وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ وَتَثْبُتَ بِهِ الْحُجَّةُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا إِلَى قَوْلِهِ: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ.
فَالْحُجَّةُ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَى الْخَلْقِ بِالرُّسُلِ، وَبِهِمُ انْقَطَعَتِ الْمَعْذِرَةُ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُمْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ يُقْبَلُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ،
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، وَيَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، فَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا، وُقُلُوبًا غُلْفًا: بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، لَا يُرِيدُ بِهِ التَّوْرَاةَ الْمَعْنِيَّةَ الَّتِي هِيَ كِتَابُ مُوسَى فَقَطْ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْكُتُبُ الْمَعْنِيَّةُ تَارَةً، وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ تَارَةً، فَيُعَبِّرُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ الزَّبُورِ، وَبِلَفْظِ التَّوْرَاةِ عَنِ الْإِنْجِيلِ وَعَنِ الْقُرْآنِ أَيْضًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ مَا بَيْنَ أَنْ يُسْرِجَ دَابَّتَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَبَهَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْمُرَادُ بِهِ قُرْآنُهُ، وَهُوَ الزَّبُورُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْبِشَارَةِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ: نَبِيًّا أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، أُنْزِلُ عَلَيْهِ تَوْرَاةً مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى.
وَكَذَلِكَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ. فَقَوْلُهُ: أَخْبِرْنِي بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يُرِيدَ التَّوْرَاةَ الْمُعَيَّنَةَ، وَلَيْسَتِ الْمُبَدَّلَةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَوْ جِنْسَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِمَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ أَتَمُّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. وَقَدْ تَرْجَمُوهُ أَيْضًا بِتَرْجَمَةٍ أُخْرَى فِيهَا بَعْضُ الزِّيَادَةِ: عَبْدِي وَرَسُولِي الَّذِي سَرَّتْ بِهِ نَفْسِي، أُنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيِي، فَيَظْهَرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُورَ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِيَ الْقُلُوبَ الْغُلْفَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أُعْطِيهِ أَحَدًا،
[ ٢ / ٣٦٩ ]
يَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا جَدِيدًا يَأْتِي مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَتَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَسُكَّانُهَا، يُهَلِّلُونَ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ رَابِيَةٍ، لَا يَضْعُفُ، وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى الْهَوَى، مُشَفَّحٌ وَلَا يُذِلُّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ كَالْقَصَبَةِ الضَّعِيفَةِ، بَلْ يُقَوِّيَ الصِّدِّيقِينَ، وَهُوَ رُكْنُ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، أَثَرُ سُلْطَانِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: مُشَفَّحٌ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بِوَزْنِ مُكَرَّمٍ، وَهِيَ لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ، مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ مَعْنًى وَلَفْظًا، مُقَارِبًا لِمُطَابَقَةِ (مُؤَدَ مُؤَدَ) بَلْ أَشَدَّ مُطَابَقَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْعَرَبُ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِهَا بِلَفْظِ الْعِبْرَانِيِّينَ، فَإِنَّهَا بَيْنَ الْحَاءِ وَالْهَاءِ، وَفَتْحَةُ الْفَاءِ بَيْنَ الضَّمَّةِ وَالْفَتْحَةِ، وَلَا يَتَرَيَّبُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مُنْصِفٌ أَنَّهَا مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: مُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكِّ، وَاعْتِبَارُهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ (شَفْحَا لَاهَا)، إِذَا أَرَادُوا يَقُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَمْدُ شَفْحًا فَمُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكٍّ.
وَقَدْ قَالَ لِي وَلِغَيْرِي بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: إِنَّ " مِئِدَ مِئِدَ " هِيَ مُحَمَّدٌ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَفْتَحُ الْمِيمَ وَيُدْنِيهَا مِنَ الضَّمَّةِ، قَالَ: وَلَا يَشُكُّ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ سَكَتْنَا عَنْ ذَلِكَ، وَضَرَبْنَا عَنْ هَذَا صَفْحًا فَمَنْ هَذَا الَّذِي انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ سِوَاهُ ﷺ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي أَثَرُ سُلْطَانِهِ وَهُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ عَلَى كَتِفَيْهِ، رَآهُ النَّاسُ عِيَانًا مِثْلَ زِرِّ الْحَجْلَةِ؟! ! فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَبَعْدَ الْبَصِيرَةِ إِلَّا الْعَمَى، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
فَصِفَاتُ هَذَا النَّبِيِّ وَمَخْرَجُهُ وَمَبْعَثُهُ وَعَلَامَاتُهُ وَصِفَاتُ أُمَّتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، يَقْرَءُونَهَا فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَدْرُسُونَهَا فِي مَجَالِسِهِمْ، لَا يُنْكِرُهَا مِنْهُمْ عَالِمٌ، وَلَا يَأْبَاهَا جَاهِلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، وَسَيَظْهَرُ وَنَتَّبِعُهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ، كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فِيهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَدَاوُدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ الَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْيَهُودُ إِذَا اسْتَنْصَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا، حَتَّى يُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَيَقْتُلَهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَاتِ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَمِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عَلِمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، فَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا
[ ٢ / ٣٧١ ]
وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلَكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
فِي كِتَابِ أَشْعِيَا: أَشْكُرُ حَبِيبِي وَابْنِي أَحْمَدَ، فَلِهَذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، وَأَعْلَنَ أَشْعِيَا بِذَكَرِهِ وَصِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَنَادَى بِهَا فِي نُبُوَّتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا لِمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: إِنَّا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوَّتَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْهُ بِاسْمِهِ ﷺ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَسِيرَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ وَأَحْوَالِهِمْ سِوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟.
