كلام الحافظ ابن القيم في النونية في رد هذه الفرية مع كلام شارحها
وقال الحافظ ابن القيم بعد أبيات عديدة من النونية، لزيادة الإيضاح والبيان والتأكيد ورفع الالتباس والشبهة، ولعله كان يقصد الرد على من زعم أن الحنابلة يقولون بقدم صوت القارئ ومداده وكتابته، فقال - ﵀-:
وتلاوة القرآن أفعال لنا وكذا الكتابة فهي خط بنان
لكنما المتلو والمكتوب والمحفوظ قول الواحد الرحمن
والعبد يقرؤه بصوت طيب وبضده، فهما له صوتان
وكذاك يكتبه بخط جيد وبضده فهما له خطان
أصواتنا، ومدادنا وأداؤنا والرق، ثم كتابة القرآن
ولقد أتى في نظمه من قال قول الحق والإنصاف غير جبان
[ ١١١ ]
إن الذي هو في المصاحف مثبت بأنامل الأشباح والشبان
هو قول ربي آيه وحروفه ومدادنا والرق مخلوقان
فشفى وفرق بين متلو ومصنوع وذاك حقيقة العرفان
الكل مخلوق وليس كلامه المتلو مخلوقًا، هنا شيئان
فعليك بالتفصيل والتمييز فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأذهان والآراء كل زمان
وتلاوة القرآن في تعريفها باللام قد يعنى بها شيئان
يعنى بها المتلو فهو كلامه هو غير مخلوق كذي الأكوان
ويراد أفعال العباد كصوتهم وأدائهم، وكلاهما خلقان
فانظر إلى كلامه -﵀- حيث أكد غير مرة أن المداد والأداة والرق والكتابة كلها
[ ١١٢ ]
مخلوقة، وأفاد فائدة جديدة حاثا عليها وهي- أنه يجب أن نفرق بين التلاوة والمتلو، وبين الكتابة والمكتوب، وأن لا نحكم حكمًا إجماليًا مطلقًا بغير تفصيل فإنه ما أفسد هذا الوجود، وأوقع هذا الشجار والنزاع بين الطوائف، وأضل العقول والأفكار، إلا عدم التفصيل والبيان، والتحديد لمعاني الألفاظ المجملة التي يقع في معانيها احتمال واشتباه، وبعض هذه المعاني يكون صحيحًا مرادًا، وبعضها يكون فاسدًا غير مراد، فتشبهث طوائف المبتدعة بتلك المعاني الفاسدة، وتفسر الألفاظ بها، فتقع في الضلال؛ ولهذا أوصى بما أوصى شيخه به من قبل، مبينًا أن الفساد كله إنما ينشأ عن الإطلاق والإجمال.
ففي المسألة التي معنا لا يجوز -مثلًا- إطلاق القول بأن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، بل يجب التفصيل:
فإذا كان المراد بالقرآن نفس ألفاظ القارئ وصوته وأداؤه فذلك ولا شك مخلوق، وأما إن كان المراد به المتلو المؤدى، فهذا كلام اللَّه غير
[ ١١٣ ]
مخلوق، وكذلك لفظ التلاوة، إذا عرف باللام كان محتملًا لمعنيين، أن يراد به المتلو، فيكون غير مخلوق كهذه الأكوان المخلوقة، وقد يراد به أفعال العباد من أدائهم وأصواتهم فهذا مخلوق، وقد اشتبه على كثير من الناس، ولم يهتدوا للفرق بين الأمرين، ومن أجل ذلك لما سئل الإمام أحمد هل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ فقال: "لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق.. فأنكر عليه من لم يفهم معنى كلامه نفي الضدين، واهتدى أولو المعرفة إلى سر ذاك النفي وحكمته، وذلك أن كلمة اللفظ من الكلمات المجملة التي لا يجوز الحكم عليها بنفي أو إثبات قبل التفصيل ومعرفة المراد منها، فإنها تصلح أن تكون مصدرًا بمعنى التلفظ وهي بهذا المعنى فعل العبد، وهو مخلوق، وتصلح أن يراد بها نفس الملفوظ به وهو القرآن، وهو بهذا المعنى غير مخلوق.
ولأجل احتمال المعنيين، أنكر الإطلاق في الإثبات والنفي قبل التفصيل والبيان الذي
[ ١١٤ ]
يحصل به التمييز بين المعنيين ومعرفة المراد منهما انتهى.
الثاني: أنه مخلوق، خلقه اللَّه منفصلًا عنه، وهذا قول المعتزلة.
الثالث: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وغيره.
الرابع: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث.
الخامس: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، وهذا قول الكرامية وغيرها.
السادس: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته.. وهذا يقول صاحب المعتبر ويميل إليه الرازي في المطالب العالية.
[ ١١٥ ]
السابع: أن كلامه يتضمن معنى قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول أبي منصور الماتريدي.
الثامن: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه.
وبما أن أشهر هذه الأقوال، هو قول السلف وعليه الحنابلة، وقول المعتزلة والجهمية وقول الأشاعرة وهذه الأقوال هي التي شحنت بها الكتب ولها حتى الآن نصراء، ويحصل فيها الجدل والنقاش، نذكر حجج كل فريق، وبيان ما هو الصواب منها بطريق الاختصار؛ إذ بحث الكلام قد دونه العلماء الأعلام، وأطال فيه بعضهم إطالة مسهبة، فلا يمكن استقصاؤه فلذلك نكتفي بما يلي:-
[ ١١٦ ]