وتالله ما بعد هذا إلا المكابرة وجحد الحق (^١) بعدما تبين.
(الوجه الثامن والثلاثون) قول حِزْقيل في صُحُفه التي بأيديهم يقول الله ﷿ -بعد ما ذكر معاصي بني إسرائيل وشبَّههم بكرمةٍ غذاها وقال: "لم تلبث الكَرْمة أن قُلِعت بالسَّخطة وِرمي بها على الأرض وأحرقت السمائم ثمارها، فعند ذلك غُرِس غرْسٌ (^٢) في البدو وفي الأرض المهملة العطشى وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها غصن قويٌّ ولا قضيب" (^٣).
وهذا تصريحٌ لا تلويحٌ به ﷺ وببلده وهي مكة العطشى المهملة من النبوَّة قَبْله من عهد إسماعيل.
(الوجه التاسع والثلاثون) ما في صحف دَانِيَالْ وقد نعت الكَلْدَانِيِّيْنَ الكذَّابين فقال: "لا تمتدُّ دعوتهم ولا يتمُّ قربانهم، وأقْسَمَ الربُّ بساعده أن لا يظهر الباطل ولا يقوم لمدَّعٍ كاذب دعوةٌ أكثر من ثلاثين سنة" (^٤). وفي التوراة ما يشبه هذا.
وهذا تصريحٌ بصحة (نبوة محمد ﷺ) (^٥)؛ فإنَّ الذين اتَّبعوه بعد موته أضعاف أضعاف الذين اتبعوه في حياته، وهذه دعوته قد مرَّتْ عليها القرون من السنين، وهي باقية مستمرة وكذلك إلى آخر الدهر، ولم يقع
_________________
(١) في "غ": "الخلق".
(٢) من "غ".
(٣) انظر: العهد القديم، حزقيال: (١٤/ ١٣).
(٤) العهد القديم، دانيال، الإصحاح التاسع والثاني عشر.
(٥) في "غ": "نبوته".
[ ١٩٩ ]
هذا لملك (^١) قط فضلًا عن كذَّاب مفترٍ (^٢) على الله وأنبيائه مُفْسدٍ للعالَم مُغَيِّر لدعوة الرسل، ومن ظن هذا بالله فقد ظنَّ به أسوأ الظنِّ وقَدَحَ في علمه وقدرته وحكمته.
وقد جرت لي "مناظرة" بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام: أنتم بتكذيبكم محمدًا ﷺ قد شتمتم الله أعظم شتيمة. فعجب من ذلك، وقال: مثلك يقول هذا الكلام! فقلت له: اسْمعِ الآن تقريرَه:
إذا قلتم: إنَّ محمدًا ملك ظالم (^٣) قَهَر الناسَ بسيفه، وليس برسولٍ من عند الله، وقد أقام ثلاثًا وعشرين سنة يدَّعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة، ويقول: أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا وأوحى إليَّ كذا، ولم يكن من ذلك شيء، ويقول: إنه أباح لي سَبْيَ ذراري مَنْ كذَّبني وخالفني ونساءَهم وغنيمةَ أموالهم وقَتْلَ رجالهم، ولم يكن من ذلك شيء، وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء ومعاداة أممهم ونسخ شرائعهم فلا يخلو:
إمَّا أن تقولوا: إن الله -سبحانه- كان يطَّلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقولوا: إنه خفي عنه ولم يعلم به.
فإن قلتم: لم يعلم به، نسبتموه إلى أقبح الجهل، وكان مَنْ عَلِمَ ذلك أعْلمَ منه.
_________________
(١) في "غ": "الملك".
(٢) في "غ، د": "مغيِّر".
(٣) في "د": "ظاهر".
[ ٢٠٠ ]
وإن قلتم: بل كان ذلك كلُّه بعلمه ومشاهدته واطِّلاعه عليه، فلا يخلو إمَّا أن يكون قادرًا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك، أو لا:
فإن لم يكن قادرًا فقد نسبتموه إلى أفجع (^١) العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرًا وهو مع ذلك يعزُّه وينصره ويؤيِّده ويُعْلِيه ويُعْلي كلمته ويجيب دعاءَه ويمكِّنه من أعدائه ويُظْهِر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف، ولا يقصده أحد بسوءٍ إلا أظْفَرَه به ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسَّفَه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلًا عن ربّ الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد (^٢) له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه وهذه عندكم شهادة زور وكذب!