قَوْلُ حَبْقُوقَ فِي كِتَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، لَقَدْ أَضَاءَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ، شُعَاعُ مَنْظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلَادَهُ بِعِزَّةٍ، تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَتَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ، قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ، وَانْخَفَضَتِ الرَّوَابِي فَتَزَعْزَعَتْ أَسْوَارُ مَدْيَنَ، وَلَقَدْ
[ ٢ / ٣٧٢ ]
حَازَ الْمَسَاعِيَ الْقَدِيمَةَ، ثُمَّ قَالَ: زَجَرُكَ فِي الْأَنْهَارِ، وَاحْتِذَامُ صَوْتِكَ فِي الْبِحَارِ، رَكِبْتَ الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الْأَتْقِيَاءِ، وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا، وَتَرْتَوِي الْهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ، وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وَتَضَيَّمَتِ الْمَهَارِيُّ تَضَوُّرًا، وَرَفَعَتْ أَيْدِيهَا وَجَلًا وَخَوْفًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرِيقِ سِهَامِكَ، وَلَمَعَانِ نَيَازِكِكَ، وَتَدُوخُ الْأَرْضَ وَتَدُوسُ الْأُمَمَ أَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ، وَإِنْقَاذِ تُرَابِ آبَائِكِ.
فَمَنْ رَامَ صَرْفَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ رَامَ سَتْرَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَتَغْطِيَةِ الْبِحَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَاتٍ عَيَّنَتْ شَخْصَهُ، وَأَزَالَتْ عَنِ الْحَيْرَانِ لَبْسَهُ؟! بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى انْكَشَفَ الصُّبْحُ لِمَنْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَتَسْيِيرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ، وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَ الْأَنْهَارَ الْعَظِيمَةَ عَنْ مَجَارِيهَا، وَحَبْسَهَا عَنْ غَايَتِهَا وَمُنْتَهَاهَا، فَهَيْهَاتَ مَا يَرُومُ الْمُبْطِلُونَ وَالْجَاحِدُونَ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
فَمِنَ الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَخَطَبِهِمْ، وَإِدْبَارِ صَلَوَاتِهِمْ، وَعَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَجَمِيعِ الْأَحْوَالِ سِوَاهُمْ! حَتَّى سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ ظُهُورِهِمُ الْحَمَّادِينَ! وَمَنْ ذَا الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ كَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِيهِ مِنْ ضِيَائِهِ وَنُورِهِ؟.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهِ فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِي كُلِّ مُرْتَحِلِ لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ أَمَا أَتَى شَاهَدَهُ فِي وَجْهِهِ يَنْطِقُ وَمَنِ الَّذِي سَارَتِ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَصَحِبَتْ سِبَاعُ الطَّيْرِ جُنُودَهُ لِعِلْمِهِمَا بِقُرْبِ مَنْ ذَبَحَ الْكُفَّارَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
يَتَطَايَرُونَ بِقُرْبِهِ قُرْبَانَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ عَلَقُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَمَنِ الَّذِي تَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ وَانْخَفَضَتْ لَهُ الرَّوَابِي، وَدَاسَ الْأُمَمَ وَرَوَّعَ الْعَالَمَ، وَانْتَقَضَتْ لِنُبُوَّتِهِ الْمَمَالِكُ، وَخَلَّصَ الْأُمَّةَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ سَوَاءٌ؟.
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ حِزْقِيلَ يُهَدِّدُ الْيَهُودَ وَيَصِفُ لَهُمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَبَاعِثٌ فِيهِمْ نَبِيًّا، وَيُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَيُمَلِّكُهُمْ رِقَابَكُمْ فَيَقْهَرُونَكُمْ وَيُذِلُّونَكُمْ بِالْحَقِّ، وَيَخْرُجُ رِجَالُ بَنِي قِيدَارَ فِي جَمَاعَاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ يُوقِعُونَ بِكُمْ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُكُمْ إِلَى النَّارِ.
فَمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى قَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا؟ وَمَنْ هُمْ بَنُو قِيدَارَ غَيْرُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي خَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ جَمَاعَاتُ الشُّعُوبِ؟ وَمَنِ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتَّى عَايَنُوهَا عِيَانًا، فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى غَلَبَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، أَلْفَ رَجُلٍ مُقَنَّعِينَ فِي الْحَدِيدِ مَعْدُودِينَ مِنْ فُرْسَانِ
[ ٢ / ٣٧٤ ]
الْعَرَبِ فَأَصْبَحُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ وَمُنْهَزِمٍ.
قَوْلُ دَانْيَالَ وَذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيضٍ وَلَا تَلْوِيحٍ، وَقَالَ: سَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكِ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً.
وَقَوْلُ دَانْيَالَ النَّبِيِّ أَيْضًا حِينَ سَأَلَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا ثُمَّ أُنْسِيَهَا: رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ رَأَسُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَسَاعِدَاهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَطْنُهُ وَفَخِذُهُ مِنَ النُّحَاسِ، وَسَاقَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْخَزَفِ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَتَعَجَّبُ مِنْهُ إِذْ أَقْبَلَتْ صَخْرَةٌ فَدَقَّتْ فِي ذَلِكَ الصَّنَمِ فَتَفَتَّتَ وَتَلَاشَى، وَعَادَ رُفَاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ، وَذَهَبَ وَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا عَظِيمًا مَلَأَ الْأَرْضَ، فَهَذَا مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَقَالَ بُخْتُنَصَّرُ: صَدَقْتَ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالَ: أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدُكَ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُوَ دُونُكَ وَتَقُوُمُ بَعْدَهُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُ وَهِيَ تُشْبِهُ النُّحَاسَ، وَبَعْدَهَا مَمْلَكَةٌ قَوِيَّةٌ مِثْلَ الْحَدِيدِ، وَأَمَّا الرِّجْلَانِ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي رَأَيْتَهُ دَقَّ الصَّنَمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ إِلَهُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، فَهَذَا تَعْبِيرُ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُنْطَبِقٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى نَبِيٍّ سِوَاهُ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى
[ ٢ / ٣٧٥ ]
امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَسُلْطَانُهُ دَائِمَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا أَزَالُ سُلْطَانَ الْيَهُودِ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَزَالَ سُلْطَانَ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ - وَسَطِهَا - فَصَارَ فِي بَعْضِ أَطْرَافِهَا، وَأَزَالَ سُلْطَانَ الْمَجُوسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَسُلْطَانَ الصَّابِئِينَ.
