المسألة الثانية
وأما المسألة الثانية وهي مسألة شد الرحل لزيارة قبر النبي -ﷺ- فقد جوز طائفة من متأخري العلماء شد الرحل إلى قبر النبي ﷺ وكذلك قبور الصالحين، وخالفهم طوائف من المحققين. والذي نعتقده هو ما دل عليه الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، وبهذا الحديث الصحيح تعرف بطلان قول المجوزين، فإن كل قول يخالف قول سيد المرسلين مردود على قائله، مضروب به في وجهه لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.
وكل أحد من أفراد الأمة وإن بلغ في العلم ما عسى أن يبلغ فهو أنقص من أن يرد لقوله قول محمد بن عبد اللَّه -ﷺ- لا سيما إن كان ذلك القائل في القرون المتأخرة المفضولة كما في مسألتنا.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول اللَّه -ﷺ- وتقولون قال أبو بكر وعمر فإذا كان هذا فيمن اختار قول أبي بكر وعمر على قول رسول اللَّه ﷺ، فكيف تكون حال من رد
[ ٩٣ ]
قوله ﷺ لقول عالم من العلماء؟.
فمن شد الرحل لزيارة القبر الشريف، أو غيره من قبور الصالحين فهذا ممنوع؛ لما في هذا الحديث من حصر جواز ذلك في المساجد الثلاثة.
والذي يشد الرحل لزيارة القبور أي قبر كان، داخل في هذا النهي، لكن ينبغي لمن يشد الرحل إلى أحد المساجد الثلاثة أن يزور من هناك من الصالحين؛ فإن زيارة القبور من غير شد رحل سنة مرغب فيها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «زوروا القبور فإنها تذكركم الموت»، وفيه عن بريدة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وقد كان ﷺ يخرج إلى أهل البقيع فيدعو لهم، كما جاء ذلك في الصحيح، فهذه هي الزيارة الشرعية وهي أن يكون مقصود الزائر تذكر الآخرة والدعاء للميت والاستغفار له.
[ ٩٤ ]
وأما ما يتوهمه بعض الناس من أن الزيارة إنما شرعت لأجل التبرك بالصالحين، وتحري الإجابة عند قبورهم فهو وهم فاسد مخالف لما شرعه اللَّه ورسوله، قال ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: ولم يكن أحد من الصحابة يقصد الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا صلى عندها.
[ ٩٥ ]
وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي -ﷺ- يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف، وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، وقول بعضهم فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ إن كان لك حاجة فاستغث به، أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم، ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ - أنه قال: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا»، قالت عائشة -﵂-: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدًا، وثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»، وقد علم أن عمر لما أجدبوا استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون فلم يذهبوا
[ ٩٦ ]
إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس، وكان توسلهم به توسلًا بدعائه كالإمام مع المأموم وهذا تعذر بموته. انتهى. قلت: وليت أهل زماننا اقتصروا على البدعة، ودعوا اللَّه عند قبور الصالحين، ولا أشركوهم في خالص حق اللَّه وأنت تراهم يسافرون إلى القبور من مسيرة أشهر، وبعضهم يرى ذلك السفر أفضل من الحج إلى بيت اللَّه، ويفعلون عند تلك القبور وفي تلك المشاهد من الشرك والكفر ما تطير منه أفئدة أهل الإيمان.
اللهم إنا نعوذ بك من الشرك ووسائله، والله أعلم.
[ ٩٧ ]