(أولًا) المتكلمون في العقائد، وسموا بالمتكلمين، لكثرة كلامهم حول كلام الله، وحول صفات الله، قد انقسموا إلى فرق:
(١) منهم من لم يثبت للَّه صفة ولا اسما كالجهمية.
(٢) ومنهم من أثبت له الأسماء دون الصفات وهم المعتزلة، وقالوا عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، ونفوا الكلام لله، وقالوا بل يخلق اللَّه الكلام منفصلًا عنه، كما سيأتي بيانه.
(٣) ومنهم من أثبت للَّه الأسماء وصفات المعاني فقط، وهي سبعة: الحياة والعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، ومشتقاتها وهي الأسماء -أعني- كونه حيا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا إلخ.
ونفوا بعد ذلك الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة كالاستواء واليد ونحو ذلك، وهؤلاء هم أكثر الأشاعرة والماتريدية.
[ ٣٣ ]
والسلف الصالح والذي أظهر مذهبهم وناضل عنه الإمام أحمد، يثبتون للَّه ما جاء في القرآن وصح في الحديث، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تشبيه، فيقولون:
الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. فقالوا للَّه علم يليق به، وللمخلوق علم يليق به، وليس علم اللَّه كعلم المخلوق، واشتراك شيئين في لفظ لا يوجب اتحادهما في الحقيقة.
فالعرش موجود، والبعوض موجود، فهل وجود العرش كوجود البعوض؟. وإذا كان الجواب بالسلب، فالله موجود، والمخلوق موجود فهل وجود اللَّه كوجود المخلوق؟ لا يقول هذا من يفهم ما يقول، لأنه يقول لهم إن كان وجود اللَّه كوجود المخلوق، فهذا هو التشبيه بعينه، وإن كان له وجود خاص أبدي يليق به لم يزل ولا يزال، وللمخلوق وجود يليق به، فكذلك يقال: للَّه صفات تليق به، وللمخلوق صفات تليق به.
فإذا أثبتنا للَّه صفة تليق به، كصفة العلم والإرادة أو الاستواء فليس معنى هذا أن إرادة الله
[ ٣٤ ]
كإرادة المخلوق، أو أن علمه تعالى كعلم المخلوق، أو أن استواءه -سبحانه- كاستواء المخلوق، وذلك أن علم اللَّه شامل للجزئيات وللكليات، ولما كان ولما يكون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل للمخلوقين مثل هذا العلم؟
وإرادة اللَّه تخصص ما يريد من الممكنات من العدم إلى الوجود، ومن الوجود إلى العدم، وما يريده بإرادته الكونية لا راد لها، وقدرته شاملة لكل ما يريد، ليست محدودة وكذلك إرادته، فهل للمخلوق مثل تلك الإرادة أو القدرة؟ وهكذا القول في سائر الصفات.
لكن تنسب مقالة تشبيه اللَّه بخلقه إلى هشام بن الحكم، وداود الجواربي، وهما من غلاة الروافض، وإلى محمد بن كرام كما حكاه
[ ٣٥ ]
الشهرستاني وغيره بأنهم شبهوا اللَّه بخلقه، حتى قال شيخنا الشيخ أحمد نور في منظومته:
فأثبتوا لذاته الجوارحا مما عدا الفروج والقبائحا
لكن في نفس الوقت قال بعضهم: جسم لا كالأجسام، ولم نقف على كتبهم، ونقل أهل الكلام يحتمل الصدق وضده، ولا أظن للمجسمة أو للمشبهة وجودا في هذا العصر، ولعلهم قد انقرضوا من قرون.
وقال بعض الكلاميين: إن أولئك الذين عبروا بقولهم (جسمًا لا كالأجسام) .
معنى قولهم جسمًا، أي قائم بنفسه لا بغيره، لأن الموجودات إما جسم، وهو الجوهر عند المناطقة وهو القائم بنفسه - أو عرض قائم بغيره، والله ليس بعرض، فزعموا أنه جسم قائم بنفسه، وأخطئوا وضلوا؛ حيث أطلقوا على اللَّه الجسمية، وتعالى اللَّه عن ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة إطلاق الجسم على الله.
ومن المسلم به والمعروف بالبداهة والعقل السليم أن الخالق لا يكون مماثلًا للمخلوق، فالمشبه يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إله الأرض والسماء.
[ ٣٦ ]
ويرحم اللَّه ابن القيم حيث قال:
إن لمشبه عابد الأوثان إن المعطل عابد البهتان فهو النسيب لمشرك نصراني فهو الكفور وليس ذا إيمان لسنا نشبه وصفه بصفاتنا كلا ولا نخليه عن أوصافه من شبه اللَّه العظيم بخلقه أو عطل الرحمن عن أوصافه
[ ٣٧ ]