وَمُلْكٌ نَفْسُهُ نُبُوَّةٌ، وَالْبِشَارَةُ لَمْ تَقَعْ بِالْمُلْكِ الْأَوَّلِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى صَاحِبُهُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، وَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَأَفْجَرِهِمْ وَأَكْفَرِهِمْ، فَهَذَا لَا تَقَعُ الْبِشَارَةُ بِمُلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَتِهِ، كَمَا وَقَعَ التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، بَلْ هَذَا شَرٌّ مِنْ سَنْحَارِيبَ وَبُخْتَ نَصَّرَ، وَالْمُلُوكِ الظَّالِمَةِ الْفَجَرَةِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، فَالْأَخْبَارُ لَا تَكُونُ بِشَارَةً، وَلَا يَفْرَحُ بِهِ هَاجَرُ وَإِبْرَاهِيمُ، وَلَا بَشَرٌ مِمَّنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِنَابَةً لَهَا مِنْ خُضُوعِهَا وَذُلِّهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ، وَيُعَظِّمُ هَذَا الْمَوْلُودَ وَيَجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَاحِدِينَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّكِ سَتَلِدِينَ جَبَّارًا ظَالِمًا طَاغِيًا يَقْهَرُ النَّاسَ بِالْبَاطِلِ، وَيَقْتُلُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيَسْبِي حَرِيمَهُمْ، وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيُبَدِّلُ أَدْيَانَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ عَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ بُهْتَانًا وَفِرْيَةً عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَنْكَرٍ لِأُمَّةِ الْغَضَبِ، وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْقَوْمِ الْبُهْتِ.
(فَصْلٌ) قَوْلُ دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَلْيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ، وَبُيُوتُ صُهْيُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَهُ أُمَّتَهُ، وَأَعْطَاهُمُ النَّصْرَ، وَسَدَّدَ الصَّالِحِينَ بِالْكَرَامَةِ، وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، لِيَنْتَقِمَ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ، يُوثِقُونَ مُلُوكَهُمْ بِالْقُيُودِ، وَأَشْرَافَهُمْ بِالْأَغْلَالِ.
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ إِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَذَانِهِمْ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَلَوْنَا شَرَفًا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا، وَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُمْ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي الْأَذَانِ، وَفِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَعِيدِ النَّحْرِ، وَفِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَابْنُ عُمَرَ ﵁ يَخْرُجَانِ إِلَى الْأَسْوَاقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَيُكَبِّرُونَ أَيْضًا عَلَى قَرَابِينِهِمْ وَضَحَايَاهُمْ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعِنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَجْمَعُونَ النَّاسَ بِالْبُوقِ، وَالنَّصَارَى بِالنَّاقُوسِ. وَأَمَّا تَكْبِيرُ اللَّهِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فَشِعَارُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وَقَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، فَهِيَ السُّيُوفُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي فَتَحَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِهَا الْبِلَادَ، وَهِيَ إِلَى الْيَوْمِ مَعْرُوفَةٌ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: يُسَبِّحُونَ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، هُوَ نَعْتُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْبِشَارَةَ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى النَّصَارَى وَلَا تُنَاسِبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَالنَّصَارَى تُصِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسُّيُوفِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلِجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى ﵇ قَاتَلَ الْكُفَّارَ، وَبَعْدَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَبَعْدَهُ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَبْلَهُمْ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُ دَاوُدَ: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ فَتَقَلَّدْ أَيُّهَا الْجَبَّارُ السَّيْفَ، لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبُ عَلَيْكَ، ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَسَمْتَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمَ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ.
وَلَيْسَ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفٍ بَعْدَ دَاوُدَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، إِمَّا الْقَبُولُ، وَإِمَّا الْجِزْيَةُ، وَإِمَّا السَّيْفُ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.
وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ
[ ٢ / ٣٥٣ ]
لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ، وَهُوَ ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْأَذِلَّاءِ الْمَقْهُورِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَذِلُّونَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى قُدُومِ الْحَقِّ.
