الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى هو الذي أظهر مذهب السلف وناضل عنه، -وإن كانت الأئمة كلهم ﵏ على ذلك- فالإمام أحمد وأتباعه تابعون للسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، لا يؤولون في صفات اللَّه ولا يشبهون اللَّه بخلقه، ولا يكيفون بل يقولون نؤمن بما ورد، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، فيقولون للَّه علم يليق به، وللمخلوقين علم يليق بهم، وليس علم اللَّه كعلم المخلوق، ولله سمع يليق به، وللمخلوقين سمع يليق بهم، وليس سمع اللَّه كسمع المخلوق وهكذا سائر الصفات.
[ ١٩ ]
ومن صفاته الكلام، فيقولون: كلام اللَّه لا يشبه كلام المخلوق وكلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
ومن المستحسن أن أذكر مذهب الإمام أحمد وأتباعه في الأصول، أعني العقائد باختصار: وذلك أنهم يؤمنون باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فيشهدون أن
[ ٢٠ ]
الله هو الرب الإله المعبود، المنفرد بكل كمال فيعبدونه وحده مخلصين له الدين.
فيقولون أن اللَّه هو الخالق البارئ المصور الرزاق المعطي المانع المدبر لجميع الأمور.
وأنه المألوه المعبود الموحد المقصود، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء.
وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار، علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر.
وأنه على العرش استوى استواء يليق بعظمته وجلاله، ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن والعالم العلوي والسفلي، وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم، وهو القريب المجيب.
وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم وإيجاد ما يحتاجون إليه في جميع الأوقات، ولا غنى لأحد عنه طرفة عين وهو الرؤوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية ولا دفع نقمة إلا من الله، فهو الجالب للنعم الدافع للنقم.
[ ٢١ ]
ويصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به -رسول اللَّه ﷺ - من الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة والسمع والبصر، وكمال القدرة والعظمة والكبرياء والمجد والجلال والجمال، والحمد المطلق، ومن صفات الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته كالرحمة والرضا، والسخط، وأنه يتكلم بما يشاء وكيف يشاء، وكلماته لا تنفد ولا تبيد.
وأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وأنه لم يزل ولا يزال موصوفًا بأنه يفعل ما يريد، ويتكلم بما شاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية، فهو الحاكم المالك، ومن سواه مملوك محكوم عليه، فلا خروج للعباد عن ملكه ولا عن حكمه.
ويؤمنون بما جاء به الكتاب وتواترت به السنة، أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانًا جهرة، وأن نعيم رؤيته والفوز برضوانه أكبر النعيم واللذة.
[ ٢٢ ]
وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد فهو مخلد في نار جهنم أبدا، وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة ولا حصل لهم مكفر لذنوبهم ولا شفاعة، فإنهم وإن دخلوا النار لا يخلدون فيها، ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إلا خرج منها.
وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، فمن قام بها على الوجه الأكمل فهو المؤمن حقا، الذي استحق الثواب وسلم من العقاب، ومن انتقص منها شيئا نقص من إيمانه بقدر ذلك، ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة وفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر.
ويشهدون أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله اللَّه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو خاتم النبيين، أرسل إلى الإنس والجن بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا، أرسله بصلاح الدين وصلاح الدنيا، وليقوم الخلق بعبادة اللَّه ويستعينوا برزقه على ذلك.
ويعلمون أنه أعلم الخلق وأصدقهم وأنصحهم وأعظمهم بيانا، فيعظمونه، ويقدمون محبته
[ ٢٣ ]
على محبة الخلق كلهم، ويتبعونه في أصول دينهم وفروعه.
ويقدمون قوله وهديه على قول كل أحد وهديه.
ويعتقدون أن اللَّه جمع له من الفضائل والخصائص والكمالات ما لم يجمعه لأحد، فهو أعلى الخلق مقاما وأعظمهم جاهًا، وأكملهم في كل فضيلة، لم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرهم عنه.
وكذلك يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول أرسله الله، لا يفرقون بين أحد من رسله ويؤمنون بالملائكة وأنهم عباد اللَّه المكرمون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
ويؤمنون بالقدر كله، وأن جميع أعمال العباد خيرها وشرها، قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيهما مشيئته، وتعلقت بها حكمته، حيث خلق للعباد قدرة وإرادة تقع بها أقوالهم وأفعالهم حسب مشيئتهم لم يجبرهم على شيء منها بل جعلهم مختارين لها، وخص المؤمنين بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان بعدله وحكمته.
[ ٢٤ ]
ويؤمنون بيوم البعث وإحياء اللَّه الموتى للحساب والجزاء، ويؤمنون بالشفاعة العظمى للرسول ﷺ، وسائر الشفاعات الثابتة، وبالصراط والميزان والجنة والنار، كما جاء في القرآن وصحت الأحاديث عن النبي المختار.
ويؤمنون بأن أفضل الأمم أمة محمد ﷺ، وأفضلهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ خصوصا الخلفاء الراشدين، والعشرة المشهود لهم بالجنة، وأهل بدر، وبيعة الرضوان، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
ويحبون الصحابة ويدينون اللَّه به وينشرون محاسنهم ويسكتون عما شجر بينهم، ويدينون اللَّه باحترام العلماء الهداة وأئمة العدل، ومن لهم المقامات العالية في الدين والفضل المتنوع على المسلمين، ويسألون اللَّه أن يعيذهم من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وأن يثبتهم على دين نبيهم إلى الممات.
هذه الأصول الكلية بها يؤمنون ولها يعتقدون وإليها يدعون. (من القول السديد لعلامة القصيم عبد الرحمن بن ناصر السعدي من
[ ٢٥ ]
أكابر علماء نجد -رحمه اللَّه تعالى- بحذف في بعض المواضيع وزيادة في بعضها) .
الأصول التي بنيت عليها فتاوى الإمام أحمد
وإذ بينت عقيدة الإمام أحمد وأتباعه، فمن المستحسن جدًا أن أذكر أصول مذهبه في الفروع وفتاويه وهاك أيها القارئ تلك الأصول نقلا عن العلامة ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: بنيت على خمس أصول وهي كما يلي:
الأصل الأول:- (النصوص)
النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنًا من كان، كما لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي بن كعب من ترك الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول اللَّه -ﷺ- فاغتسلا، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين، لصحة حديث سبيعة الأسلمية.
وهذا كثير جدا، ولم يكن يقدم على الحديث عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صاحب ولا عدم
[ ٢٦ ]