[ ٢ / ٤٦٨ ]
الْقَرَّاءُونَ وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَكَانَ لَهُمْ أَسْلَافٌ فُقَهَاءُ وَهُمْ صَنَعُوا كِتَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُسَمَّى الْمِشْنَا وَمَبْلَغُ حَجْمِهِ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةِ وَرَقَةٍ، وَالثَّانِي يُسَمَّى التَّلْمُودَ وَمَبْلَغُهُ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ حِمْلِ بِغْلٍ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُؤَلِّفُونَ لَهُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَلَّفُوهُ فِي جِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ، فَمَا نَظَرَ مُتَأَخِّرُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمُ الزَّمَانُ زَادُوا فِيهِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَا يَنْقُضُ كَثِيرًا مِنْ أَوَّلِهِ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُغْلِقُوا بَابَ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى الْخَلَلِ الْفَاحِشِ، فَقَطَعُوا الزِّيَادَةَ وَحَظَرُوهَا عَلَى فُقَهَائِهِمْ، وَحَرَّمُوا مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَوَقَفَ الْكِتَابُ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَكَانَ فُقَهَاؤُهُمْ قَدْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ مُؤَاكَلَةَ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ أَكْلَ اللُّحْمَانِ مِنْ ذَبَائِحِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِهِمْ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ دِينَهُمْ لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ تَحْتَ الذُّلِّ وَالْعُبُودِيَّةِ وَقَهْرِ الْأُمَمِ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَتَهُمْ وَالْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَبْتَدِعُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ إِنَّمَا حَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَةَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ لِئَلَّا يُوَافِقُوا أَزْوَاجَهُنَّ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا حُرَّمَتْ عَلَيْهِمْ أَكْلَ ذَبَائِحِ الْأُمَمِ الَّتِي
[ ٢ / ٤٦٩ ]
يَذْبَحُونَهَا قُرْبَانًا لِلْأَصْنَامِ لِأَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ وَذُبِحَ لِلَّهِ فَلَمْ تَنْطِقِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِهِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ نَطَقَتْ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِمْ مِنْ أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَمُوسَى إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ مُنَاكَحَةِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ خَاصَّةً، وَأَكْلِ مَا يَذْبَحُونَهُ بِاسْمِ الْأَصْنَامِ، قَالُوا: التَّوْرَاةُ حَرَّمَتْ عَلَيْنَا أَكْلَ الطَّرِيفَا، قِيلَ لَهُمْ: الطَّرِيفَا هِيَ الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ السِّبَاعِ، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوا لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، فَلَمَّا نَظَرَ فُقَهَاؤُهُمْ إِلَى التَّوْرَاةِ غَيْرِ نَاطِقَةٍ بِتَحْرِيمٍ مَأْكَلٍ الْأُمَمِ عَلَيْهِمْ إِلَّا عُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَصَرَّحَتِ التَّوْرَاةُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ مُؤَاكَلَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ خَوْفَ اسْتِدْرَاجِ الْمُخَالَطَةِ إِلَى الْمُنَاكَحَةِ، وَالْمُنَاكَحَةُ قَدْ تَسْتَتْبِعُ الِانْتِقَالَ إِلَى أَدْيَانِهِمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَوَجَدُوا جَمِيعَ هَذَا وَاضِحًا فِي التَّوْرَاةِ، اخْتَلَقُوا كِتَابًا سُمُّوهُ (هَلَكَتْ شَحِيطَا) وَتَفْسِيرُهُ: عَلِمُ الذَّبَاحَةِ، وَوَضَعُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ مَا شَغَلَهُمْ بِهِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَالْخِزْيِ، فَأَمَرُوهُمْ فِيهِ أَنْ يَنْفُخُوا الرِّئَةَ حَتَّى يَمْلَئُوهَا هَوَاءً، وَيَتَأَمَّلُونَهَا هَلْ يَخْرُجُ الْهَوَّاءُ مِنْ ثُقْبٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الْهَوَاءُ حَرَّمُوهُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْضُ أَطْرَافِ الرِّئَةُ لَاصِقَةً بِبَعْضٍ لَمْ يَأْكُلُوهُ، وَأَمَرُوا الَّذِي يَتَفَقَّدُ الذَّبِيحَةَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ وَيَتَأَمَّلُ بِأَصَابِعِهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْقَلْبَ مُلْتَصِقًا