجماعة المعجب ببدعته توعده باستدراجه على عمله، قال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥].فهذا المفارق للجماعة السالك غير طريق الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ، المخالف سبيل المؤمنين يجازيه الله تعالى بأن نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى أي: نحسن فعله في صدره ونزينه له استدراجا له، وكما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] (١).
ثامنا – عدم قبول العمل وإحباطهإن هذا المفارق للجماعة، المحدث في دين الله، المخالف لسنة رسول الله ﷺ عمله مردود عليه وإن ظن أنه حسن وصواب، أو كانت نيته حسنة فلا ينفعه ذلك ما دام أنه مخالف للسنة، يقول رسول الله ﷺ:» من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد «(٢)، فلا يقبل الله منه ما ابتدع وأحدث في دين الله فإنه ضلالة (٣).وقيل: إن صاحب البدعة لا يقبل منه عمل بإطلاق على أي وجه وقع، من وفاق السنة أو خلافها، قال ابن عمر ﵄ عن القدرية: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" (٤).وكذلك جاء عن عبادات الخوارج حينما ذكر من صلاتهم وصيامهم وعملهم الصالح قال بعد ذلك ﷺ: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (٥) ويؤيد هذا القول ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المدينة حرم من عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» (٦).وذلك على رأي من فسر الصرف بالفريضة، والعدل بالنافلة، وهذا شديد جدا على أهل الإحداث في الدين (٧).وقيل: بل يرد عمله ولا يقبل إذا كانت بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، أو كانت بدعته تخرجه عن الإسلام، أو كان اعتقاده في الشريعة ضعيفا بأن يدعي أنها مكملة أو تابعة لرأيه وعقله (٨).
تاسعا – الحرمان من شفاعة الرسول ﷺ ففي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «رجلان ما تنالهما شفاعتي، إمام ظلوم غشوم، وآخر غال في الدين مارق منه» (٩).
_________________
(١) انظر «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٢٦)، وانظر كتاب «الاعتصام» للشاطبي (ص٤٨).
(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨)
(٣) انظر «الاعتصام» (ص٨٨).
(٤) رواه مسلم (٨).
(٥) رواه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤)
(٦) رواه البخاري (٧٣٠٠)
(٧) انظر «الاعتصام» للشاطبي (ص٨٥) بتصرف، «فتح الباري» (٤/ ٨٦).
(٨) انظر «الاعتصام» للشاطبي (ص٨١ - ٨٨) باختصار وتصرف.
(٩) رواه ابن أبي عاصم «السنة» (ص٢٣) ورواه الطبراني (١٧٢٥١) بلفظ صنفان، وقال الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢٣٥) رجاله ثقات، وصححه الألباني.
[ ١ / ٩٦ ]
عاشرا – البعد عن رحمة الله، والوقوع في عذابه تعالىإن أهل الفرقة بعيدون عن رحمة الله تعالى، إذ الرحمة تكون لأهل الاتفاق والائتلاف من الأمة، قال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨ - ١١٩]. فأهل الاختلاف المذكورين في الآية مباينون لأهل الرحمة (١)، معرضون لعذاب الله، قال رسول الله ﷺ: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب»، فالفرقة وأهلها بعيدون عن رحمة الله، واقعون في عذاب، معرضون أنفسهم لعقوبته تعالى.
الحادي عشر – جواز قتل المفارق المفرق للجماعة، وهدر دمهلقد أجاز الشرع الحكيم قتل المفارق لجماعة المسلمين الساعي لتفريقها إذا لم يندفع إلا بذلك، وما ذاك إلا لخطورة فعله على الأمة، بل وجعل دمه هدرا لا دية ولا قصاص فيه (٢).قال رسول الله ﷺ: «إنه ستكون هنات وهنات (٣)، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان». (٤) وقال أيضا: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (٥).
الثاني عشر – تسلط الشيطان عليه وملازمته له
إن شأن كل معرض عن الحق، مقبل على هواه مخلد إلى دنياه، شأنه أن يكون وليا للشيطان، تابعا له، يقول الله ﷿: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].قال رسول الله ﷺ: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد». (٦) وقال أيضا: «يد الله مع الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم» (٧).
فليحذر المفارق للجماعة، الساعي في تفريق كلمة المسلمين، والعامل على شق عصا الطاعة، فليحذر المفارق للجماعة، والساعي في تفريق كلمة المسلمين، والعامل على شق عصا الطاعة، فليحذر من استزلال الشيطان إياه، وتزيينه له عمله، وليعد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وليلزم الصراط المستقيم، جماعة المسلمين، وليكن وليا من أولياء الرحمن، وليبعد عن حزب الشيطان.
