في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
وسبق كلام شيخ الإسلام في منظومته اللامية وكلامه في رسالته الواسطية عن كلام الله.
فهذه عقائد الحنابلة، فمن أين جاء في أقوالهم أن الجلد والغلاف قديمان، وأن أصوات القراء قديمة، ومن هنا يتبين أن ما نسبه المفترون إلى الحنابلة كذب لا أصل له وبهتان عظيم، وسيأتي زيادة بيان من كلام ابن القيم -﵀- في نونيته.
قال العلامة السفاريني -﵀- وهو من متأخري الحنابلة في عقيدته:
والعلم والكلام قد تعلقا بكل شيء يا خليلي مطلقا
[ ١٠٥ ]
وأن ما جاء مع جبريل من محكم القرآن والتنزيل
كلامه سبحانه قديم أعيا الورى بالنص يا عليم
وليس في طوق الورى من أصله أن يستطيعوا سورة من مثله
[ ١٠٦ ]
قال الناظم في شرحه ناقلا عن شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية في شرح رسالة الأصفهاني ما نصه:
قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن اللَّه تعالى متكلم بكلام قائم بذاته، وأن كلامه تعالى غير مخلوق، وأنكروا على الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم أن كلامه تعالى مخلوق خلقه في غيره، وأنه كلم موسى بكلام خلقه في الشجرة، وكلم جبريل بكلام خلقه في الهواء، واتفق أئمة السلف على أن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
قال: ومعنى قولهم منه بدأ أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم بأنه بدأ من بعض المخلوقات، وأنه سبحانه لم يقم به كلام.
قال: ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته فإن الكلام وغيره من الصفات لا يفارق الموصوف، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره، ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: كلام اللَّه ليس ببائن من خلقه في بعض الأجسام. قال شيخ الإسلام: ومعنى قول السلف "وإليه يعود" ما جاء في
[ ١٠٧ ]
الآثار "أن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية" وما جاءت به الآثار عن النبي المختار ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، وكتبه إلى المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبي ﷺ أنه قال: "ما تقرب العباد إلى اللَّه بمثل ما خرج منه" يعني القرآن، وفي لفظ: "بأحب إليه مما خرج منه".
وقال بعد كلام طويل بعنوان "مذهب السلف في الكلام".
وتحرير مذهب السلف أن اللَّه تعالى متكلم كما مر، وأن كلامه قديم، وأن القرآن كلام اللَّه، وأنه قديم ومعانيه، وقد توعد اللَّه جل شأنه من جعله قول البشر بقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾
[ ١٠٨ ]
ومحمد ﷺ بشر فمن قال إنه قول محمد فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول بشر أو جني أو ملك فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء فقد كفر.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ فالمراد أن الرسول بلغه عن مرسله لا أنه قوله من تلقاء نفسه، وهو كلام اللَّه الذي أرسله كما قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فالذي بلغه الرسول هو كلام اللَّه لا كلامه، ولهذا كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس في المواسم ويقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» رواه أبو داود وغيره.
والكلام كلام من قاله مبتدئًا به لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا وموسى ﵇ سمع كلام اللَّه من اللَّه بلا واسطة، والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى مطلق بلا واسطة، وسماع الناس مقيد بواسطة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾
[ ١٠٩ ]
ففرق بين التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى وكلم نبينا ﷺ ليلة الإسراء، وبين التكليم بواسطة الرسول كما كلم سائر الأنبياء بإرسال رسول إليهم إلى أن قال: "فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله أو هو كلام غيره؛ فهو ملحد مبتدع ضال، ومن قال أن أصوات العباد أو المداد الذي يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ضال، بل هذا القرآن هو كلام اللَّه، وهو مثبت في المصاحف، وهو كلام اللَّه مبلغًا عنه مسموعًا من القراء ليس هو مسموعًا منه تعالى، فكلام اللَّه قديم وصوت العبد مخلوق. ا. هـ.
[ ١١٠ ]