إِلَى الظَّهْرِ أَوْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الِالْتِصَاقُ بِعِرْقٍ دَقِيقٍ كَالشَّعْرَةِ، حَرَّمُوهُ وَلَمْ يَأْكُلُوهُ وَسُمُّوهُ طَرِيفًا، وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَرَامٌ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ عُدْوَانٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا فِي لُغَتِهِمْ هُوَ: الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا السَّبْعُ، لَيْسَ لَهَا مَعْنَى فِي لُغَتِهِمْ سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا جَاءُوا بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ: " طَارُوفْ يَطْرَافْ يُوسُفَ "، تَفْسِيرُهُ: وَحْشٌ رَدِيءٌ أَكَلَهُ افْتِرَاسًا افْتَرَسَ يُوسُفَ.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وَفِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوهُ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ مِنَ الطَّرِيفَا، وَهَذَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي التِّيهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ قَرَمُهُمُ إِلَى اللَّحْمِ فَمُنِعُوا مِنْ أَكْلِ الْفَرِيسَةِ وَالْمَيْتَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي خُرَافَاتٍ وَهَذَيَانَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالرِّئَةِ وَقَالُوا: مَا كَانَ مِنَ الذَّبَائِحِ سَلِيمًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهُوَ " دَخْيَا "، وَتَفْسِيرُهُ: طَاهِرٌ مُذَكًّى، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ طَرِيفَا، وَتَفْسِيرُهُ: نَجِسٌ حَرَامٌ.
ثُمَّ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمُ فَرِيسَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَا تَأْكُلُوهُ لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، يُعْنَى: إِذَا ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةً وَلَمْ تُوجَدْ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَا تَأْكُلُوهَا، بَلْ بِيعُوهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ أَيْ: لِمَنْ لَيْسَ عَلَى مِلَّتِكُمْ، فَهُوَ الْكَلْبُ فَأَطْعِمُوهُ إِيَّاهُ بِالثَّمَنِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّحْرِيفَ وَالْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَلِذَلِكَ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي السُّورَةِ الْمَدَنِيَّةِ الَّتِي خَاطَبَ فِيهَا أَهْلَ الْكِتَابِ: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ ٢ / ٤٧١ ]
فَهَذَا تَحْرِيمٌ زَائِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَهِيَ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ نُزُولًا: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ.
فَهَذَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ وَنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ عَانَانَ وَبِنْيَامِينَ إِلَى هَذِهِ الْمُحَالَاتِ الشَّنِيعَةِ وَالِافْتِرَاءِ الْفَاحِشِ وَالْكَذِبِ الْبَارِدِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّ أَصْحَابَ التَّلْمُودِ وَالْمِشْنَا كَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَمَاقَاتٍ وَرُقَاعَاتٍ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ وَمَشَايِخَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا، يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُونَهُ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْفَقِيهِ فُلَانٍ، وَيُسَمُّونَ هَذَا الصَّوْتَ، بَثُّ قَوْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ إِلَى هَذَا الْكَذِبِ وَالْمُحَالِ، قَالُوا: قَدْ فَسَقَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِ فَاسِقٍ وَلَا فَتْوَاهُ، فَخَالَفُوهُمْ فِي سَائِرِ مَا أَصَّلُوهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَأَمَّا تِلْكَ التُّرَّهَاتُ الَّتِي أَلَّفَهَا فُقَهَاؤُهُمُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الْحَخَامِيمَ فِي عِلْمِ الذِّبَاحَةِ وَرَتَّبُوهَا وَنَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، فَأَطْرَحَهَا الْقَرَّاءُونَ كُلَّهَا وَأَلْغَوْهَا، وَصَارُوا لَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِنَ الذَّبَائِحِ الَّتِي يَقُولُونَ ذَبْحَهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَهُمْ فُقَهَاءُ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ إِلَّا أَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ أَصْحَابُ ظَوَاهِرَ مُجَرَّدَةٍ، وَالْأَوَّلُونَ أَصْحَابُ اسْتِنْبَاطٍ وَقِيَاسَاتٍ.
