المسألة الثالثة
وأما المسألة الثالثة وهي مسألة التوسل بالنبي ﷺ وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ، فهي مسألة مشهورة، والكلام فيها معروف عند أهل العلم. فطائفة من العلماء منعوا من ذلك سواء توسل بالنبي ﷺ أو بغيره، وطائفة جوزوا ذلك بالنبي ﷺ لا بغيره، واستدل هؤلاء بما روى الترمذي والنسائي أن النبي ﷺ علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها؛ اللهم فشفعه في»، فاستدلوا بهذا الحديث على جواز التوسل به ﷺ في حياته وبعد مماته، وقالوا: ليس في التوسل به ﷺ دعاء للمخلوق والاستغاثة به، وإنما هو دعاء ولكن فيه بجاهه ﷺ. قالوا: وهذا مثل قوله فيما رواه ابن ماجه في دعاء الخارج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا
[ ٩٨ ]
بطرًا خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، هذا حاصل ما استدل به المجوزون للتوسل به ﷺ.
[ ٩٩ ]
وأما المانعون من ذلك فيقولون: إن صح الحديث فليس فيه دليل على جواز التوسل به ﷺ بعد مماته، وإنما فيه جواز ذلك في حياته بحضوره، قالوا: والدليل على صحة ما قلناه أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس ﵄ فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا فيسقون.
ولو كان التوسل به ﷺ بعد مماته مشروعًا لما عدل عمر عن النبي ﷺ إلى العباس هذا ما ذكره العلماء في هذه المسألة.
ونحن وإن قلنا بالمنع من التوسل به ﷺ بهذا اللفظ أو نحوه لما نعتقده من أصحية المنع فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على
[ ١٠٠ ]
من فعله مستدلًا بالحديث فضلًا عن أن نكفره كما ينسبه إلينا من لم يعرف حقيقة ما نحن عليه، وكذلك قول بعضهم أنا نكفر الناس بالعموم، ونستبيح دماء الناس وأموالهم من غير حجة، وكقول بعضهم: أنا نمنع من زيارة القبور، ونكفر من فعله ونحو هذه الأقاويل التي برأنا اللَّه منها، وله الحمد.
ونحن لا نكفر إلا من كفره اللَّه ورسوله، ونعوذ باللَّه من أن نقول على اللَّه بلا علم في أسمائه وصفاته وشرعه وأحكامه، فإن ذلك من أعظم الذنوب كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
[ ١٠١ ]