فلما سمع ذلك قال: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذبٍ مفترٍ، بل هو نبيٌّ صادق، مَنِ اتَّبعه أفْلحَ وسَعِد.
قلت: فمالك لا تدخل في دينه؟
قال: إنما بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم، وأما نحن فعندنا كتاب نتَّبعه.
قلت له: غُلِبْتَ كل الغَلَب، فإنه قد علم الخاصُّ والعام أنّه أخبر أنَّه رسول الله إلى جميع الخلق، وأنّ من لم يتَّبِعْه فهو كافرٌ من أهل الجحيم، وقاتلَ اليهودَ والنصارى وهم أهلُ كتاب، وإذا صحَّتْ رسالته وَجَبَ
_________________
(١) في "غ": "أقبح".
(٢) في "غ": "شهد".
[ ٢٠١ ]
تصديقُه في كلِّ ما أخبر به، فأمسك ولم يُحِرْ جوابًا.
وقريب من هذه المناظرة ما جرى لبعض علماء المسلمين مع بعض اليهود ببلاد المغرب (^١). قال له المسلم: في التوراة التي بأيديكم إلى اليوم أن الله قال لموسى: "إني أُقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًّا مثلك أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه".
قال له اليهودي: ذلك يوشع بن نون.
فقال المسلم: هذا محال من وجوهٍ:
(أحدها) أنه قال عندك في آخر التوراة: "إنه لا يقوم في بني إسرائيل نبيٌّ مثل موسى".
(الثاني) أنه قال: "من إخوتهم". وإخوة بني إسرائيل إمَّا العربُ وإمّا الرُوم، فإنَّ العرب بنو إسماعيل، والروم بنو العيص، وهؤلاء إخوة بني إسرائيل. فأمَّا الروم فلم يقم منهم نبيٌّ سوى أيوب، وكان قبل موسى، فلا يجوز أن يكون هو الذي بشَّرت به التوراة، فلم يبق إلا العرب وهم بنو إسماعيل، وهم إخوة بني إسرائيل، وقد قال الله في التوراة حين ذكر إسماعيل جدَّ العرب: "إنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته" وهم بنو إسرائيل. وهذه بشارة بنبوة ابنه محمَّدٍ الذي نصب فسطاطه وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل، وهي الشام التي هي مظهر ملكه كما تقدم من قوله: "وملكه بالشام".
_________________
(١) لعلها مناظرة أبي عبيدة الخزرجي في كتابه: بين الإسلام والمسيحية، ص (٢١٤) وما بعدها، فإن فحوى هذا الكلام فيها.
[ ٢٠٢ ]
فقال له (^١) اليهودي: فعندكم في القرآن: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]. والعرب تقول: يا أخا بني تميم للواحد منهم، فهكذا قوله: "أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم".
قال المسلم: الفرق بين الموضعين ظاهر، فإنه من المحال أن يقال: إن بني إسرائيل إخوة بني إسرائيل، وبني (^٢) تميم إخوة بني تميم، وبني (^٣) هاشم إخوة بني هاشم. هذا ما لا يُعْقَل في لغة أمةِ من الأمم، بخلاف قولك: زيدٌ أخو بني تميم، وهود أخو عاد. وصالحٌ أخو ثمود أي واحد منهم، فهو أخوهم في النّسَب. ولو قيل: عاد أخو عاد، وثمود أخو ثمود، ومدين أخو مدين = لكَان نقصًا، وكان نظير (قولك: بنو إسرائيل) (^٤) إخوة بني إسرائيل، فاعتبار أحد الموضعين بالآخر خطأ صريح (^٥).