قَوْلُ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ اللَّهَ ﷾ أَظْهَرَ مِنْ صُهْيُونَ إِكْلِيلًا مَحْمُودًا.
وَضَرَبَ الْإِكْلِيلَ مَثَلًا لِلرِّئَاسَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَمَحْمُودٌ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ فِي صِفَتِهِ: وَيَجُوزُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ مِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ إِلَى مُنْقَطِعِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَتَخِرُّ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى رُكَبِهِمْ، وَيَلْمَسُ أَعْدَاؤُهُ التُّرَابَ، تَأْتِيهِ مُلُوكُ الْفُرْسِ وَتَسْجُدُ لَهُ، وَتَدِينُ لَهُ الْأُمَمُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَيُخَلِّصُ الْمُضْطَهَدَ الْيَائِسَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَيُنْقِذُ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ، وَيَرْأَفُ بِالْمِسْكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُبَارَكُ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى عَاقِلٍ تَدَبَّرَ أُمُورَ الْمَمَالِكِ وَالنُّبُوَّاتِ، وَعَرَفَ سِيرَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَسِيرَةَ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى
[ ٢ / ٣٥٤ ]
نَبِيٍّ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ حَازَ مِنَ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الْفَارِسِيِّ، وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ سَيَحْوُنَ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَنِيلِ مِصْرَ إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ بِالْغَرْبِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.
وَهُوَ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتْ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، بِخِلَافِ مُلُوكِ الرُّومِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَةَ، فَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْبِشَارَةِ مُلُوكَ الْفُرْسِ خَاصَّةً، وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ الَّتِي سَمِعَتْ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، وَأَنْقَذَ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ هَذَا التَّمْكِينَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا مَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى
[ ٢ / ٣٥٥ ]
السَّمَاءِ، وَلَا حَازُوا مَا ذُكِرَ، وَلَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيُبَارِكُونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَدَّعُونَ إِلَهِيَّتَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ.
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: لِتَرْتَاعَ الْبَوَادِي وَقُرَاهَا، وَلِتَصِرَّ أَرْضُ قِيدَارَ مُرُوجًا، وَتُسَبِّحَ سُكَّانُ الْكُهُوفِ، وَيَهْتِفُوا مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيُذِيعُوا تَسَابِيحَهُ فِي الْجَوِّ.
فَمَنْ أَهْلُ الْبَوَادِي مِنَ الْأُمَمِ سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟! وَمَنْ قِيدَارُ غَيْرُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَحَدُ أَجْدَادِهِ ﷺ؟! وَمَنْ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَقِلَالِ الْجِبَالِ سِوَى الْعَرَبِ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي دَامَ ذِكْرُهُ إِلَى الْأَبَدِ؟
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ رَبَّنَا عَظَّمَ مَحْمُودًا جِدًّا، وَفِي مَكَانٍ آخَرَ: إِلَهُنَا قُدُّوسٌ وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا، فَقَدَ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ وَصَرَّحَ أَنَّ كَلِمَتَهُ عَمَّتِ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ فِي الزَّبُورِ لِدَاوُدَ: سَيُولَدُ لَكَ وَلَدٌ أُدْعَى لَهُ أَبًّا، وَيُدْعَى لِيَ ابْنًا، قَالَ دَاوُدُ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعِلَ السُّنَّةِ كَيْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّهُ بَشَرٌ.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، يُرِيدُ: ابْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ حَتَّى يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ لَيْسَ إِلَهًا، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ لَا ابْنُ خَالِقِ الْبَشَرِ.
فَبَعَثَ اللَّهُ هَادِيَ الْأُمَّةِ وَكَاشِفَ الْغُمَّةِ فَبَيَّنَ لِلْأُمَمِ حَقِيقَةَ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ كَرِيمٌ وَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، لَا كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى، وَلَا كَمَا رَمَتْهُ الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: قِيلَ لِي: قُمْ نَظَّارًا فَانْظُرْ مَا تَرَى تُخْبِرُ بِهِ، قُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْنَامُهَا.