قَوْلُ دَانْيَالَ أَيْضًا: سَأَلْتُ اللَّهَ وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِي مَا يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَلْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَيَرُدُّ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ، فَظَهَرَ لِيَ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ شَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دَانْيَالُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَغْضَبُونِي، وَتَمَرَّدُوا عَلَيَّ وَعَبَدُوا مِنْ دُونِي آلِهَةً أُخْرَى، وَصَارُوا مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ إِلَى الْجَهْلِ، وَمِنْ بَعْدِ الصِّدْقِ إِلَى الْكَذِبِ، فَسَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهِمْ، وَهَدَمَ مَسَاجِدَهُمْ، وَحَرَقَ كُتُبَهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ بِهِمْ، وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَلَا مُقِيلُهُمْ عَثَرَاتِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ فِي سُخْطِي حَتَّى أَبْعَثَ مَسِيحِي ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَأَخْتِمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَالسُّخْطِ، فَلَا يَزَالُونَ مَلْعُونِينَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ حَتَّى أَبْعَثَ نَبِيَّ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ هَاجَرَ، وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا مَلَاكِي، فَبَشَّرَهَا، وَأُوحِي إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَأُعَلِّمُهُ الْأَسْمَاءَ، وَأُزَيِّنُهُ بِالتَّقْوَى، وَأَجْعَلُ الْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالصِّدْقَ قَوْلَهُ، وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْقَصْدَ سِيرَتَهُ، وَالرُّشْدَ سُنَّتَهُ، أَخُصُّهُ بِكِتَابٍ مُصَدَّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَنَاسِخٍ لِبَعْضِ مَا فِيهَا، أُسْرِي بِهِ إِلَيَّ، وَأَرْقِيهِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَعْلُوَ فَأُدْنِيَهُ، وَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرُدَّهُ إِلَى عِبَادِي بِالسُّرُورِ وَالْغِبْطَةِ، حَافِظًا لِمَا اسْتُودِعَ، صَادِقَا فِيمَا أَمَرَ، يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِي بِاللِّينِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، رَءُوفٌ بِمَنْ وَالَاهُ، رَحِيمٌ بِمَنْ آمَنَ بِهِ، خَشِنٌ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَيَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِي وَعِبَادَتِي، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِي، فَيُكَذِّبُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
ثُمَّ سَرَدَ دَانْيَالُ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَمْلَاهُ عَلَيْهِ الْمَلَكُ، حَتَّى وَصَلَ آخِرَ أَيَّامِ أُمَّتِهِ بِالنَّفْخَةِ وَانْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ الْآنَ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَقْرَءُونَهَا وَيُقِرُّونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا بَعْدُ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ تُسْتَرَ وَجَدُوا دَانْيَالَ مَيِّتًا وَوَجَدُوا عِنْدَهُ مُصْحَفًا.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: فَأَنَا قَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ، وَفِيهِ صِفَتُكُمْ وَأَخْبَارُكُمْ، وَسِيرَتُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ، وَكَانَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ - يَعْنِي أَهْلَ أَرْضِ السُّوَيْسِ حَيْثُ دَانْيَالُ مَدْفُونٌ - إِذَا أَجْدَبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ احْفُرْ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وَادْفِنْهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا كَيْ لَا تُفْتَنَ النَّاسُ بِهِ
قَالَ كَعْبٌ: وَذَكَرَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، وَيُرِيدُ بِهَا التَّوْرَاةَ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمَعْنِيَّةِ: أَحْمَدُ عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بَكَّا، وَهِجْرَتُهُ طَابَا، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الْحَامِدُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيُسَبِّحُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، وَمُؤَذِّنُهُمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَصَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، أُسْدٌ بِالنَّهَارِ، وَلَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْهُمْ وَلَوْ عَلَى كُنَاسَةٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، قَالَ: كَانَ عِنْدَ أَبِي وَجَدِّي وَرَقَةً يَتَوَارَثُونَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تَبَارٍ، هَذَا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَخُوضُونَ الْبُحُورَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، فِيهِمْ صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ مَا هَلَكُوا بِالطُّوفَانِ، وَفِي ثَمُودَ مَا أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ.
قَالَ أَشْعِيَا وَذَكَرَ قِصَّةَ الْعَرَبِ فَقَالَ: يَدُوسُونَ الْأُمَمَ دِيَاسَ الْبَيَادِرِ، وَيَنْزِلُ الْبَلَاءُ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَيَنْهَزِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ سُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ، وَقِسِيٍّ مَوْتُورَةٍ مِنْ شِدَّةِ الْمَلْحَمَةِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا حَلَّ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْوَقَائِعِ.
قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى عَنْ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: مَنْ
[ ٢ / ٣٧٨ ]
أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرَّبَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ لَهُمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ الْآنَ بَطَرُوا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ لِأَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا، فَلَوْ قَدْ جَاءَ الْمِنَحْمَنَا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ رُوحِ الْقُدُسِ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي، هَذَا قَوْلِي لَكُمْ لِكَيْ لَا تَشُكُّوا إِذَا جَاءَ.
وَالْمَنَحْمَنَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرُّومِيَّةِ الْبَارَقْلِيطُ، وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْيَهُودِ: وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمْ نُسَاعِدْهُمْ عَلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَتِمُّوا كَيْلَ آبَائِكُمْ يَا ثَعَابِينَ بَنِي الْأَفَاعِي، كَيْفَ لَكُمُ النَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ يس إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ.
وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ أَنَّهُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى (وَسَأَبْعَثُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَعُلَمَاءَ وَتَقْتُلُونَ مِنْهُمْ، وَتَصْلُبُونَ وَتَجْلِدُونَ، وَتَطْلُبُونَهُمْ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى، لِتَتَكَامَلَ عَلَيْكُمْ دِمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْرَقَةُ عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصَّالِحِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرْضِيَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، إِنَّهُ سَيَأْتِي جَمِيعَ مَا وَصَفْتُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَا أُورْشَلِيمُ
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الَّتِي تَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَتَرْحَمُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْكِ، قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَنِيكِ كَجَمْعِ الدَّجَاجَةِ فَرَارِيجَهَا تَحْتَ جَنَاحِهَا وَكَرِهْتِ أَنْتِ ذَلِكَ، سَأُقْفِرُ عَلَيْكُمْ بَيْتَكُمْ، وَأَنَا أَقُولُ لَا تَرَوْنِي الْآنَ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَقُولُونَ لَهُ مُبَارَكٌ، يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ.
فَأَخْبَرَهُمُ الْمَسِيحُ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْفُوا الصَّاعَ الَّذِي قُدِّرَ لَهُمْ، وَأَنَّهُ سَيُقْفِرُ بَيْتَهُمْ أَيْ يُخْلِيهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُمْ فَلَا يَرَوْنَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُبَارَكُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ. فَهُوَ الَّذِي انْتَقَمَ بَعْدَهُ لِدِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْبَارَقْلِيطُ فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ مَا لَمْ أَذْهَبْ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدَهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَا ذَاهِبٌ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ.
وَالْمُبَارَكُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ الْمَسِيحِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: إِنَّهُ لَمَّا حُبِسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بَعَثَ تَلَامِيذَهُ إِلَى الْمَسِيحِ، وَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا لَهُ: أَنْتَ إِيلِيَا أَمْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟، فَقَالَ الْمَسِيحُ: الْحَقُّ الْيَقِينُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّسَاءُ عَنْ أَفْضَلَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَكُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ، حَتَّى جَاءَ يَحْيَى، وَأَمَّا الْآنُ فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْبَلُوا فَإِنَّ (إِيلَ) مُزْمِعٌ أَنْ يَأْتِيَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ سَامِعَتَانِ فَلْيَسْتَمِعْ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَجِيءِ اللَّهِ ﷾ الَّذِي هُوَ (إِيلُ) بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَمَجِيئِهُ هُوَ مَجِيءُ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، قَالَ بَعْضُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ: إِنَّمَا بَشَّرَ بِإِلْيَاسِ النَّبِيِّ.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وَهَذَا لَا يُنْكَرُ مِنْ جَهْلِ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ الَّتِي نَحَتَتْهَا أَيْدِي الْيَهُودِ، فَإِنَّ إِلْيَاسَ تَقَدَّمَ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمَسِيحِ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَرْمِيَا: قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي الْبَطْنِ، وَأَرْسَلْتُكَ وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأَجْنَاسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشَارَةٌ عَلَى لِسَانِ أَرْمِيَا لِمَنْ بَعْدُهُ، وَهُوَ إِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، لَا تَعْدُوهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا، وَمُحَمَّدٌ أَوْلَى بِهَا لِأَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ نَبِيًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى سَائِرِ الْأَجْنَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ عَهِدَ مُوسَى إِلَى الْمَسِيحِ إِنَّمَا كَانُوا يُبْعَثُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: لَا تَسْلُكُوا إِلَى سَبِيلِ الْأَجْنَاسِ، وَلَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلَى الْغَنَمِ الرَّابِضَةِ مَنْ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسٍ الْأَرْضِ وَطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ.
وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
[ ٢ / ٣٨١ ]
وَقَوْلِهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً.
وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصَارَى بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوهَا، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ زُعَمَائِهِمْ إِنَّهَا بِشَارَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْيَسَعَ، وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي مَنْ قَدْ مَاتَ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ الْمَعْلُومِ.
قَوْلُ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ مَثْلَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: كَمِثْلِ رَجُلٍ اغْتَرَسَ كَرْمًا وَيُسَيِّجُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَشَيَّدَ فِيهِ قَصْرًا، وَوَكَّلَ بِهِ أَعْوَانًا، وَتَقَرَّبَ عِنَبَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَوَانُ الْقِطَافِ، بَعَثَ عَبْدًا إِلَى أَعْوَانِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ بِالْكَرْمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِلنَّبِيِّ الْمُوَكِّلِ آخَرَ بِالْكَرْمِ، إِلَى أَنْ أَفْصَحَ عَنْ أُمِّتِهِ، فَقَالَ: وَأَقُولُ لَكُمْ: سَيُزَاحُ عَنْكُمْ مُلْكُ اللَّهِ، وَتُعْطَاهُ الْأُمَّةُ الْمُطِيعَةُ الْعَامِلَةُ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا بِصَخْرَةٍ وَقَالَ: مَنْ سَقَطَ عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ يَنْكَسِرُ، وَمَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ يَتَهَشَّمُ. وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ نَاوَأَهُ وَحَارَبَهُ مِنَ النَّاسِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ سِوَاهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي صِفَتِهِ: لِتَفْرَحْ أَرْضُ الْبَادِيَةِ الْعَطْشَى، وَلْتَبْتَهِجِ الرَّوَابِي
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَالْفَلَوَاتُ، لِأَنَّهَا سَتُعْطَى بِأَحْمَدَ مَحَاسِنُ لُبْنَانَ وَمِثْلُ حُسْنِ الدَّسَاكِيرِ. وَبِاللَّهِ مَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا الْمُكَابَرَةُ وَجَحْدُ الْحَقَّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ.
