[ ٢ / ٤٢٢ ]
وَقَدْ صَرَّحَتْ بِاسْمِهِ، فَفِي نَصِّ التَّوْرَاةِ لَا يَزُولُ الْمُلْكُ مِنْ آلِ يَهُودَا، وَالرَّسْمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمَسِيحُ، وَكَانُوا أَصْحَابَ دَوْلَةٍ حَتَّى ظَهَرَ الْمَسِيحُ فَكَذَّبُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْعَظَائِمِ وَبَهَتُوهُ وَبَهَتُوا (أُمَّهُ)، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَزَالَ مُلْكَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَأَيُّ نُبُوَّةٍ أَشْرَقَتْ مِنْ سَاعِيرَ غَيْرُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ؟ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ قَائِمًا يَقُومُ فِيهِمْ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ النَّبِيِّ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْيَهُودُ، وَهَذَا الْمُنْتَظَرُ بِزَعْمِهِمْ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ.
قَالُوا: وَمِنْ عَلَامَةِ مَجِيئِهِ أَنَّ الذِّئْبَ وَالتَّيْسَ يَرْبِضَانِ مَعًا، وَأَنَّ الْبَقَرَةَ وَالذِّئْبَ يَرْعَيَانِ جَمِيعًا، وَأَنَّ الْأَسَدَ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ. فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ مَبْعَثِهِ. وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَتَى يَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ (كَالْبَقَرَةِ)، حَتَّى تَصِحَّ لَهُمْ عَلَامَاتُ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا الْمُنْتَظَرَ مَتَى جَاءَهُمْ يَجْمَعُهُمْ بِأَسْرِهِمْ إِلَى الْقُدْسِ، وَتَصِيرُ لَهُمُ الدَّوْلَةُ، وَيَخْلُو الْعَالَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُحْجِمُ الْمَوْتُ عَنْ جَنَابِهِمُ الْمَنِيعِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ عُوِّضُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ انْتِظَارَ مَسِيحِ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ حَقًّا، وَهُمْ عَسَاكِرُهُ وَأَتْبَعُ النَّاسِ لَهُ، وَيَكُونُ لَهُمْ فِي زَمَانِهِ شَوْكَةٌ وَدَوْلَةٌ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ مَسِيحُ الْهُدَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلَ مُنْتَظَرَهُمْ، وَيَضَعُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِمُ السُّيُوفَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ وَرَاءَ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولَانِ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَى فَاقْتُلْهُ. فَإِذَا نَظَّفَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ وَمِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ فَحِينَئِذٍ يَرْعَى الذِّئْبُ وَالْكَبْشُ مَعًا،
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وَيَرْبِضَانِ مَعًا، وَتَرْعَى الْبَقَرَةُ وَالذِّئْبُ مَعًا، وَيَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ، وَيُلْقَى الْأَمْنُ فِي الْأَرْضِ.
وَهَكَذَا أَخْبَرَ بِهِ أَشْعِيَا فِي نُبُوَّتِهِ وَطَابَقَ خَبَرُهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَقَتْلِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ لَهُ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فِي أَثَرِهِ، وَمَحْقِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِرْسَالِ الْبَرَكَةِ وَالْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْعَى الشَّاةُ وَالذِّئْبُ، وَحَتَّى أَنَّ الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ لَا تَضُرُّ النَّاسَ. فَصَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَبَيَانِهِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ حَقٌّ كَثِيرٌ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ ﷾ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْحَقِّ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ لِأُمَّتِهِ، وَفَصَّلَ عَلَى لِسَانِهِ مَا أَجْمَلَهُ لَهُمْ، وَشَرَحَ مَا رَمَزُوا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، وَتَمَّتْ بِهِ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَمَسِيحُ الْيَهُودِ هُوَ الدَّجَّالُ، وَمَسِيحُ النَّصَارَى لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ وَخَالِقٌ وَمُمِيتٌ وَمُحْيِي وَمُمِيتٌ، فَمَسِيحُهُمُ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ الْمَصْلُوبُ الْمُسَمَّرُ الْمُكَلَّلُ بِالشَّوْكِ بَيْنَ اللُّصُوصِ، الْمَصْفُوعُ الَّذِي هُوَ مَصْفَعَةُ الْيَهُودِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ.
وَمَسِيحُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَيُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ وَتَوْحِيدَهُ، وَيَقْتُلُ أَعْدَاءَهُ عُبَّادَ الصَّلِيبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَعْدَاؤُهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأُمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ الْمُسْلِمُونَ. وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ
[ ٢ / ٤٢٤ ]
بِدِمَشْقَ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكَيْنِ، يَرَاهُ النَّاسُ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ، فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُنْفِذُ مَا أَضَاعَهُ الظَّلَمَةُ وَالْفَجَرَةُ وَالْخَوَنَةُ مِنْ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُحْيِي مَا أَمَاتُوهُ، وَتَعُودُ الْمِلَلُ كُلُّهَا فِي زَمَانِهِ مِلَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّتُهُ وَمِلَّةُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ وَمِلَّةُ أَبِيهِمَا إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَهُ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَقَدْ حَمَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أُمَّتِهِ السَّلَامَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُ إِيَّاهُ مِنْهُ، فَأَخْبَرَ عَنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ بِأَيِّ بَلَدٍ وَبِأَيِّ مَكَانٍ مِنْهُ، وَبِحَالِهِ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَبِلُبْسِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُمَصَّرَتَانِ أَيْ ثَوْبَانِ وَأَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُ عِنْدَ نُزُولِهِ مُفَصَّلًا حَتَّى كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُشَاهِدُونَهُ عِيَانًا قَبْلَ أَنْ يَرَوْهُ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا، فَوَقَعَتْ مُطَابِقَةً لِخَبَرِهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.
فَهَذَا مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ، لَا مُنْتَظَرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَلَا مُنْتَظَرَ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الرَّوَافِضِ الْمَارِقِينَ، وَسَوْفَ يَعْلَمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ إِذَا جَاءَ مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَلَا هُوَ وَلَدُ (زِنْيَةٍ)، وَلَا كَانَ طَبِيبًا حَاذِقًا مَاهِرًا فِي صِنَاعَتِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْعُقُولِ بِصِنَاعَتِهِ، وَلَا كَانَ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا، وَلَا مُكِّنُوا مِنْ صَلْبِهِ وَتَسْمِيرِهِ وَصَفْعِهِ وَقَتْلِهِ، بَلْ كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيَعْلَمُ الضَّالُّونَ أَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَلَا ابْنِ إِلَهٍ، وَأَنَّهُ (مُبَشِّرٌ) بَشَّرَ بِنُبُوَّةِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوَّلًا، وَحَكَمَ بِشَرِيعَتِهِ
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وَدِينِهِ آخِرًا، وَأَنَّهُ عَدُوُّ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَوَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ أَوْلِيَاءَهُ الْأَرْجَاسُ وَالْأَنْجَاسُ عَبَدَةُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ، إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّذِينَ نَزَّهُوهُ وَأُمَّهُ عَمَّا رَمَاهُمَا بِهِ أَعْدَاؤُهُمَا الْيَهُودُ، وَنَزَّهُوا رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمَالِكَهُ وَسَيِّدَهُ عَمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالسَّبِّ لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ.
فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَابِ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ غَيَّرُوا أَلْفَاظَ الْكُتُبِ وَزَادُوا وَنَقَصُوا، كَمَا أَجَبْنَا عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا غَيَّرُوا بِبَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَتَأَوَّلُوهَا غَيْرَ تَأْوِيلِهَا، قَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ لَا نَدَّعِي وَلَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَلْفَاظَ كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ غُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، بَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَغُيِّرَتْ بَعْضُ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ غُيِّرَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، بَلْ غُيِّرَ الْبَعْضُ، وَظَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بَعْضُ النُّسَخِ الْمُبَدَّلَةِ الْمُغَيَّرَةِ دُونَ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ، وَالنُّسَخُ الَّتِي تُبَدَّلُ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَالَمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ وَالْجَزْمُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ بِسَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَمَنِ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمًا أَوْ عَقْلًا؟ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ وَقَعَ أَوَّلًا مِنْ عِزْرَا الْوَرَّاقِ فِي التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَلَا أَنَّ تِلْكَ الْفُصُولَ الَّتِي جَمَعَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ بَعْدَ إِحْرَاقِهَا هِيَ عَيْنُ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ، وَتَرَكْنَا كَثِيرًا لَمْ نَذْكُرْهُ.
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنَاجِيلَ، أُخِذَتْ عَنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، اثْنَانِ مِنْهُمْ لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ أَصْلًا، وَاثْنَانِ رَأَيَاهُ وَاجْتَمَعَا بِهِ وَهُمَا مَتَّى وَيُوحَنَّا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وَيُخَالِفُ إِنْجِيلُهُ لِإِنْجِيلِ أَصْحَابِهِ فِي أَشْيَاءَ، وَفِيهَا ذِكْرُ الْقَوْلِ وَنَقِيضِهِ. كَمَا فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: (إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ) . وَفِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَشْعَرَ بِوُثُوبِ الْيَهُودِ عَلَيْهِ قَالَ: (قَدْ جَزِعَتْ نَفْسِي الْآنَ فَمَاذَا أَقُولُ؟ يَا أَبَتَاهُ سَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْوَقْتِ) .
وَأَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا وَقَالَ: (يَا إِلَهِي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي)، فَكَيْفَ يُجْمَعُ هَذَا مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي (أَسْلَمَ) نَفْسَهُ إِلَى الْيَهُودِ، لِيَصْلُبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ، حَتَّى فَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْخَطَايَا، وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ آدَمَ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَجَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جَهَنَّمَ بِالْحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَهَا عَلَى إِبْلِيسَ، وَكَيْفَ يَجْزَعُ إِلَهُ الْعَالَمِ بِذَلِكَ؟. وَكَيْفَ يَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ؟! وَكَيْفَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُ وَيَقُولُ: (يَا إِلَهِي، لِمَ أَسْلَمْتَنِي) وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ نَفْسَهُ؟! وَكَيْفَ لَمْ يُخَلِّصْهُ أَبُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِهِ، وَإِنْزَالِهِ صَاعِقَةً عَلَى الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ أَمْ كَانَ رَبًّا عَاجِزًا مَقْهُورًا مَعَ الْيَهُودِ؟!
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ بُرْهَانًا أَنَّهُ الْمَسِيحُ، فَقَالَ: تَهْدِمُونَ هَذَا الْبَيْتَ
[ ٢ / ٤٢٧ ]
- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - وَأَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَيْتٌ مَبْنِيٌّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً تَبْنِيهِ أَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا ظَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَحُمِلَ إِلَى بَلَاطِ عَامِلِ قَيْصَرَ وَاسْتُدْعِيَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ شَاهِدَيْ زُورٍ جَاءَا إِلَيْهِ وَقَالَا: (سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (فَكَيْفَ) يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ مُعْجِزَتُهُ وَيَدَّعِي أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِهَا شَاهِدَا زُورٍ؟.
وَفِيهِ أَيْضًا لِلُوقَا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ: اذْهَبَا إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي يُقَابِلُكُمَا، فَإِذَا دَخَلْتُمَاهُ فَسَتَجِدَانِ (فَلُوًّا) مَرْبُوطًا لَمْ يَرْكَبْهُ أَحَدٌ فُحُلَّاهُ وَأَقْبِلَا بِهِ إِلَيَّ. قَالَ: وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ حِمَارَةً مُتْعَبَةً.
وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحْسَبُوا أَنِّي قَدِمْتُ لِأُصْلِحَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمْ آتِ لِصَلَاحِهِمْ، لَكِنْ لِأُلْقِيَ الْمُحَارَبَةَ بَيْنَهُمْ، إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ، وَالْبِنْتِ وَأُمِّهَا، حَتَّى يَصِيرَ أَعْدَاءُ الْمَرْءِ أَهْلَ بَيْتِهِ» . ثُمَّ فِيهِ أَيْضًا: «إِنَّمَا قَدِمْتُ لِتَحْيَوْا وَتَزْدَادُوا خَيْرًا، وَأُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ» .
وَأَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَطَمَ خَدَّكَ الْأَيْمَنَ فَانْصِبْ لَهُ الْأُخْرَى» .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ:
[ ٢ / ٤٢٨ ]
طُوبَى لَكَ يَا شَمْعُونُ (رَأْسَ الْجَمَاعَةِ)، وَأَنَا أَقُولُ إِنَّكَ الْحَجَرُ، وَعَلَى هَذَا الْحَجَرِ تَبْنِي بِيعَتِي، وَكُلُّ مَا أَحْلَلْتَهُ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ مُحَلَّلًا فِي السَّمَاءِ، وَمَا عَقَدْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَعْقُودًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ أَسْطُرٍ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ وَلَا تُعَارِضْ، فَإِنَّكَ جَاهِلٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْطَانٌ جَاهِلٌ مُطَاعٌ فِي السَّمَاوَاتِ. وَفِي الْإِنْجِيلِ نَصٌّ أَنَّهُ، «لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ مِثْلَ يَحْيَى»
هَذَا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَى يَحْيَى مَنْ يَكْشِفُ عَنْ أَمْرِهِ (مَنْ أَنْتَ) أَهُوَ الْمَسِيحُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَتُرَاكَ إِلْيَاسُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَنْتَ النَّبِيُّ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَوْتُ مُنَادٍ فِي الْمَفَاوِزِ، وَلَا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أَنْ يُنْكِرَ نُبُوَّتَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْبِرًا بِالْكَذِبِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى نِسْبَةَ الْمَسِيحِ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ أَبًا، ثُمَّ نَسَبَهُ لُوقَا أَيْضًا فِي إِنْجِيلِهِ إِلَى يُوسُفَ، وَعَدَّ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ أَبًا. فَبَيْنَا هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ إِذْ صَيَّرُوهُ ابْنَ الْإِلَهِ ثُمَّ جَعَلُوهُ ابْنَ يُوسُفَ النَّجَّارِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِنْجِيلِ يَشْهَدُ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلِ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَنْتَ إِذَا اعْتَبَرْتَ نُسَخَهُ، وَنُسَخَ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وَالنَّصَارَى رَأَيْتَهَا مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا يَقْطَعُ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَتْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، وَلَا يَحْفَظُونَهَا فِي صُدُورِهِمْ كَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَقِيَّتُهُمْ لَا يَحْفَظُونَهَا، فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ، أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْعَالَمِ كَثِيرًا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ تَوَاطَئُوا وَتَوَاصَوْا بِكِتْمَانِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ الْبِشَارَةِ وَتَحْرِيفِهَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَبِيبًا سَاحِرًا مُمَخْرِقًا ابْنَ زِنْيَةٍ، وَتَوَاصَوْا بِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا، وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ أَبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَشَاعَ مَا تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَمَلَئُوا بِهِ كُتُبَهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ لُوطًا نَكَحَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا أَوْلَادًا، وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ جَمِيعِهِمْ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ، وَعَضَّ أَنَامِلَهُ، وَصَارَعَ يَعْقُوبَ فَصَرَعَهُ يَعْقُوبُ، وَأَنَّهُ رَاقِدٌ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ رَقْدَتِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِمْ. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى فُصُولٍ لَفَّقُوهَا بَعْدَ زَوَالِ مَمْلَكَتِهِمْ، يُصَلُّونَ بِهَا لَمْ تُعْرَفْ عَنْ مُوسَى، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ: اللَّهُمَّ اضْرِبْ بِبُوقٍ عَظِيمٍ لِعِتْقِنَا، وَاقْبِضْنَا جَمِيعًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى قُدْسِكَ، سُبْحَانَكَ، يَا جَامِعَ تَشْتِيتِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ.
