جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
قال ابن عباس: ما بعث الله من نبيٍّ إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعِثَ محمد وهو حيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ به، ولَيَنْصُرنَّه، وأمرَهُ أن يأخذ الميثاق على أمته؛ لئن بُعِثَ محمدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيُتَابِعُنَّه (^١).
فصل
فهذه الوجوه على تقدير عدم العلم بوجود نعته وصفته والخبر عنه في الكتب المتقدمة. ونحن نذكر بعضَ ما وَرَدَ فيها من البشارة به ونعته وصفته وصفة أمته، وذلك يظهر من وجوه:
(الوجه الأول): قولُه تعالى في التوراة: "سأُقيم لبني إسرائيلَ نبيًّا من إخوتهم مِثْلَكَ أجعلُ كلامي في فِيْه، ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قَولَ ذلك النبيِّ الذي يتكلم باسمي. أنا أنتقم منه ومن سِبْطِهِ" (^٢).
فهذا النصُّ ممَّا لا يمكن أحدًا منهم جحدُه وإنكارُه، ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق:
"أحدها": حَمْلُه على المسيح، وهذه طريقة النصارى.
وأمَّا اليهود فلهم فيه ثلاثة (^٣) طرق:
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري": "٦/ ٥٥٦"، "تفسير البغوي": (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٢) انظر: العهد القديم، سفر التثنية، الإصحاح (١٨/ ١٥).
(٣) في "غ": "ثلاث". وهذه الطرق الثلاثة، تكمل ما سبق عن طريقة النصارى فتكون كلها أربعة.
[ ١١٩ ]
"أحدها": أنه على حذف أداة الاستفهام. والتقدير: أَأُقِيم لبني إسراِئيل نبيًّا من إخوتهم؟! أي: لا أفعل هذا، فهو استفهامُ إنكارٍ (^١) حُذِفَتْ منه أداة الاستفهام.
"الثاني": أنه خبرٌ ووَعِيْدٌ، ولكن المراد به شَمَوِيْل النبيّ؛ فإنه من بني إسرائيل، والبشارة إنما وقعتْ بنبيٍّ من إخوتهم، وإخوةُ القومِ هم بنو أبيهم، وهم بنو إسرائيل (^٢).
"الثالث": أنِّه نبيٌّ يبعثه الله في آخر الزمان، يقيم به مُلْكَ اليهود، ويعلو به شأنهم، وهم ينتظرونه إلى (^٣) الآن (ويسمُّونه المنتظر) (^٤).
وقال المسلمون: البشارةُ صريحةٌ في النبيِّ ﷺ العربي الأُمِّيِّ محمدٍ بنِ عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- لا يحتمل غيرَهُ، فإنها إنما وقعتْ بنبيٍّ من إخوة بني إسرائيل لا من بني إسرائيل أنفُسِهمْ، والمسيحُ من بني إسرائيل، فلو كان المراد بها هو المسيح لقال: أُقيمُ لهم نبيًّا من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وإخوةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، ولا يعقل (^٥) في لغةِ أمةٍ من الأُمم أنَّ بني إسرائيل هم إخوة بني إسرائيل، كما أنَّ إخوة زيدٍ لا يدخل فيهم زيدٌ نفسُهُ.
_________________
(١) في "غ": "إنكاري".
(٢) انظر: "بذل المجهود" للسموأل، ص (٧٦ - ٧٧).
(٣) ساقطة من "غ".
(٤) من المصرية فقط، وساقط من سائر النسخ.
(٥) في "غ": "يقول".
[ ١٢٠ ]
وأيضًا: فإنه قال: "نبيًّا مثلك"، وهذا يدلُّ على أنّه صاحبُ شريعةٍ عامةٍ مثل موسى، وهذا يُبْطِلُ حَمْلَه على شمويل من هذا الوجه أيضًا.
ويبطُل حَمْلُهُ على يوشع من ثلاثةِ أوجهٍ:
"أحدها": أنه من بني إسرائيل لا من إخوتهم.
"الثاني": أنه لم يكن مِثْل موسى، وفي التوراة (التي بأيديهم) (^١): "لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى" (^٢).
"الثالث": أن يوشع نبيٌّ في زمن موسى، وهذا الوعد إنما هو بنبيٍّ يقيمه الله بَعْد موسى.
وبهذه الوجوه الثلاثة يبطُل حملُه على هارون، مع أنَّ هارون توفي قبل موسى، ونبَّأه الله مع موسى في حياته.
ويبطل ذلك من وجه "رابع" أيضًا: وهو أنَّ في هذه البشارة أنه يُنْزِلُ عليه كتابًا يَظْهر للناس (^٣) مِنْ فيه، وهذا لم يكن لأحدٍ بعد موسى غير النبيِّ ﷺ، وهذا من علامات نبوته التي أَخبرتْ بها الأنبياءُ المتقدِّمون، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧].
فالقرآنُ نَزلَ على قلب رسولِ الله ﷺ وظهر للأمة من فيه.
_________________
(١) ساقط من "ب، ج، ص".
(٢) انظر: سفر التثنية، الإصحاح (٣٤)، فقرة (١٠).
(٣) في "غ": "الناس".
[ ١٢١ ]