مجمع نيقية ٣٢٥ م
وضع قانون الإيمان (بالأمانة):]
فَبَعَثَ قُسْطَنْطِينُ الْمَلِكُ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فَجَمَعَ الْبَتَارِكَةُ وَالْأَسَاقِفَةِ، فَاجْتَمَعَ فِي مَدِينَةِ نِيقِيَّةَ بَعْدَ سَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًّا، فَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْأَرَاءِ، مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَمَرْيَمُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُمُ الْمَرْيَمَانِيَّةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ مِنَ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ شُعْلَةِ نَارٍ، تَعَلَّقَتْ مِنْ شُعْلَةِ نَارٍ، فَلَمْ تُنْقُصْ مِنَ الْأُولَى لِإِيقَادِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَمْ تَحْبَلْ مَرْيَمُ تِسْعَةَ شُهُورٍ، وَإِنَّمَا مَرَّ نُورٌ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ فِي الْمِيزَابِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ دَخَلَتْ مِنْ أُذُنِهَا وَخَرَجَتْ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْوَلَدُ مِنْ سَاعَتِهَا، وَهَذِهِ مَقَالَةُ أَلْبَانَ وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، وَإِنِ ابْتَدَأَ الِابْنُ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، فَحَلَّتْ مِنْهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ابْنُ اللَّهِ.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَيُسَمُّونَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْكَلِمَةِ وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ مَقَالَةُ بُولُسَ وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ لَمْ يَزَلْ صَالِحٌ وَطَالِحٌ وَعَدْلٌ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ مَقَالَةُ مَرْقِيُونَ وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبُّنَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَهِيَ مَقَالَةُ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَلَمَّا سَمِعَ قُسْطَنْطِينُ الْمَلِكُ مَقَالَاتِهِمْ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَخْلَى لَهُمْ دَارًا، وَتَقَدَّمَ لَهُمْ بِالْإِكْرَامِ وَالضِّيَافَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِيُنْظَرَ مَنْ مَعَهُ الْحَقُّ فَيَتْبَعَهُ، فَاتَّفَقَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةُ عَشَرَ أُسْقُفًّا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ.
وَنَاظَرُوا بَقِيَّةَ الْأَسَاقِفَةِ الْمُخْتَلِفِينَ، فَفَلَحُوا عَلَيْهِمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ.
وَكَانَ بَاقِي الْأَسَاقِفَةِ مُخْتَلِفِي الْأَرَاءِ وَالْأَدْيَانِ، فَصَنَعَ الْمَلِكُ لِلثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا مَجْلِسًا عَظِيمًا، وَجَلَسَ فِي وَسَطِهِ، وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَسَيْفَهُ، وَقَضِيبَهُ فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ سَلَّطْتُكُمُ الْيَوْمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَصْنَعُوا، مِمَّا فِيهِ قِوَامُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الْأُمَّةِ، فَبَارَكُوا عَلَى الْمَلِكِ وَقَلَّدُوهُ سَيْفَهُ، وَقَالُوا لَهُ: أَظْهِرْ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَذَبَّ عَنْهُ، وَوَضَعُوا لَهُ أَرْبَعِينَ كِتَابًا فِيهَا السُّنَنُ وَالشَّرَائِعُ، وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ الْأَسَاقِفَةُ وَمَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وَكَانَ رَئِيسُ الْقَوْمِ وَالْجَمْعِ الْمُقَدَّمِ فِيهِ بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ وَأُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَوَجَّهَ بَتَرْكُ رُومِيَّةَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلَيْنِ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى لَعْنِ آرِيُوسَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَعَنُوهُ وَكُلَّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ، وَوَضَعُوا الْأَمَانَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كَوْنِ الْخَلَائِقِ، وَإِنَّ الِابْنَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَبِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِصْحُ النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ، لِيَكُونَ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِصْحُ الْيَهُودِ مَعَ فَصْحِهِمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلْأُسْقُفِّ زَوْجَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسَاقِفَةَ مُنْذُ وَقْتِ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى مَجْمَعِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ كَانَ لَهُمْ نِسَاءٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَيَّرُوا وَاحِدًا أُسْقُفًّا وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ثَبَتَتْ مَعَهُ وَلَمْ تَتَنَحَّ عَنْهُ مَا خَلَا الْبَتَارِكَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نِسَاءٌ، وَلَا كَانُوا يُصَيِّرُونَ أَحَدًا لَهُ زَوْجَةٌ بَتْرَكًا.