قَوْلُ حِزْقِيلَ فِي صُحُفِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿ - بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَعَاصِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَبَّهَهُمْ بِكَرْمَةٍ غَذَّاهَا وَقَالَ: لَمْ تَلْبَثِ الْكَرْمَةُ أَنْ قُلِعَتْ بِالسَّخْطَةِ وَرُمِيَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَحْرَقَتِ السَّمَائِمُ ثِمَارَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُرِسَ فِي الْبَدْوِ وَفِي الْأَرْضِ الْمُهْمَلَةِ الْعَطْشَى، وَخَرَجَتْ مِنْ أَغْصَانِهَا الْفَاضِلَةِ نَارٌ أَكَلَتْ تِلْكَ الْكَرْمَةَ، حَتَّى لَمْ يُوجَدُ فِيهَا غُصْنٌ قَوِيٌّ وَلَا قَضِيبٌ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ لَا تَلْوِيحَ بِهِ ﷺ، وَبِبَلَدِهِ وَهِيَ مَكَّةُ الْعَطْشَى الْمُهْمَلَةُ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَهُ مِنْ عَهْدِ إِسْمَاعِيلَ.
مَا فِي صُحُفٍ دَانْيَالَ وَقَدْ نَعَتَ (الْكِشْدَانِيِّينَ) الْكِلْدَانِيِّينَ، فَقَالَ: لَا تَمِيدُ دَعْوَتُهُمْ، وَأَقْسَمَ الرَّبُّ بِسَاعِدِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ الْبَاطِلُ وَلَا يَقُومَ لِمُدَّعٍ كَاذِبٍ دَعْوَةٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَفِي التَّوْرَاةِ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، فَإِنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَضْعَافُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهَا الْقُرُونُ مِنَ السِّنِينَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَكَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا لِمَلِكٍ قَطُّ، فَضْلًا عَنْ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ
[ ٢ / ٣٨٣ ]
عَلَى اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ مُفْسِدٍ لِلْعَالَمِ مُغَيِّرٍ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا بِاللَّهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أَسْوَأَ الظَّنِّ، وَقَدَحَ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَقَدْ جَرَتْ لِي مُنَاظَرَةٌ مَعَ أَكْبَرِ مَنْ تُشِيرُ إِلَيْهِ الْيَهُودُ بِالْعِلْمِ وَالرِّئَاسَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ: إِنَّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ شَتَمْتُمُ اللَّهَ أَعْظَمَ شَتِيمَةً، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مِثْلُكَ يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ! فَقُلْتُ لَهُ: اسْمَعِ الْآنَ تَقْرِيرَهُ، إِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَلِكٌ ظَالِمٌ قَهَرَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، وَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَقَامَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَيَقُولُ: أَمَرَنِي اللَّهُ بِكَذَا وَنَهَانِي عَنْ كَذَا وَأُوحِيَ إِلَيَّ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبَاحَ لِي سَبْيَ ذَرَارِيِّ مَنْ كَذَّبَنِي وَخَالَفَنِي وَنِسَاءَهُمْ، وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتْلَ رِجَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ يَدْأَبُ فِي تَغْيِيرِ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَمُعَادَاةِ أُمَمِهِمْ وَنَسْخِ شَرَائِعِهِمْ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَيُشَاهِدُهُ وَيَعْلَمُهُ، أَوْ تَقُولُوا: إِنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْجَهْلِ، وَكَانَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْتُمْ بَلْ كَانَ كُلُّهُ بِعِلْمِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَالْأَخْذِ عَلَى يَدَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَقَدْ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْعَجْزِ الْمُنَافِي لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُعِزُّهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَوَدُّهُ، وَيُعْلِيهِ وَيُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيُظْهِرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ، وَلَا يَقْصِدُهُ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا ظَفَرَ بِهِ، وَلَا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَهَا لَهُ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى آحَادِ الْعُقَلَاءِ، فَضْلًا عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى دَعْوَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ بِكَلَامِهِ، وَهَذِهِ عِنْدَكُمْ شَهَادَةُ زُورٍ وَكَذِبٍ؟
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ هَذَا بِكَاذِبٍ مُفْتَرٍ، بَلْ هُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ مَنِ اتَّبَعَهُ أَفْلَحَ وَسَعِدَ.
قُلْتُ: فَمَا لَكَ لَا تَدْخُلُ فِي دِينِهِ؟
قَالَ: إِنَّمَا بُعِثَ لِلْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعِنْدَنَا كِتَابٌ نَتَّبِعُهُ.
قُلْتُ لَهُ: غُلِبْتَ كُلَّ الْغَلَبِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَقَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَإِذَا صَحَّتْ رِسَالَتُهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَأَمْسَكَ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا.
وَقَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ مَا جَرَى لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضِ الْيَهُودِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ
قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْيَوْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﵇: إِنِّي أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ، فَمَنْ عَصَاهُ انْتَقَمْتُ مِنْهُ. قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: ذَلِكَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ عِنْدَكَ فِي آخِرِ التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيٌّ مِثْلُ مُوسَى.
(الثَّانِي): أَنَّهُ قَالَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِمَّا الْعَرَبُ وَإِمَّا الرُّومُ.
فَإِنَّ الْعَرَبَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَالرُّومُ بَنُو الْعِيصِ، وَهَؤُلَاءِ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَّا
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الرُّومُ فَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ نَبِيٌّ سِوَى أَيُّوبَ ﵇ وَكَانَ قَبْلَ مُوسَى ﵇ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَرَبُ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ حِينَ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ جَدَّ الْعَرَبِ: أَنَّهُ يَضَعُ فُسْطَاطَهُ فِي وَسَطِ بِلَادِ إِخْوَتِهِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي نَصَبَ فُسْطَاطَهُ، وَمُلْكُ أُمَّتِهِ فِي وَسَطِ بِلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهِيَ الشَّامُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ مُلْكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ.
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: فَعِنْدَكُمْ فِي الْقُرْآنِ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَا أَخَا تَمِيمٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَهَذَا قَوْلُهُ: أُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ.