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ لَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَفِيهِمُ الْحَخَامِيمُ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ يُخَاطِبُ جَمِيعَهُمْ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (بَثُّ قَوْلٍ) وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَشَدُّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّ الْحَخَامِيمَ أَوْهَمُوهُمْ بِأَنَّ الذَّبَائِحَ لَا يَحِلُّ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَإِنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ لَا تَعْرِفُ هَذَا، وَإِنَّهُ شَيْءٌ خُصُّوا بِهِ وَمُيِّزُوا بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ شَرَّفَهُمْ بِهِ كَرَامَةً لَهُمْ، فَصَارَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الدَّابَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى ذَبَائِحِهِ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَيْتَةِ.
وَأَمَّا الْقَرَّاءُونَ فَأَكْثَرُهُمْ خَرَجُوا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَنَفَعَهُمْ تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمِ تَحْرِيفِهِمْ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ اسْتِعْدَادًا لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِسَاءَةُ ظَنِّهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الْكَذَّابِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَطَعْنِهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثَّانِي: تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمُ تَحْرِيفِهَا وَإِبْطَالِ مَعَانِيهَا.
وَأَمَّا أُولَئِكَ الرَّبَّانِيُّونَ، فَإِنَّ فُقَهَاءَهُمْ وَحَخَامِيمَهُمْ حَصَرُوهُمْ فِي مِثْلِ سَمِّ الْخِيَاطِ، بِمَا وَضَعُوا لَهُمْ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ وَالْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ، الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ:
[ ٢ / ٤٧٣ ]
مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ مُبَالَغَتَهُمْ فِي مُضَادَّةِ مَذَاهِبِ الْأُمَمِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطُوا بِهِمْ، فَيُؤَدِّي اخْتِلَاطُهُمْ بِهِمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَالْخُرُوجِ مِنَ السَّبْتِ وَالْيَهُودِيَّةِ.
الْقَصْدُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ مُبَدَّدُونَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَجَنُوبِهَا وَشَمَالِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وَمَا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ فِي بَلْدَةٍ إِلَّا إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الْخُشُونَةَ فِي دِينِهِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي الِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ شَرَعَ فِي إِنْكَارِ أَشْيَاءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهُمْ قِلَّةَ دِينِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَكُلَّمَا شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ، فَأَعْلَمُهُمْ أَعْظَمُهُمْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَرَاهُ أَوَّلَ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ، وَيَتَأَمَّلُ سِكِّينَ الذَّابِحِ وَيَشْرَعُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا آكُلُ إِلَّا مِنْ ذَبِيحَةِ يَدِي.
فَتَرَاهُمْ مَعَهُ فِي عَذَابٍ، وَيَقُولُونَ: هَذَا عَالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنَا فَلَا يَزَالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، وَكُلَّمَا فَعَلَ هَذَا قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحَاخَامُ الْفَاضِلُ، فَإِذَا رَآهُ رَئِيسُهُمْ قَدْ مَشَى حَالُهُ وَقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقَالَهُ، وَزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ أَزْرَى بِهِ وَطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْغَالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الْغَرِيبِ، وَيَنْسُبُهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ، وَلَا يُصَدِّقُونَهُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْقَادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وَضَيَّقَ، وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ تَشْدِيدًا وَتَضْيِيقًا كَانَ أَفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوَابَ فُلَانٍ إِذْ قَوَّى نَامُوسَ الدِّينِ فِي قُلُوبِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، شَيَّدَ أَسَاسَهُ، وَأَحْكَمَ سِيَاجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ الْقَادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذَا مَا عِنْدَكُمْ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُ وَإِذَا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَلَدِنَا وَنَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطَّائِفَةَ.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وَإِنْ كَانَ الْقَادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِهِمْ فَهُنَاكَ تَرَى الْعَجَبَ الْعَجِيبَ مِنَ النَّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ وَالسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بَلْ تَرَاهُمْ مُسَلِّمِينَ لَهُ، وَهُوَ يَجْتَلِبُ دَرَّهُمْ وَيَجْتَلِبُ دِرْهَمَهُمْ. وَإِذَا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى مِنْهُ جُلُوسًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ يَبْلُغَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ لَبَنًا أَوْ خَمْرًا أَوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمِشْنَا، وَالتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ الْيَهُودِ، وَأَبَاحَهُمْ عِرْضَهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ الْبَلَدُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَلَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَبْرِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ وَرَاجَعَ الْحَقَّ وَأَقْلَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلَى الْوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ.
