(فَصْلٌ): وَنَظِيرُ هَذَا مَا نَقَلُوهُ وَرَضُوا تَرْجَمَتَهُ فِي نُبُوَّةِ حَبْقُوقَ، (جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْيَمَنِ)، وَظَهَرَ (بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْقُدُّوسُ) عَلَى جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِ أَحْمَدَ، وَمَلَكَ بِيَمِينِهِ رِقَابَ الْأُمَمِ، وَأَنَارَتِ الْأَرْضُ لِنُورِهِ، وَحَمَلَتْ خَيْلَهُ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ (وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي إِلْهَامًا بِأَمْرِكَ يَا مَحْمَادُ ارْتِوَاءً.
وَهَذَا إِفْصَاحٌ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَمَنْ أَحْمَدُ هَذَا الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِهِ، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ فَمَلَكَ رِقَابَ الْأُمَمِ؟
(فَصْلٌ): وَمِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنَ السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ هَاجَرَ لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ، قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ، وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ، وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذُلَّكِ وَخُضُوعَكِ، وَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، يَدُهُ فَوْقَ يَدِ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَانِهِ.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
قَالَ الْمُسْتَخْرِجُونَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانَ مَعَ مُوسَى (أَعَزُّ أَهْلٍ)، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ، وَلِذَلِكَ كَانُوا مَعَ يُوشَعَ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الْمُلْكَ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَفَعَلَ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ فَكَفَرُوا بِهِ، وَكَذَّبُوهُ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَكْذِيبَهُمْ إِيَّاهُ، وَزَالَ مُلْكُهُمْ وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ، وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا. وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَقَهْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَدُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَالَةِ، وَلَا كَانَتْ فَوْقَ الْجَمِيعِ إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا بِرِسَالَتِهِ، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ فَصَارَتْ بِمَبْعَثِهِ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، بِحَيْثُ قَهَرُوا سُلْطَانَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئَةَ وَعُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ " وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُلْكِهِ وَظُهُورِهِ وَقَهْرِهِ، لَا بِرِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ.
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْمُلْكُ مُلْكَانِ، مُلْكٌ لَيْسَ مَعَهُ نُبُوَّةٌ بَلْ مُلْكُ جَبَّارٍ مُتَسَلِّطٍ،
[ ٢ / ٣٥٠ ]