وإذ ذكرنا مقدمة تطلع القارئ على معلومات جمة عن السلف الصالح، وعلى معتقدهم ومنهم الحنابلة، ونفي ما نسب إلى الحنابلة النجديين من الأمور السابقة وإلى السابقين ومن القول بقدم الجلد والغلاف.
كما تكشف له الافتراءات المنسوبة إليهم، وتبين حقيقة قولهم في الصفات، والكلام صفة من صفاته ﷻ فلنشرع الآن في بيان المذاهب في كلام البارئ ﷾ فنقول وبالله التوفيق:
هذه المسألة قد ضل فيها طوائف عديدة، وحبس الإمام أحمد وغيره من أجل أنه امتنع أن يقول: أن القرآن مخلوق، كما أوذي غيره بسببها من المأمون والمعتصم والواثق أبناء هارون الرشيد الذين تمذهبوا بمذهب المعتزلة، وهذا بيان المذاهب:
الأول -الذي عليه الحنابلة- هو ما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين- أن كلام اللَّه غير مخلوق
[ ١٠٢ ]
وأنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء ومتى شاء، وأن الكلام صفة له قائمة له بذاته، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته بحرف وصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.
قال العلامة ابن قدامة -﵀- وهو من كبار علماء الحنابلة، قال:
(فصل) ومن صفات اللَّه تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ويأذن لهم فيزورونه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾
[ ١٠٣ ]
وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.
وقال عبد اللَّه بن مسعود -﵁- إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع صوته أهل السماء. روى ذلك عن النبي ﷺ، وروى عبد اللَّه بن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر اللَّه الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.
وقال بعد كلام:
(فصل) ومن كلام اللَّه سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب اللَّه المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات وآيات بينات، وحروف وكلمات، ومن قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض متلو بالألسنة، محفوظ
[ ١٠٤ ]