وَأَذْكُرُ لَكَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ شَرْعِهِمُ الْمُبَدَّلِ أَوِ الْمَنْسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الْبَيَامَا وَالْجَالُوسِ وَهِيَ: أَنْ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِذَا أَقَامَ أَخَوَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعَقِّبْ فَلَا تَصِيرُ امْرَأَةُ الْمَيِّتِ إِلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوهَا يَنْكِحُهَا، وَأَوَّلُ وَلَدٍ يُولَدُ لَهَا يُنْسَبُ إِلَى أَخِيهِ الدَّارِجِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَنْكِحَهَا خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إِلَى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قَائِلَةً: قَدْ أَبَى حَمْوِي أَنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأَخِيهِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُرِدْ نِكَاحِي، فَيُحْضِرُهُ وَيُكَلِّفُهُ أَنْ يَقِفَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، فَتَتَنَاوَلَ الْمَرْأَةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِنْ رِجْلِهِ وَتُمْسِكُهُ بِيَدِهَا وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُنَادِي عَلَيْهِ: كَذَا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ،
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وَيُدْعَى فِيمَا بَعْدُ بِالْمَخْلُوعِ النَّعْلِ، وَيُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذَا اللَّقَبِ، وَفِي هَذَا كَالتَّلْجِئَةِ لَهُ إِلَى نِكَاحِهَا، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّمَا اسْتَحَى وَخَجِلَ مِنْ شَيْلِ نَعْلِهِ مِنْ رِجْلِهِ وَالْبَصْقِ فِي وَجْهِهِ، وَنَبْذِهِ بِاللَّقَبِ الْمُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ عَارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ نِكَاحِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيهَا وَالْكَرَاهَةِ لَهَا، بِحَيْثُ يَرَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهَا، وَهَانَ عَلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَى نِكَاحِهَا.
هَذَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَنَشَأَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأَةِ مُحِبًّا لَهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْكَرَاهَةِ لَهُ، فَأَحْدَثُوا بِهَذَا الْفَرْعِ حُكْمًا فِي غَايَةِ الظُّلْمِ وَالْفَضِيحَةِ، فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الْحَاكِمِ أَحْضَرُوهُ مَعَهَا وَلَقَّنُوهَا، أَنْ تَقُولَ: إِنَّ حَمْوِي لَا يُقِيمُ لِأَخِيهِ اسْمًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَرُدْ نِكَاحِي، وَهُوَ عَاشِقٌ لَهَا، فَيُلْزِمُونَهَا بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتْهُ فَامْتَنَعَ - فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يَقُومَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، وَنِكَاحُهَا غَايَةُ سُؤْلِهِ وَأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالْكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا شَيْلَ هُنَا وَيُبْصَقُ فِي وَجْهِهِ، وَيُنَادَى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْخِزْيِ وَأَلْزَمُوهُ بِالْكَذِبِ وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ وَالْعِتَابِ عَلَى ذَنْبٍ جَرَّهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، كَمَا قِيلَ:
وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ وَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ الْعَذَابُ
أَفَلَا يَسْتَحِي مِنْ تَعْيِيرِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هَذَا شَرْعُهُ وَدِينُهُ؟!
[ ٢ / ٤٧٦ ]