قَالَ الْمُسْلِمُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي تَمِيمٍ إِخْوَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي هَاشِمٍ إِخْوَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَهَذَا مَا لَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زِيدٌ أَخُو بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ أَخُو عَادٍ، وَصَالِحٌ أَخُو ثَمُودَ أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَوْ قِيلَ: عَادٌ أَخُو عَادٍ، وَثَمُودُ أَخُو ثَمُودَ، وَمَدْيَنُ أَخُو مَدْيَنَ، لَكَانَ نَقْصًا، وَكَانَ نَظِيرَ قَوْلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْآخَرِ صَرِيحٌ.
قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُقِيمُ هَذَا النَّبِيَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُحَمَّدٌ إِنَّمَا أُقِيمَ لِلْعَرَبِ وَلَمْ يُقَمْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَذَا الِاخْتِصَاصُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ لَا إِلَى غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
كِتَابَيِّهِمْ وَأُمِّيِّهِمْ، وَنَصَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ لَهُمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَرَبِ وَالْأُمِّيِّينَ خَاصَّةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِ إِلَى ذِكْرِهِ، وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِ وَلَا دَاخِلٌ فِيهِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ أَوْلَى بِحُكْمِهِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ. فَكَانَ فِي تَعْيِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِزَالَةٌ لِوَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ وَهَؤُلَاءِ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَنْفِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَذِيرًا لِغَيْرِهِمْ، فَلَوْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَذْكُرَ عَنْهُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً لَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً، فَأَمَّا وَقَدْ نَطَقَ كِتَابُهُ وَعَرَفَ الْخَاصُّ وَالْعَامُ بِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا حُجَّةَ لَكَ. قَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّ أَسْلَافَنَا مِنَ الْيَهُودِ كُلَّهُمُ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْعِيسَوِيَّةُ مِنَّا تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَسْنَا نَقُولُ بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ يَهُودِيٌّ مَعَهُ فَقَالَ: نَحْنُ قَدْ جَرَى شَأْوُنَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَبِاللَّهِ أَدْرِي كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الْعَرَبِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِهِ أَنْفُسَنَا النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِهِ بِسُوءٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ. وَفِي السَّطْرِ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا وَلَوْ كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ أَصْوَاتُ النَّحْلِ
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ وَيُعَلِّمُونَ الْوِلْدَانَ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَمُهَاجَرَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ حَسَدُوا وَبَغَوْا
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، وَرُمَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
[ ٢ / ٣٨٨ ]
أَبَا مَالِكِ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: جِئْتُ لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمًا لِأَتَحَدَّثَ فِيهِمْ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي هُدْنَةٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَعَ الْيَهُودِيَّ، يَقُولُ: أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَشْهَلِيُّ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: مَا صِفَتُهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَهَذَا الْبَلَدُ مُهَاجَرُهَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا يَقُولُ يُوشَعُ، فَأَسْمَعُ رَجُلًا مِنَّا يَقُولُ: (هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُهُ؟!) كُلُّ يَهُودِ يَثْرِبَ تَقُولُ هَذَا، قَالَ أَبِي: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعُ إِلَّا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدَ هَذِهِ مُهَاجَرُهُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَهُ أَبِي هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ يَهُودَ لَأَسْلَمَتْ يَهُودُ كُلُّهَا، إِنَّمَا هُمْ لَهُمْ تَبَعٌ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَّا يَهُودِيٌّ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَإِنِّي لِغُلَامٌ: قَدْ أَظَلَّكُمْ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْبَيْتِ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا
قَالَ النَّضْرُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ رَجُلٌ أَوْصَفُ لِمُحَمَّدٍ مِنْ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ، كَانَ يَأْلَفُهُ الْيَهُودُ وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الدِّينِ
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَيُخْبِرُونَهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى يَهُودِ تَيْمَا فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَسَأَلَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُوهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ مُهَاجَرَهُ يَثْرِبُ، فَرَجَعَ أَبُو عَامِرَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَقَامَ مُتَرَهِّبًا وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا خَرَجَ وَظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ وَأَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ حَسَدَهُ وَبَغَى وَنَافَقَ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بِمَ جِئْتَ؟ بِمَ بُعِثْتَ؟ قَالَ: بِالْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: أَنْتَ تَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَيْتُ بِهَا بَيْضَاءَ، أَيْنَ مَا كَانَ يُخْبِرُكَ بِهِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ وَصْفِي؟ فَقَالَ: لَسْتَ بِالَّذِي وَصَفُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَذَبْتَ، فَقَالَ: مَا كَذَبْتُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ وَحِيدًا طَرِيدًا، قَالَ: آمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَ مَعَ قُرَيْشٍ يَتْبَعُ دِينَهُمْ وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَسْلَمْ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بِالشَّامِ فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي جَمَاعَةٍ، كُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْطُ وَالرُّومُ اتَّبَعُوهُ، قَالَ الْمُغَيَّرَةُ: فَأَقَمْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَا أَدَعُ كَنِيسَةً إِلَّا دَخَلْتُهَا، وَسَأَلْتُ أَسَاقِفَتَهَا مِنْ قِبْطِهَا وَرُومِهَا عَمَّا يَجِدُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَانَ أُسْقُفٌّ مِنَ الْقِبْطِ وَهُوَ رَأْسُ كَنِيسَةِ أَبِي مُحَيِّسٍ، كَانُوا يَأْتُونَ بِمَرْضَاهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ، لَمْ أَرَ أَحَدًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ آخِرُهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى أَحَدٌ، وَهُوَ
[ ٢ / ٣٩٠ ]
نَبِيٌّ قَدْ أَمَرَنَا عِيسَى بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا بِالْآدَمِ يُعْفِي شَعْرَهُ، وَيَلْبَسُ مَا غَلُظَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَجْتَزُّ بِمَا لَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ لَاقَاهُ يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَفْدُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، هُمْ لَهُ أَشَدُّ حُبًّا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَآبَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْقَرَظِ، وَمِنْ حَرَمٍ يَذْهَبُ إِلَى حَرَمٍ، يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضِ سَبِخَةٍ وَنَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ، وَيُخَصُّ بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مُشْدُدٌ عَلَيْهِمْ، لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِزَيْدٍ: مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ؟ قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي تُطَالِبُ فِي أَرْضِكَ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ،