وَصَاحِبُ الْحِمَارِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ النَّصَارَى هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ.
وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ لَا بِالْمَسِيحِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ مَنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ عَهِدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: إِنَّهُ قَالَ عَنْ مَكَّةَ: ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ إِلَيْكِ ذَخَائِرَ الْبَحْرِ، وَيَحُجُّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَيُسَاقَ إِلَيْكِ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ قِيدَارَ، وَيَخْدِمَكِ
[ ٢ / ٣٥٧ ]
رِجَالُ بَنَاوَتَ، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ بِنْتِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ.
قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ لِمَكَّةَ، فَإِنَّهَا حُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا أَغْنَامُ قِيدَارَ هَدَايَا، وَأَضَاحٍ وَقَرَابِينَ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَكَّةَ أَيْضًا: وَقَدْ أَقْسَمْتُ بِنَفْسِي كَقَسَمِي أَيَّامَ نُوحٍ أَنِّي أُغْرِقُ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِنِّي لَا أَسْخَطُ عَلَيْكِ وَلَا أَرْفُضُكِ، وَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَإِنَّ الْقِلَاعَ تُخَطُّ وَرَحْمَتِي عَنْكِ لَا تَزُولُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مِسْكِينَةُ، يَا مُضْطَهَدَةُ، هَا أَنَا ذَا بَانٍ بِالْجِصِّ حِجَارَتَكِ، وَمُزَيِّنُكِ بِالْجَوَاهِرِ، وَمُكَلِّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ سَقْفَكِ، وَبِالزَّبَرْجَدِ أَبْوَابَكِ، وَتَبْعُدِينَ مِنَ الظُّلْمِ فَلَا تَخَافِي، وَمِنَ الضَّعْفِ فَلَا تَضْعُفِي، وَكُلُّ سِلَاحٍ يَصْنَعُهُ صَانِعٌ لَا يَعْمَلُ فِيكِ، وَكُلُّ لِسَانٍ وَلُغَةٍ تَقُومُ مَعَكِ بِالْخُصُومَةِ تُفْلِحِينَ مَعَهَا، وَيُسَمِّيكِ اللَّهُ اسْمًا جَدِيدًا - يُرِيدُ أَنَّهُ سَمَّاهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - فَقُومِي فَأَشْرِقِي فَإِنَّهُ دَنَا نُورُكِ، وَوَقَارُ اللَّهِ عَلَيْكِ، انْظُرِي بِعَيْنَيْكِ حَوْلَكِ فَإِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ. يَأْتُونَكِ بُنُوكِ وَبَنَاتُكِ عَدْوًا، فَحِينَئِذٍ تَشْرُفِينَ وَتَزْهُرِينَ، وَيَخَافُ عَدُوُّكِ، وَيَتَّسِعُ قَلْبُكِ، وَكُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تُجْمَعُ إِلَيْكِ، وَسَادَاتُ بَنَاوَتَ يَخْدِمُونَكِ. وَبَنَاوَتُ هُوَ بنْتُ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَخُو بَنَاوَتَ.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ثُمَّ قَالَ: وَتُفْتَحُ أَبْوَابُكِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا تُغْلَقُ، وَيَتَّخِذُونَكِ قِبْلَةً، وَتُدْعَيْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَدِينَةَ الرَّبِّ.
قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَّةَ: سُرِّي وَاهْتَزِّي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي، وَلَمْ تَحْبَلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي.
يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُ بَيْتُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، وَقَدْ وُلِدَ فِيهِ أَنْبِيَاءُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُ أَشْعِيَا أَيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي أُعْطِي الْبَادِيَةَ كَرَامَةَ لُبْنَانَ، وَبِهَا الْكَنْزُ مَالٌ.