وَقَوْلُهُمْ فِيهَا: (ارْدُدْ حُكْمَنَا) كَالْأَوَّلِينَ وَمَسِيرَتَنَا كَالِابْتِدَاءِ، وَابْنِ أُورْشَلِيمَ قَرْيَةَ قُدْسِكَ فِي أَيَّامِنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِبِنَائِهَا، سُبْحَانَكَ، يَا بَانِيَ أُورْشَلِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى وَقَوْمُهُ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ أَوَّلِ الْعَامِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ
[ ٢ / ٤٣٠ ]
عَلَى شَرْعِ صَوْمِ إِحْرَاقِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَوْمِ حِصَارٍ، وَصَوْمِ كَدَلْيَا، وَفَرْضِهِمْ ذَلِكَ صَوْمًا، وَصَوْمِ صَلْبِ هَامَانَ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ زَادُوهَا لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا، وَتَوَاطَئُوا بِذَلِكَ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَزِيدُوا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ شَيْئًا، وَلَا تُنْقِصُوا مِنْهُ شَيْئًا. فَتَوَاطَئُوا عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ، كَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَعْطِيلِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ نَصًّا. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَقَدْ كَذَّبَتْهُمُ التَّوْرَاةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ حَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نَدِمَ وَبَكَى عَنِ الطُّوفَانِ، وَعَادَ فِي رَأْيِهِ وَنَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ مُضَارَعَةٌ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ نَزَّهُوا رُهْبَانَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَسَبُوهُمَا إِلَى الْفَرْدِ الصَّمَدِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْمُلْكِ يَعُودُ إِلَيْهِمْ، وَتَرْجِعُ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَى مِلَّةِ الْيَهُودِ وَيَصِيرُونَ قَاهِرِينَ لِجَمِيعِ الْمِلَلِ.
[ ٢ / ٤٣١ ]
وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى تَعْطِيلِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَفَرَائِضِهَا، وَتَرْكِهَا فِي جُلِّ أُمُورِهِمْ إِلَّا الْيَسِيرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ أَسْبَابِ زَوَالِ مُلْكِهِمْ وَعِزِّهِمْ. فَكَيْفَ يُنْكَرُ مِنْ طَائِفَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَى تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَجَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَبَهْتِهِ وَبَهْتِ أُمِّهِ وَالْكَذِبِ الصَّرِيحِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهَا، وَعَلَى قَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى تَحْرِيفِ بَعْضِ التَّوْرَاةِ، وَكِتْمَانِ نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَفْتِهِ فِيهَا.
وَأَمَّا أُمَّةُ الضَّلَالِ وَعُبَّادُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمُزَوَّقَةِ فِي الْحِيطَانِ، وَإِخْوَانُ الْخَنَازِيرِ، وَشَاتِمُوا خَالِقَهُمْ وَرَازِقَهُمْ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَجَاعِلُوهُ مَصْفَعَةَ الْيَهُودِ، وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى ضُرُوبِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَبَاطِيلِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي أَبْرَزَ إِلَى الْوُجُودِ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَضَلُّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَبِّهِ وَشَتْمِهِ وَتَكْذِيبِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَمُعَادَاةِ حِزْبِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَمُوَالَاةِ الشَّيْطَانِ، وَالتَّعَوُّضِ بِعِبَادَةِ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ عَنْ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " بِالتَّصْلِيبِ عَلَى الْوَجْهِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بِـ اللَّهُمَّ اعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ، وَعَنِ السُّجُودِ لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ بِالسُّجُودِ لِلصُّورَةِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحَائِطِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْوَرْدِ، فَهَذَا بَعْضُ شَأْنِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ عِنْدَهُمَا آثَارُ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ، فَمَا الظَّنُّ بِسَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ؟