[ ٢ / ٣٩١ ]
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ الْمَنْقِرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيٍّ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا أَحَدُهُمْ وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُنْدُبٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ فِيهِ شَجَرَاتٌ وَقَرْيَةُ دِيرَانِيٍّ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ مَا هِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، قُلْنَا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خِنْدَفٍ، قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيٌّ، فَسَارِعُوا إِلَيْهِ وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَصِرْنَا إِلَى أَهْلِنَا، وُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ
[ ٢ / ٣٩٢ ]
فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ، وَإِذَا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَوْا عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْسَكُوا، وَفِي نَاحِيَتِهَا رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ؟ قَالَ الْمَرِيضُ: إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأَمْسَكُوا، ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَحْبُو حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: خُذُوا أَخَاكُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ تُبَّعٌ الْمَدِينَةِ وَنَزَلَ بِقُبَاءَ بَعَثَ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنِّي مُخَرِّبٌ هَذَا الْبَلَدَ حَتَّى لَا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ، وَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ شَمْوَالُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَمُهُمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّ هَذَا بَلَدٌ يَكُونُ إِلَيْهِ مُهَاجَرَةُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ. وَإِنَّ مَنْزِلَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي عَدُوِّهِمْ، قَالَ تُبَّعٌ: وَمَنْ يُقَاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ نَبِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ قَالَ: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَيْنَ قَبْرُهُ، قَالَ: بِهَذَا الْبَلَدِ، قَالَ: فَإِذَا قُوتِلَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ؟ قَالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وَبِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وَتُقْتَلُ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ يُقْتُلُوهُ فِي مَوْطِنٍ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَيَظْهَرُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ، قَالَ: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ الْبَعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى مِنْ أَخٍ وَابْنِ عَمٍّ أَوْ عَمٍّ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، قَالَ تُبَّعٌ: مَا إِلَى هَذِهِ الْبَلَدِ مِنْ سَبِيلٍ، وَمَا كَانَ يَكُونُ خَرَابُهَا عَلَى يَدَيَّ، فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمَنِ.
قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ: لَمْ يَمُتْ تُبَّعٌ حَتَّى صَدَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ يَهُودُ يَثْرِبَ يُخْبِرُونَهُ، وَأَنَّ تُبَّعَ مَاتَ مُسْلِمًا
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَعْلَمَ الْيَهُودِ وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ سِفْرًا كَانَ أَبِي يَكْتُمُهُ عَلَيَّ، فِيهِ ذِكْرُ أَحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَيُحَدِّثُ بِهِ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أَبِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ فَعَمَدَ إِلَى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحَاهُ وَكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَخَيْبَرَ يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَإِنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: وُلِدَ أَحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذَا الْكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ قَالُوا تَنَبَّأَ أَحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ، كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيَصِفُونَهُ، فَمَا مَنَعَهُمْ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِهَا تِجَارَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مَوْلُودٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، احْصُوَا مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَلِدَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحْمَدُ، وَبِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فِيهَا شَعَرَاتٌ، فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا فِي مَنَازِلِهِمْ ذَكَرُوهُ لِأَهَالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَوُا الْيَهُودِيَّ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالُوا لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ فِينَا اللَّيْلَةَ غُلَامٌ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ خَبَرِي أَمْ قَبْلَهُ؟ فَقَالُوا: قَبْلَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، فَقَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مَعِي حَتَّى أَتَوْا أُمَّهُ، فَأَخْرَجَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الشَّامَةَ فِي ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ - أَيِ الْيَهُودِيُّ -، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ! فَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَفَازَتِ الْعَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أَفَرِحْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاشَدَهُ بِدِينِهِ وَبِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
مِنَ الْغَمَامِ، أَتَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَبَيِّنٌ فِي التَّوْرَاةِ وَلَكِنْ حَسَدُوكَ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ خِلَافَ قَوْمِي عَسَى أَنْ يَتَّبِعُوكَ وَيُسْلِمُوا فَأُسْلِمَ
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنْتُ آتِي الْيَهُودَ عِنْدَ دِرَاسَتِهِمُ التَّوْرَاةَ، فَأَعْجَبُ مِنْ مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ الْقُرْآنَ، وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنَ لِلتَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا أَحَدٌّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ لِأَنَّكَ تَغْشَانَا، قُلْتُ: إِنَّمَا أَجِيءُ لِأَعْجَبَ مِنْ تَصْدِيقِ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: هَذَا صَاحَبُكَ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ سَيِّدُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأَخْبِرُوهُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلَتْ: فَأَنَّى أَهْلَكَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا عَدُوًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَسِلْمًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، عَدُوُّنَا جِبْرِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَسِلْمُنَا مِيكَائِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ. وَجِبْرِيلُ صَاحِبُهُ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ مَا يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ مِيكَائِيلَ، وَلَا لِمِيكَائِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ جِبْرِيلَ، وَلَا أَنْ يُسَالِمَ عَدُوَّهَ، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا أُقْرِئُكَ آيَاتٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ
[ ٢ / ٣٩٦ ]
قُلْتُ: قُلْ، فَتَلَا مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ الْآيَةَ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُخْبِرُكَ بِقَوْلِ الْيَهُودِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَشَدَّ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ حَجَرٍ.