قَالَ: وَهُمَا الشَّامُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، يُرِيدُ أَجْعَلُ الْكَرَامَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ بِالْوَحْيِ، وَظُهُورِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْبِدَايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْحَجِّ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَشُقُّ الْبَادِيَةَ مِيَاهٌ وَسَوَاقٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَتَكُونُ بِالْفَيَافِي وَالْأَمَاكِنِ الْعِطَاشِ يَنَابِيعُ وَمِيَاهٌ، وَيَصِيرُ هُنَاكَ مَحَجَّةٌ وَطَرِيقُ الْحَرَمِ، لَا يَمُرُّ بِهِ أَنْجَاسُ الْأُمَمِ، وَالْجَاهِلُ بِهِ لَا يَصِلُ هُنَاكَ، وَلَا يَكُونُ بِهَا سِبَاعٌ وَلَا أُسُدٌ، وَيَكُونُ هُنَاكَ مَمَرُّ الْمُخْلِصِينَ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي كِتَابِهِ أَيْضًا عَنْ الْحَرَمِ: إِنَّ الذِّئْبَ وَالْحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعَانِ مَعًا، إِشَارَةً إِلَى أَمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْبَلَدَ الْأَمِينَ، وَقَالَ:
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وَوَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
وَقَالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا مُعْلِنًا بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَمْدِ يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ. مُطَابِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: اسْمُكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي ذِكْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: قَالَ الرَّبُّ وَالسَّيِّدُ " هَا أَنَا ذَا مُؤَسِّسٌ بِصُهْيُونَ حَجَرًا فِي زَاوِيَةِ رُكْنٍ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَسْتَعْجِلْنَا، وَأَجْعَلُ الْعَدْلَ مِثْلَ الشَّاقُولِ وَالصِّدْقَ مِثْلَ الْمِيزَانِ، فَيَهْلِكُ الَّذِينَ وَلَعُوا بِالْكَذِبِ.
فَصُهْيُونُ هِيَ مَكَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ بُنِّيَ لِلصَّلَاةِ، وَصُهْيُونُ أَيْضًا
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَهَذَا الْحَجَرُ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي تُقَبِّلُهُ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَهُوَ مَا اخْتُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ سَتُمْلَأُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ قُصُورًا إِلَى قِيدَارَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيَبُثُّونَ تَسْبِيحَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَقَالَ: ارْفَعْ عَلَمًا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ بَعِيدٍ فَيَصْفَرُّ بِهِمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَبَنُو قِيدَارَ هُمُ الْعَرَبُ، لِأَنَّ قِيدَارَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ، وَالْعَلَمُ الَّذِي يُرْفَعُ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَالصَّفِيرُ بِهِمْ دُعَاؤُهُمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷿: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سَأَبْعَثُ مِنَ الصَّبَا قَوْمًا يَأْتُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ أَفْوَاجًا كَالصَّعِيدِ كَثْرَةً، وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلَيْهِ الطِّينَ.
وَالصَّبَا تَأْتِي مِنْ نَحْوِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، بَعَثَ اللَّهُ مِنْ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ بِالتَّلْبِيَةِ أَفْوَاجًا كَالتُّرَابِ كَثْرَةً. وَقَوْلُهُ: وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلِهِ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْهَرْوَلَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ رِجَالٌ قَدْ كَلَّتْ أَرْجُلُهُمْ مِنَ الْمَشْيِ.
[ ٢ / ٣٦١ ]
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا أَيْضًا: عَبْدِي وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، أَفِيضُ عَلَيْهِ رُوحِي، أَوْ قَالَ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، فَيَنْظُرَ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِي الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْعُورَ، وَيُسْمِعُ الْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِي الْقُلُوبَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أَعْطِيهِ غَيْرَهُ، لَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، وَلَا يُخْصَمُ، حَتَّى تَثْبُتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي، وَتَنْقَطِعَ بِهِ الْمَعْذِرَةُ.