قال اليهوديُّ: فقد أخبر أنه سيقيم هذا النبي لبني إسرائيل، ومحمدٌ إنما أُقيم للعرب ولم يقم لبني إسرائيل. فهذا الاختصاص يُشْعِر بأنَّه مبعوث إليهم لا إلى غيرهم.
قال المسلم: هذا من دلائل صدقه (^٦)، فإنه ادَّعى أنّه رسول الله إلى
_________________
(١) ساقطة من "غ".
(٢) في "غ": "بنو".
(٣) في "غ" "بنو".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "غ".
(٥) في "غ": "صريحًا".
(٦) في "د": "متفرقة".
[ ٢٠٣ ]
أهل الأرض، كِتابِيِّهِم وأُمّيِّهِم، ونصَّ الله في التوراة على أنّه يقيمه لهم لئلا يظنوا (^١) أنَّه مرسل إلى العرب والأميِّين خاصة (^٢)، والشيء يُخَصُّ بالذكر لحاجة المخاطب إلى ذِكْره لئلا يتوهم السامع أنّه غير مرادٍ باللفظ العام ولا داخلِ فيه، وللتنبيه على أنَّ ما عداه أولى بحكمه، ولغير ذلك من المقاصد، فكان في تعيين بني إسرائيل بالذكر إزالة لوهم من توهم أنه مبعوث إلى العرب خاصة، وقد قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣، القصص: ٤٦]. وهؤلاء قومه ولم يَنْفِ ذلك أن يكونَ نذيرًا لغيرهم، فلو أمكنك أن تذكر عنه أنه ادَّعى أنه رسول إلى العرب خاصة لكان ذلك حجة، فأما وقد نطق كتابُه، وعرف الخاصُّ والعامُّ بأنه ادَّعى أنه مرسل إلى بني إسرائيل وغيرهم فلا حجة لك.
قال اليهوديُّ: إن أسلافنا من اليهود كلّهم على أنه ادَّعى ذلك، ولكن العيسوية منا تزعم أنه نبيُّ العرب خاصة، ولسنا نقول بقولهم. ثم التفت إلى يهوديٍّ معه فقال: نحن قد جرى شأننا على اليهودية، وتالله ما أدري كيف التخلُّص من هذا العربي، إلا أنه أقل ما يجب علينا أن نأخذ به أنفسنا النهي عن ذِكْره بسوء.
وقال محمد بن سعد في "الطبقات": حدَثنا مَعْنُ بنُ عيسى، حدَّثنا معاوية (^٣) بن صالح، عن أبي فَرْوَةَ، عن ابن عباس أنه سأل كَعْبَ الأحبار: كيف تجد نَعْتَ رسولِ الله ﷺ في التوراة؟ قال: نجده: "محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومُهَاجَره إلى طابة، ويكون مُلْكُه
_________________
(١) في "د": "يتوهموا".
(٢) ساقطة من "ج".
(٣) في "ج": "معونة"، تصحيف عن "معوية".
[ ٢٠٤ ]
بالشام، ليس بفحَّاش ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يكافئ السيئةَ بالسيئةِ، ولكن يعفو ويصفح" (^١).
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ: حدَّثنا الحسن بن الرَّبيع، حدثنا أبو الأحْوَص، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالحٍ قال: قال كعب: نجد مكتوبًا في التوراة (^٢): "محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمّتُه الحمَّادون يكبرون الله على كل نجد، ويحمدونه في كلِّ منزلة، ويأتزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفُّهم في القتال وصفُّهم في الصلاة (سواءٌ، لهم) (^٣) دويٌّ كدوي النحْل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام" (^٤).
قال الدارمي: وأخبرنا زيد بن عوف، حدَّثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ذَكْوَان أبي صالحٍ، عن كعب قال: في السطر الأول: "محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام".
وفي السطر الثاني: "محمد رسول الله، أمتُه الحمَّادون، يحمدون الله في كل حال ومنزلة، ويكبِّرونه على كلِّ شَرَفٍ، رعاة الشمس،
_________________
(١) "طبقات ابن سعد": (١/ ٣٦٠).
(٢) من "د".
(٣) في "غ": "وسؤالهم".
