يوجد قول مؤيد بالدليل والحال مخالف للمذهب المعتمد، وليس فيه رواية عن الإمام أحمد، على أننا لو سلمنا تسليمًا جدليًا، أنهم منعوا التقليد فليسوا بالمنفردين لذلك، بل الخلاف موجود وهذه كتب الأصول موجودة في إمكان كل واحد فاهم، أن يقرأ باب الاجتهاد والتقليد، ليعرف ما في التقليد من الخلاف، فأي ذنب إذا للحنابلة النجديين؟
وأما زعمهم أنهم حرموا قراءة المولد الشريف فهذا يدل على جهل عميق من القائلين، كسائر جهالاتهم السابقة، وتعصبهم الفاسد، إذ كل من شم رائحة العلم يعلم أن الاحتفال بالمولد حدث في القرن السابع، والذي أحدثه هو الملك المظفر صاحب إربل، وأقام الولائم الضخمة حتى قيل: كان يذبح في ليلة المولد عشرة آلاف رأس من الأغنام، وسبقه الفاطميون في مصر في القرن الرابع الهجري كما أسسوا المآتم وبنوا ضريحًا سموه قبر الحسين وهو كذب لا أثر له من الصحة.
[ ٦٦ ]
ومن حين ما حدث اختلف العلماء، فمنهم من قال: إن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة، ومن العلماء من قال: إنها بدعة، وكل بدعة ضلالة كما في نص الحديث، والرسول قد وردت عنه عدة أحاديث تحذر عن البدع والمحدثات كقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجز، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» رواه الترمذي وحسنه، ولم يأت ما يخصص هذا العموم حتى يزعموا أنها بدعة حسنة.
وقراءة المولد، باب من أبواب السيرة النبوية، وقراءة الإنسان سيرة الرسول -ﷺ- وشمائله ومعجزاته، وهجرته وغزواته، لا شك أنها تزيد الإيمان وتقويه، وينبغي للمسلم أن يكون ملمًا بسيرته ومناقبه -ﷺ- حتى يعرف حقيقة هذا الرسول العظيم، الذي أرسله اللَّه رحمة للعالمين.
والشيخ محمد -﵀- ألف مختصر السيرة، وقد طبع عدة مرات، وانتشر في سائر الأقطار، فلو لم يكن محبًا للرسول، لما ألف سيرة له، ومن لا يحب الرسول، لا يكون مسلمًا، بل يكون يهوديًا أو مسيحيًا.
[ ٦٧ ]
والشيخ وأتباعه يحثون الناس على التمسك بسنة الرسول الصحيحة، ويشددون النكير على من يخالف سنة الرسول، ويعدونه مبتدعًا.
أما هذا دليل على كمال حبهم وتعظيمهم لرسول اللَّه ﷺ؟؟ ولكن المنحرفين يرون حب الرسول -ﷺ- في قراءة الأناشيد والأشعار والاستغاثات بالرسول وقراءة البرزنجي وأمثاله. فمن عمل بهذا فهو محب للرسول - وإن ارتكب الموبقات، وتلطخ بقاذورات المبتدعات ومن لا فلا.
والنقطة الحساسة في هذا المقام: أنه لا خلاف في قراءة سيرة الرسول -ﷺ- من ولادته وشمائله، ولكن الاحتفال في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وقراءة كتاب مخصوص، ودق الدفوف، وما يحصل من الاختلاط والأمور المحرمة، فهذا هو المنكر المبتدع.
وإلا فمن أراد أن يقرأ سيرة الرسول -ﷺ- ويفهم الناس أخلاقه العظيمة وشمائله الكريمة، فلا مانع هنالك، بل يستحب ذلك في أي وقت أراد.
[ ٦٨ ]
لكن هذه الأكاذيب والافتراءات، افترتها الأشراف والأتراك، وبعض علماء السوء، تنفيرًا عن دعوة الشيخ لما رأوا أن الدولة السعودية في ذلك الوقت قد قويت، ودخلت نجد كلها في طاعتها، وامتد سلطانها إلى عسير والحجاز وعمان، وغزت العراق، فحاربوها بمثل هذه الإشاعات والتهم، كما حاربوها بالسيف والسنان. والتاريخ شاهد بذلك، ولكن أبى اللَّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وللشيخ مؤلفات عديدة أشهرها كتاب التوحيد وشرحه حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن وسماه فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، وللشيخ محمد كتاب الكبائر ونصيحة المسلمين، ورسالة كشف الشبهات ومسائل الجاهلية، كما أن له رسائل عديدة مختصرة كثلاثة الأصول.
وها أنا أنقل للقارئ رسالة من رسائله ليعلم أن ما روجه أعداؤه من أنه كان مخالفا للسلف الصالح أو مذاهب الأئمة الأربعة، أو أنه كان يكفر الناس ولا يحب الرسول ولا الأنبياء ولا الأولياء إلى غير ذلك من الافتراءات التي أملاها
[ ٦٩ ]