فَمَنْ وُجِدَ بِهَذَا الْوَصْفِ غَيْرُ مُحَمَّدِ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا نَبِيًّا جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ بَحَثُوا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
فَقَوْلُهُ عَبْدِي مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا، وَقَوْلِهِ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. وَقَوْلُهُ: وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، مُطَابِقٌ
[ ٢ / ٣٦٢ ]
لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَضْحَكُ، مُطَابِقٌ لِوَصْفَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ تَبَسُّمًا، وَهَذَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ مِنْ خِفَّةِ الرُّوحِ، وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ، بِخِلَافِ التَّبَسُّمِ فَإِنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَكَمَالِ الْإِدْرَاكِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ ضَحِكُهُ وَحُسْنُ خُلُقِهِ عَنِ الْقَتْلِ إِذَا كَانَ حُبًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لَهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ تَبَسُّمِهِ فِي مَوْضِعِهِ، فَيُعْطِي كُلَّ حَالٍ مَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الْحَالِ، فَتَرْكُ الضَّحِكَ بِالْكُلِّيَّةِ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ، وَالِاعْتِدَالُ بَيْنَ ذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ.
وَقَوْلُهُ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ، فَسَمَّى الْوَحْيَ رُوحًا، لِأَنَّ حَيَاةَ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ بِهِ، كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ.
وَقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، وَقَوْلِهِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وَقَوْلِهِ: يُوصَى الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وَوَصَايَاهُ ﷺ هِيَ عُهُودُهُ إِلَى أُمَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَعْنِي لَيْسَ بِصَخَّابٍ لَهُ فَدِيدٌ كَحَالِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا وَقَارٌ. وَقَوْلُهُ: يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْآذَانَ الصُّمُّ وَالْقُلُوبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَكْمِيلَ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى الْحَاصِلَ بِدَعْوَتِهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ، فَبَايَنُوا بِذَلِكَ أَحْوَالَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَعْقِلُونَ بِهَا، فَإِنَّ الْهُدَى يَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُغْلَقَةٌ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا تُفْتَحُ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الْأَعْيُنَ الْعُمْيَ، فَأَبْصَرَتْ بِاللَّهِ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، فَسَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، وَالْقُلُوبَ الْغُلْفَ، فَعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ لِطَاعَتِهِ عَقْلًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، وَسَلَكَتْ سُبُلَ مَرْضَاتِهِ ذُلَلًا.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَقَوْلُهُ: مَا أُعْطِيهِ فَلَا أُعْطِي غَيْرَهُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي.
وَلِقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ضَرَبُوا لَهُ الْمَثَلَ: لَقَدْ أُعْطِيَ هَذَا النَّبِيُّ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبَهُ يَقْظَانُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْخَلْقِ عَامَّةً، وَخُتِمَ بِهِ دِيوَانُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ يُشْبِهُهُ، وَلَا يُقَارِبُهُ، وَأُنْزِلَ عَلَى قَلْبِهِ مَحْفُوظًا مَتْلُوًّا، وَضُمِنَ لَهُ حِفْظُهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ صُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثَالِ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ، وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُسَرِيَ بِهِ إِلَى أَنْ جَاوَزَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَأَى مَا لَمْ يَرَهُ بَشَرٌ قَبْلَهُ، وَرُفِعَ عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَجُعِلَ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَاتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ أَتْبَاعٌ أَكْثَرَ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ النَّبِيِّينَ مَنْ عَهِدَ نُوحٍ إِلَى الْمَسِيحِ، فَأُمَّتُهُ ثُلْثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَخَصَّهُ بِالْوَسِيلَةِ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَبِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَبِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي يَتَأَخَّرُ عَنْهَا آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ عِزًّا لَمْ يُعِزَّهُ بِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَذَلَّ بِهِ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ ذُلًّا لَمْ يَحْصُلْ بِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَآتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ مَا لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَجُعِلَتِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ مِثْلِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْ أُمِّتِهِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَجَمِيعُ مَلَائِكَتِهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذُكِرَ مَعَهُ، كَمَا فِي الْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ، فَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَذَانٌ وَلَا خُطْبَةٌ وَلَا صَلَاةٌ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ أَمْرًا يُطَاعُ، لَا مِمَّنْ قَبْلَهُ وَلَا مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ تُطْوَى الدُّنْيَا وَمَنْ عَلَيْهَا، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ إِلَّا عَمَّنْ سَلَكَ خَلْفَهُ، وَاقْتَدَى بِهِ، وَجَعَلَ لِوَاءَ الْحَمْدِ بِيَدِهِ، فَآدَمُ وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلَ شَافِعٍ وَأَوَّلَ مُشَفَّعٍ، وَأَوَّلَ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَأَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا، فَلَا يُدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ ﷺ، وَأُعْطِي مِنَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَزِيمَةِ عَلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، وَالرِّضَا عَنْهُ، وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالتَّنَوُّعِ فِي مَرْضَاتِهِ، وَطَاعَتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فِي نَفْسِهِ وَفِي الْخَلْقِ، مَا لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ غَيْرُهُ. وَمَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، وَسِيَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ظَهَرَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَبَدًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، هَكَذَا حَالُ ﷺ، مَا ضَعُفَ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَطُّ، وَلَا فِي حَالَةِ انْفِرَادِهِ وَقِلَّةِ أَتْبَاعِهِ، وَكَثْرَةِ أَعْدَائِهِ، وَاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى حَرْبِهِ، بَلْ هُوَ ﷺ أَقْوَى الْخَلْقِ وَأَثْبَتُهُمْ جَأْشًا، وَأَشْجَعَهُمْ قَلْبًا، حَتَّى أَنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ قُتِلَ أَصْحَابُهُ وَجُرِحُوا، وَمَا ضَعُفَ وَلَا اسْتَكَانَ، بَلْ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فِي طَلَبِ عَدُوِّهِ عَلَى شِدَّةِ الْقَرْحِ، حَتَّى أُرْعِبَ مِنْهُ الْعَدُوُّ، وَكَرَّ خَاسِئًا عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ وَضَعْفِ أَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، أُفْرِدَ عَنِ
[ ٢ / ٣٦٦ ]
النَّاسِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعِشْرَةِ، وَالْعَدُوُّ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ وَهُمْ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، فَجَعَلَ يَثِبُ فِي الْعُدُوِّ وَيَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَحُرُوبَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ أَشْجَعُ مِنْهُ، وَلَا أَثْبَتُ وَلَا أَصْبَرُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مَعَ أَنَّهُمْ أَشْجَعُ الْأُمَمِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، اتَّقَوْا بِهِ، وَتَتَرَّسُوا بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ أَشْجَعُهُمْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، هَكَذَا كَانَتْ سِيرَتُهُ ﷺ، أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، بَلْ أَمْرُهُ كُلُّهُ جَدٌّ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَكَرَمٍ، وَعِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، أَيْ لَيْسَ مِنَ الصَّخَّابَيْنِ بِالْأَسْوَاقِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَلَا الْحِرْصِ عَلَيْهَا، كَحَالِ أَهْلِهَا الطَّالِبِينَ لَهَا.
وَقَوْلُهُ: رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَجَدَهُ أَعْظَمَ النَّاسِ تَوَاضُعًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمِسْكِينِ وَالْأَرْمَلَةِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، يَجْلِسُ مَعَهُمْ عَلَى التُّرَابِ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَيَنْطَلِقُ مَعَ أَحَدِهِمْ فِي حَاجَتِهِ، وَيَخْصِفُ لِأَحَدِهِمْ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ لَهُ ثَوْبَهُ، وَيَأْخُذُ لَهُ حَقَّهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ وَلَا يُخْصَمُ حَتَّى يُثْبِتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي وَيَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِحَالِهِ وَأَمْرِهِ لِمَا شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ،
[ ٢ / ٣٦٧ ]