_________________
(١) انظر «الاعتصام» (ص٤٤٢).
(٢) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٤١).
(٣) الهنات جمع هنه وتطلق على كل شيء، والمراد بها هنا: الفتن والأمور الحادثة. انظر شرح «صحيح مسلم» (١٢/ ٢٤١).
(٤) رواه مسلم (١٨٥٢)
(٥) رواه مسلم (١٨٥٢).
(٦) رواه الترمذي (٢١٦٥) وأحمد (١/ ٢٦) (١٧٧) والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٨٧) وابن حبان (١٠/ ٤٣٦) (٤٥٧٦) والحاكم (١/ ١٩٧) (٣٨٧)، قال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم صحيح على شرطهما ومثله قال الذهبي، وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٧/ ١٢٠) إسناده صحيح، وصححه الألباني.
(٧) رواه الطبراني (١/ ١٨٦) (٤٩٢) وقال الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢١٨) فيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف.
[ ١ / ٩٧ ]
الثالث عشر – إن صاحب البدعة الساعي للفرقة تنزع منه العصمة، ويبعد عن الرحمة، ويوكل إلى نفسه قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا، وأن ما سوى ذلك تفرقة لقوله: وَلاَ تَفَرَّقُواْ والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة لأن خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام (١).
الرابع عشر – ما يلقى المفارق للجماعة من الذل في الدنيا والغضب من الله
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف: ١٥٢]. فالآية وإن كانت في شأن عباد العجل من بني إسرائيل، ولكن قوله: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ عموم فيهم وفيمن أشبههم من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله. فكل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عزه وجبروته فهم في أنفسهم أذلاء، وما العز الذي ينالوه إلا بسبب ملازمتهم للسلاطين واللوذ بأهل الدنيا، أما من لم يقدر على ذلك فهو ذليل مستخف ببدعته عن الجمهور (٢). ومن ذلة أهل البدع والفرقة ما جاء في النهي عن توقيرهم ومجالستهم ومخالطتهم (٣).
الخامس عشر – أن هذا المبتدع المفرق لجماعة المسلمين المفارق لصراطه المستقيم عليه إثم من عمل ببدعته وسار على ضلالته إلى يوم الدين، فياله من إثم عظيم ووزر ثقيل؟! (٤).
قال تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥].وقال رسول الله ﷺ: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (٥).
_________________
(١) انظر «الاعتصام» للشاطبي (ص٨٩ - ٩٠).
(٢) انظر «الاعتصام» (ص١٠١ - ١٠٢)، وانظر الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي (ص٨٩ - ٩٠).
(٣) انظر «الاعتصام» (ص٩٠).
(٤) انظر «الاعتصام» (ص٩٧).
(٥) رواه مسلم (١٠١٧)
[ ١ / ٩٨ ]
السادس عشر – أنه يخشى عليه فتنة وسوء الخاتمةجاء رجل إلى مالك بن أنس ﵀ وسأله: يا أبا عبدالله من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ؟ إني سمعت الله يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] (١).وهذه الفتنة التي ذكرها مالك ﵀ تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه، وما سنه نبيه ﷺ دون ما اهتدوا إليه بعقولهم (٢).لذلك قال عبد الله بن مسعود لمن رآهم في المسجد يذكرون الله بطريقة جماعية قال لهم: "لقد أحدثتم بدعة ظلما أو قد فضلتم أصحاب محمد علما (٣). وفي لفظ آخر: "لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم أو أنكم تمسكون بذنب ضلالة (٤).وأما ما يخاف عليه من سوء الخاتمة لأن صاحب البدعة الساعي في الفرقة مصر على ما نهى الله عنه، ومن مات مصرا على المعصية فيخاف عليه (٥).ويلخص الشاطبي ما تقدم ويزيد فيقول: "فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة، ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها، وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من الله بعبادته بعدا؟! وهي مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقى عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله ﷺ، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا، ويسود وجهه في الآخرة، يعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله ﷺ وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة (٦).
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٣٠١ - ٣١٣
_________________
(١) انظر «الحلية» لأبي نعيم (٦/ ٣٢٦)، «الاعتصام» (ص١٣٢).
(٢) انظر «الاعتصام» (ص١٠٧).
(٣) انظر كتاب فيه «ما جاء في البدع» لابن وضاح (ص٤٤ - ٤٥).
(٤) انظر «الاعتصام» (ص١٠٤).
(٥) انظر «الاعتصام» (ص١٠٤).
(٦) انظر «الاعتصام» (ص٨٣).
[ ١ / ٩٩ ]