قَالَ: وَانْصَرَفُوا مُكَرَّمِينَ مَحْظُوظِينَ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، وَأَمَرَ بِثَلَاثِ سُنَنٍ: (أَحَدُهَا): كَسْرُ الْأَصْنَامِ وَقَتْلُ مَنْ يَعْبُدُهَا.
(وَالثَّانِيَةُ): أَمَرَ أَنْ لَا يُثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ إِلَّا أَوْلَادُ النَّصَارَى، وَيَكُونُوا هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْقُوَّادُ.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
(وَالثَّالِثُ): أَنْ يُقِيمَ النَّاسُ جُمُعَةَ الْفِصْحِ فَالْجُمُعَةُ الَّتِي بَعْدَهَا لَا يَعْمَلُونَ فِيهَا عَمَلًا وَلَا يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ.
وَتَقَدَّمَ قُسْطَنْطِينُ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَطْلُبَ مَوْضِعَ الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلِيبِ وَيَبْنِيَ الْكَنَائِسَ، وَيَبْدَأَ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْقُبَابَةِ.
فَقَالَتْ هِيلَانَةُ أُمُّهُ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَطْلُبَ الْمَوَاضِعَ الْمُقَدَّسَةَ وَأَبْنِيَهَا، فَدَفَعَ إِلَيْهَا الْمَلِكُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَسَارَتْ مَعَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقِيَامَةِ فِي مَوْضِعِ الصَّلِيبِ وَكَنِيسَةَ قُسْطَنْطِينَ.
ثُمَّ اجْتَمَعُوا بَعْدَ هَذَا مَجْمَعًا عَظِيمًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ دَسَّهُ بَتْرَكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ، لِيَسْأَلُوا بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ أَظْهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِآرِيُوسَ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَهُ وَيَقُولُ بِمَقَالَتِهِ، فَقَامَ الرَّجُلُ وَقَالَ: إِنَّ آرِيُوسَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَلَكِنْ بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ، لِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ، وَلَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ
[ ٢ / ٥٥٧ ]
كَلِمَتُهُ، كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ، كُلٌّ بِيَدِهِ كَانَ، كُلُّ مَنْ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وَقَالَ: بِهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ نُورُ الْبَشَرِ، وَقَالَ: الْعَالَمُ بِهِ يَكُونُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِهِ تَكَوَّنَتْ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَهَذِهِ كَانَتْ مَقَالَةُ آرِيُوسَ وَلَكِنَّ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، تَعَدُّوا عَلَيْهِ وَحَرَّمُوهُ ظٌلْمًا وَعُدْوَانًا.
فَرَدَّ عَلَيْهِ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَالَ: أَمَّا آرِيُوسُ فَلَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهِ الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا وَلَا ظَلَمُوهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: الِابْنُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْأَبِ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا خُلِقَتْ بِالِابْنِ دُونَ أَنْ يَكُونُ الْأَبُ لَهَا خَالِقًا، فَقَدْ أَعْطَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ مِنْهَا شَيْئًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبُ قَوْلِهِ: الْأَبُ يَخْلُقُ، وَأَنَا أَخْلُقُ.
وَقَالَ: إِنِّي أَنَا إِنْ لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَ أَبِي فَلَا تُصَدِّقُونِي.
