﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ١١٠ سورة طه.
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن، وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى اللَّه عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ آية (٧) - آل عمران، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ آية ٦ آل عمران فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
آية ٦ آل عمران.
قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي صلى اللَّه عليه
[ ٥٣ ]
وسلم: «إن اللَّه ينزل إلى السماء الدنيا» «وإن اللَّه يرى في القيامة» وما أشبهه: هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول اللَّه ﷺ ولا نصف اللَّه بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن.
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت باللَّه وبما جاء عن اللَّه على مراد الله، وآمنت برسول اللَّه وبما جاء عن رسول اللَّه على مراد رسول الله، وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب اللَّه وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم
[ ٥٤ ]
وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات فقال النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
(ا. هـ من لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لشيخ الإسلام موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي) .
فهذه عقيدة شيخ الإسلام والشيخين الجليلين وهكذا سائر الحنابلة، أنهم كسائر السلف الكرام في صفات اللَّه جل وعلا ومنها كلامه، فهل فيها حرف واحد مما يزعمه أولئك الذين نسبوه إلى التشبيه والتجسيم، وأولئك الذين نسبوا إلى الحنابلة هذا الزعم الباطل، وأنهم يقولون أن الجلد والغلاف للقرآن قديمان.
يا لها من فرية عظيمة لا تليق بمن لم يكن من أهل
[ ٥٥ ]
العلم، فكيف بمن يزعم أنه من العلماء ينتصب للتدريس والوعظ والإرشاد والتأليف، ويدعي أنه يقود الناس إلى الصراط المستقيم، إلى صراط أهل السنة والجماعة.
فأين في عقيدة أهل السنة والصحابة والتابعين والأئمة المهتدين كالإمام الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والإمام أبي حنيفة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه والأوزاعي والنخعي والليث بن سعد والبخاري ومسلم وسائر أهل الصحاح والمسانيد، تأويل الاستواء بالاستيلاء، ونزول اللَّه بنزول الرحمة واليد بالقدرة وكلام اللَّه أنه مخلوق، أو أنه عبارة عن كلام اللَّه النفسي القائم بذاته، وأما هذا القرآن الذي يتلوه الناس فهو حادث كما يقول الأشاعرة: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ آية ١٥ من سورة النور.
[ ٥٦ ]