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَأَيْتُ أَنَّهَا عَلَى الْبَاطِلِ يَعْبُدُونَ الْحَجَرَةَ وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَفْضَلِ الدِّينِ؟ فَقَالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ وَيَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ، وَيَأْتِي بِأَفْضَلِ الدَّيْنِ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاتَّبِعْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إِلَّا مَكَّةَ آتِيهَا فَأَسْأَلُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي، وَأَعْتَرِضُ الرُّكْبَانَ فَأَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ إِذْ مَرَّ بِي رَاكِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ مَكَّةَ، قُلْتُ: هَلْ حَدَثَ حَدَثٌ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَدَعَا إِلَى غَيْرِهَا، قُلْتُ: صَاحِبِي الَّذِي أُرِيدَ، فَشَدَدْتُ رَاحِلَتِي وَجِئْتُ فَأَسْلَمْتُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَعَنْ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ ثَمَانِيَةً مِنْ أَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَقَالُوا: أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَهَبُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ فَاسْتَشَارُوهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَالِحُوهُ وَلَا يُلَاعِنُوهُ، وَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَصَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَلْفِ حُلَّةٍ فِي صَفَرٍ،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وَأَلْفِ حُلَّةٍ فِي رَجَبٍ وَدَرَاهِمَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي سَلَمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمَعِيِّ، عَنْ سَهْلٍ مَوْلَى عَثْمَةَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ وَكَانَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ، قَالَ: فَأَخَذْتُ مُصْحَفًا لِعَمِّي فَقَرَأْتُهُ حَتَّى مَرَّتْ بِي وَرَقَةٌ أَنْكَرْتُ قِرَاءَتَهَا، فَإِذَا هِيَ مُلْصَقَةٌ فَفَتَقْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ لَا قَصِيرَ وَلَا طَوِيلَ، أَبْيَضَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يُكْثِرُ الِاجْتِبَاءَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَالْبَعِيرَ، وَيَحْتَلِبُ الشَّاةَ، وَيَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي فَرَأَى الْوَرَقَةَ فَضَرَبَنِي، وَقَالَ: مَا لَكَ وَفَتْحِ هَذِهِ الْوَرَقَةَ: فَقُلْتُ: فِيهَا نَعْتُ النَّبِيِّ أَحْمَدَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ
وَقَالَ وَهْبٌ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْعِيَا أَنِّي مُبْتَعِثٌ نَبِيًّا أَفْتَحُ بِهِ آذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا، أَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالْوَقَارَ وَالصِّدْقَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتِّتَةٍ وَأُمَمٍ
[ ٢ / ٣٩٨ ]
مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، طُوبَى لِتِلْكَ الْقُلُوبِ
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ النَّصَارَى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى عَلَى نِسْوَةٍ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، وَقَدْ غَابَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ أُمُورِهِمْ، فَقَالَ: يَا نِسَاءَ تَيْمَاءَ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِيكُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِرَاشًا فَلْتَفْعَلْ، فَحَفِظَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ
وَقَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبٍ، قَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ، وَمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ، إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدَكَ نَبِيٌّ يُسَمَّى أَحْمَدَ وَمُحَمَّدًا، صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُغْضِبَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أُعْطِيهِمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلَ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ أَنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَطَهَّرُوا كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْحَجِّ كَمَا أَمَرْتُ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْجِهَادِ كَمَا أَمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَّهُ عَلَى الْأُمَمِ كَمَا أَعْطَيْتُهُمْ سِتَّ خِصَالٍ لَمْ أُعْطِهَا غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أُؤَاخِذُهُمْ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ إِذَا اسْتَغْفَرُونِي مِنْهُ غَفَرْتُهُ لَهُمْ، وَمَا قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، طَيِّبَةٌ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، عَجَّلْتُ لَهُمْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلَهُمْ عِنْدِي فِي الْمَدْخُورِ أَضْعَافًا مُضَاعِفَةً، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَعْطَيْتُهُمْ عَلَى الْمَصَائِبِ إِذَا صَبَرُوا وَاسْتَرْجَعُوا الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْهُدَى، وَإِنْ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، يَا دَاوُدُ، مَنْ لَقِيَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي صَادِقًا بِهَا، فَهُوَ مَعِي فِي جَنَّتِي وَكَرَامَتِي، وَمَنْ لَقِيَنِي وَقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا أَوْ كَذَّبَ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَهْزَأَ بِكِتَابِي، صَبَبْتُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ الْعَذَابَ صَبًّا، وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ عِنْدَ مَنْشَرِهِ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ الدَّرْكَ الْأَسْفَلَ مِنَ النَّارِ
وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَاةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ فَأَصَبْنَا قَبْرَ دَانْيَالَ بِالسُّوَيْسِ، وَكَانُوا إِذَا اسْتَسْقَوْا خَرَجُوا فَاسْتَسْقَوْا بِهِ فَوَجَدُوا مَعَهُ رُقْعَةً فَطَلَبَهَا نَصْرَانِيٌّ مِنَ الْحِيرَةِ يُسَمَّى نُعَيْمًا فَقَرَأَهَا، وَفِي أَسْفَلِهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَأَسْلَمَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَبْرًا، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَأَتْحَفَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأَخْبَرَنِي بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْكِتَابَ إِلَى مَا صَارَ، فَمَرَّ عَلَيْنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ فَدَعَوْنَاهُ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، إِنَّ الْكِتَابَ كَانَ عِنْدَ كَعْبٍ فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: أَلَا أَئْتَمِنَهُ عَلَى أَمَانَةٍ يُؤَدِّيهَا؟ قَالَ شَهْرٌ: فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ لِي يُكَنَّى أَبَا لَبِيدٍ: أَنَا، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغْتَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا فَارْكَبْ قَرَقُورَامَ ثُمَّ اقْذِفْ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ، فَانْفَرَجَ الْمَاءُ فَقَذَفَهُ فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى كَعْبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ إِنَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ ﷿