(٤) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب صفة النبيِّ ﷺ في الكتب قبل مبعثه: (١/ ٤ - ٥).
[ ٢٠٥ ]
يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها (^١) ولو كانوا على رأس كناسة، يأتزرون على أوساطهم، ويوضؤون أطرافَهم، وأصواتُهم بالليل في جو السماء كأصواتِ النَّحْل" (^٢).
وقال عاصم بنُ عُمرَ بنِ قَتَادَةَ، عن نَمْلَةَ بن أبي نَمْلَةَ، عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم، ويُعلِّمون الولدان صفته واسمه ومهاجره، فلما ظهر حسدوا وبغوا وأنكروا (^٣).
وذكر أبو نُعَيْمٍ في "دلائل النبوة" من حديث سليمانَ بنِ سُحَيْمٍ ورُمَيْح بنِ عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِيِّ عن أبيه، قال سمعت أبي مالكَ بنَ سِنَان يقول: جئت بني عبد الأشْهل يومًا لأتحدَّث فيهم -ونحن يومئذ في هدنة من الحرب- فسمعت يُوشَعَ اليهوديَّ يقول: أظلَّ خروج نبيٍّ يقال له: أحمد، يخرج من الحرم.
فقال له خليفةُ بن ثعلبةَ الأشْهَليُّ -كالمستهزئ به-: ما صفته؟
فقال: رجلٌ ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حُمْرة، يلبس الشَّمْلة، ويركب الحمار، وهذا البلد مهاجره.
قال: فرجعت إلى قومي بني خُدْرَةَ وأنا يومئذٍ أتعجَّب مما يقول يُوشَع، فأسمع رجلًا منا يقول: هذا وحده يقوله؟! كلُّ يهود (^٤) يثرب تقول هذا.
_________________
(١) في "غ": "وقربًا".
(٢) أخرجه الدارمي أيضًا في المقدمة: (١/ ٥ - ٦).
(٣) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٦).
(٤) في "ب": "كله ليهود".
[ ٢٠٦ ]
قال أبي: فخرجت حتى جئت يهود بني قريظة فتذاكروا النبيَّ ﷺ، فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا بخروج نبيٍّ وظهوره، ولم يبقَ أحدٌ إلا أحمد (^١)، هذه مهاجره.
قال أبو سعيد: فلما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أَخبره أبي هذا الخبر، فقال النبيُّ ﷺ: "لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلمتْ يهودُ كلُّها إنما هم لهم تَبَعٌ" (^٢).
وقال النَّضْر بنُ سلمةَ: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، عن صالح بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بنِ عمرَ بن قتادةَ، عن محمود بن لبيد، عن محمد بن مَسْلَمةَ قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع، فسمعته يقول وإني لغلام: قد أظلَّكم خروج نبيٍّ يُبْعث من نحو هذا البيت، ثم أشار بيده إلى نحو بيت الله الحرام، فمن أدركه فلْيصدِّقْه، فبُعِث رسولُ الله ﷺ فأسْلَمْنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسدًا وبغيًا (^٣).
قال النَّضْر: وحدثنا عبد الجبار بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الله العامريِّ، عن سليم بن يسار، عن عمارةَ (^٤) بنِ خزيمةَ بن ثابت، قال: ما كان في الأوْس والخَزْرجَ رجلٌ أوْصَفَ لمحمدٍ من أبي عامر الرَّاهب،
_________________
(١) ساقطة من "د".
(٢) انظر: "دلائل النبوة" لأبي نعيم الأصبهاني: ص (٤١)، "الطبقات لابن سعد": (١/ ١٦٠).
(٣) "دلائل النبوة" لأبي نعيم، ص (٣٩ - ٤٠).
(٤) في "غ": "حماد".
