علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع.
ونصوص رسول اللَّه ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده.
الأصل الثاني: - (فتاوى الصحابة)
الأصل الثاني من أصول فتاوى الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل أن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة، يقول "لا أعلم شيئا يدفعه" أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد، وهكذا قال أنس بن مالك لا أعلم أحدًا رد شهادة العبد، حكاه عن
[ ٢٧ ]
الإمام أحمد، وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة، لم يقدم عليه عملًا، ولا رأيًا ولا قياسًا.
الأصل الثالث:- (الاختيار من أقوال الصحابة إذا اختلفوا)
الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
قال إسحاق بن هانئ في مسائله قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه، قيل له: أفيجيب عليه؟ قال: لا.
الأصل الرابع: (الحديث المرسل)
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، فالعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح
[ ٢٨ ]
وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صاحب، ولا إجماعا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس.
الأصل الخامس: - (القياس للضرورة)
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول للصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس -وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليه مدارها، وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده، أو اختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين.
وكان شديد الكراهية والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. ا. هـ
[ ٢٩ ]
(من إعلام الموقعين - الجزء الأول باختصار من الأصل الأول) .
فهل في هذه الأصول الخمسة لمن تحلى بالإنصاف قول لقائل أو نقد لناقد، ولا شك أن الحنابلة هم أتباع هذا الإمام الجليل الذي قال فيه بعض أهل العلم: تأيد الدين برجلين بأبي بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، يقصد
[ ٣٠ ]
بذلك يوم أن امتحنه بذلك المأمون والمعتصم والواثق بالسجن والضرب حتى يقول أن القرآن مخلوق فامتنع وصبر على الأذى واحتسب الأجر عند الله.
فهل وقف القارئ على عقيدة الإمام أو أحد من أتباعه وخصوصا فيما يوهم التشبيه والتجسيم كما يقول المفترون، وفي كلام اللَّه ما زعمه الزاعمون من أن الجلد والمداد قديمان، كل ما قالوا أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وسيأتي فيما بعد رد هذه الفرية من كلام شيخ الإسلام والحافظ ابن القيم رحمهما اللَّه وغيرهما.
وها أنا أتحدى هؤلاء الزاعمين المفترين -أن الحنابلة يمثلون اللَّه بخلقه أو يجسمونه أو
[ ٣١ ]
يشبهونه أو يقولون في القرآن ما زعموا- أن يأتوا بكلمة واحدة من كتب الإمام أحمد أو كتب أصحابه المحققين يثبت ذلك، وإلا فلينادوا على أنفسهم بالجهل والافتراء.
ويعلم الواقفون على كلامهم أن لا نصيب لكلامهم من الصحة، وأن علومهم هباء في هباء، وقولهم كذب وافتراء، إذ لم يسندوها إلى المصادر المعتبرة من كتب أولئك العلماء فوالله لو استعانوا بالجن والإنس، وصعدوا إلى المريخ ونزلوا إلى أعماق الأرضين، لما أتوا بحرف واحد يدل على زعمهم وافترائهم.
وها أنا ذا أوضح هذا المرام فيما يلي:
[ ٣٢ ]