وَقَالَ: كَمَا أَنَّ الْأَبَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ، كَذَلِكَ الِابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وَيُمِيتُهُ. قَالُوا: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُحْيِي وَيَخْلُقُ، وَفِي هَذَا تَكْذِيبٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَإِنَّمَا خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُوِّنَتْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ حَيٌّ فَعَّالٌ، وَكَانَ قَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَفْعَلُ الْخَلْقَ وَالْحَيَاةَ، كَانَ قَوْلُكَ: بِهِ تَكَوَّنَتِ الْأَشْيَاءُ، إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ كَوَّنَهَا وَكَانَتْ بِهِ مُكَوَّنَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَتَنَاقَضَ الْقَوْلَانِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ آرِيُوسَ: إِنَّ الْأَبَ يُرِيدُ الشَّيْءَ فَيُكَوِّنُهُ الِابْنُ، وَالْإِرَادَةُ لِلْأَبِ وَالتَّكْوِينُ لِلِابْنِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْسُدُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الِابْنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا، فَقَدْ صَارَ حَظُّ الْمَخْلُوقِ فِي الْخَلْقِ أَوْفَى مِنْ حَظِّ الْخَالِقِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَرَادَ وَفَعَلَ. وَذَلِكَ أَرَادَ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَهَذَا أَوْفَرُ حَظًّا فِي فِعْلِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهِ لِمَا يُرِيدُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مِنَ الْخَلْقِ لِمَا يُرِيدُ الْخَالِقُ مِنْهُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِي الْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُورًا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَجَائِزٌ أَنْ يُطَاعَ وَجَائِزٌ أَنْ يُعْصَى، وَجَائِزٌ أَنْ يُثَابَ وَجَائِزٌ أَنْ يُعَاقَبَ، وَهَذَا أَشْنَعُ فِي الْقَوْلِ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْخَالِقُ إِنَّمَا خَلَقَ خَلْقَهُ بِمَخْلُوقٍ، فَالْمَخْلُوقُ غَيْرُ الْخَالِقِ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْخَالِقَ يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَالْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُتَمِّمٍ لِيَفْعَلَ بِهِ، إِذْ كَانَ لَا يَتِمُّ لَهُ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ مَنْقُوصٌ، وَالْخَالِقُ مُتَعَالٍ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قَالَ: فَلَمَّا دَحَضَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حُجَجَ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ، وَظَهَرَ لِمَنْ حَضَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ، وَتَحَيَّرُوا وَخَجِلُوا، فَوَثَبُوا عَلَى بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادَ يَمُوتُ، فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمُ ابْنُ أُخْتِ قُسْطَنْطِينَ، وَهَرَبَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَصَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ، ثُمَّ أَصْلَحَ دُهْنَ الْمِيرُونِ، وَقَدَّسَ الْكَنَائِسَ وَمَسَحَهَا بِدُهْنِ الْمِيرُونِ، وَسَارَ إِلَى الْمَلِكِ وَأَعْلَمَهُ بِالْخَبَرِ فَصَرَفَهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَأَمَرَ الْمَلِكُ بِأَنْ لَا يَسْكُنَ يَهُودِيٌّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَا يَجُوزَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَنَصَّرْ قُتِلَ، فَظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ وَتَنَصَّرَ مِنَ الْيَهُودِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّ الْيَهُودَ يَتَنَصَّرُونَ مِنْ خَوْفِ الْقَتْلِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَقَالَ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ بُولُسُ الْبَتْرَكُ: إِنَّ الْخِنْزِيرَ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامٌ وَالْيَهُودُ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَأْمُرْ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا، وَيُطَعَمَ مِنْهَا الْيَهُودُ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ عُلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: إِذَا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا، فِي التَّوْرَاةِ فَكَيْفَ يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْكُلَهُ وَنُطْعِمَهُ النَّاسَ؟ فَقَالَ لَهُ بُولُسُ: فَإِنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحِ قَدْ أَبْطَلَ كُلَّ مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَجَاءَ بِنَامُوسٍ وَبِتَوْرَاةٍ جَدِيدَةٍ وَهُوَ الْإِنْجِيلُ.
وَفِي إِنْجِيلِهِ: إِنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا نَجِسٍ، وَإِنَّمَا يُنَجِّسُ الْإِنْسَانَ مَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ.
وَقَالَ بُولُسُ: إِنَّ بُطْرُسَ رَئِيسَ الْحَوَارِيِّينَ بَيْنَا هُوَ يُصَلِّي فِي سِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، وَقَعَ عَلَيْهِ سُبَاتٌ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ تَفَتَّحَتْ، وَإِذَا بِإِزَارٍ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى بَلَغَ
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الْأَرْضَ، وَفِيهِ: كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ لَهُ: يَا بُطْرُسُ، قُمْ فَاذْبَحْ وَكُلْ، فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا رَبِّ، مَا أَكَلْتُ شَيْئًا نَجِسًا قَطُّ وَلَا وَسِخًا قَطُّ، فَجَاءَ صَوْتٌ ثَانٍ: كُلُّ مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ، ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ بِهَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْإِزَارَ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَعَجَّبَ بُطْرُسُ وَتَحَيَّرَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ، وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا، وَتُقَطَّعَ صِغَارًا، وَتَصِيرَ عَلَى أَبْوَابِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ الْفِصْحِ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَنِيسَةِ يُلْقَمُ لُقْمَةً مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ يُقْتَلْ، فَقُتِلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.