[ ٢٠٧ ]
كان يألف اليهود ويسائلُهم عن الدِّين (^١) ويخبرونه بصفة رسول الله ﷺ، وأنَّ هذه دار هجرته، ثم خرج إلى يهود تيماء فأخبروه بمثل ذلك، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى فأخبروه بصفةِ رسول الله ﷺ، وأنَّ مهاجره يثرب، فرجع أبو عامر وهو يقول: أنا على دين الحنيفية، وأقام مترهبًا ولبس المسوح، وزعم أنه على دين إبراهيم وأنه ينتظر خروج النبيِّ. فلما ظهر رسول الله ﷺ بمكة لم يخرج إليه وأقام على ما كان عليه، فلما قدم النبي ﷺ المدينةَ حَسَدَه وبغى ونافق، وأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد: بم بُعِثْتَ؟ قال: "بالحنيفيَّة" قال: أنت تخلطها بغيرها؟ فقال النبيُّ ﷺ: "أتيتُ بها بيضاءَ، أين ما كان يخبرك الأحبارُ من اليهود والنصارى من صفتي"؟ فقال: لستَ الذي وَصَفُوا، فقال النبيُّ ﷺ: ("كذبتَ" فقال: ما كذبتُ، فقال رسول الله ﷺ) (^٢): "الكاذبُ أماته الله وحيدًا طريدًا" قال: آمين. ثم رجع إلى مكة وكان مع قريشٍ يتبع دينهم، وترك ما كان عليه، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا (^٣).
وقال الواقديُّ: حدَّثني محمد بن سَعْدِ الثقفيُّ وعبد الرحمن بن عبد العزيز في جماعةٍ، كل حدَّثني بطائفة من الحديث، عن المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ أنه دخل على المُقَوْقِس وأنِّه قال له: إنَّ محمدًا نبيٌّ مُرْسَل، ولو أصاب القبطُ والرّومُ اتَّبَعُوه.
قال المغيرة: فأقمتُ بالإسكندرية لا أدع كنيسةً إلا دخلتُها وسألت
_________________
(١) في "غ، ص": "اليهود ودينهم".
(٢) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٣) أخرج القصة: أبو نعيم في "الدلائل": ص (٤١ - ٤٢).
[ ٢٠٨ ]
أساقفتها من قبطها ورومها عمَّا يجدون من صفة محمد ﷺ، وكان أُسقُفٌ من القبط وهو رأس كنيسة أبي محنس، كانوا يأتونه بمرضاهم (فيداويهم ويدعو) (^١) لهم، لم أر أحدًا قط لا (^٢) يصلي الخمس أشدَّ اجتهادًا منه.
فقلت: أخبِرْني هل بقي أحدٌ من الأنبياء؟
قال: نعم، وهو آخرهم، ليس بينه وبين عيسى أحد، وهو نبيٌّ قد أمرنا عيسى- باتِّباعه، وهو النبيُّ الأميُ العربيُّ (اسمه أحمد) (^٣)، ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حُمْرة، وليس بالأبيض ولا بالآدَم، يعفي شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجتزي بما لَقِي من الطعام، سيفُه على عاتقه، ولا يبالي مَنْ لَاقَى، يباشر القتال بنفسه، ومعه أصحابه يَفْدُونه بأنفسهم. هم له أشد حبًّا من أولادهم وآبائهم، يخرج من أرض القَرَظ (^٤)، ومن حَرَمٍ يأتي، وإلى حَرَمٍ يهاجر، إلى أرض مسبخة ونخل، يدين بدين إبراهيم، يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه ويبعث إلى الناس كافة، وجعلت له الأرض مسجدًا وطَهُورًا أينما أدركتْه الصلاة تيمَّم، وصلى، ومن كان قبلهم مشدَّدٌ عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبِيَعِ (^٥).
_________________
(١) في "غ": "فيدعو".
(٢) ساقطة من "غ".
(٣) ساقط من "د".
(٤) في "ب، ج": "القبط".
(٥) أخرج القصة: الواقدي في المغازي: (٢/ ٥٩٦).
[ ٢٠٩ ]
وقال الطبَرانِيُّ: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا المَسْعوديُّ، عن نُفَيل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده سعيد بن زيد، أنَّ زيد بن عمرو وورقةَ بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالمَوْصِل، فقال لزيد: من أين أقبلتَ؟ قال من بيت إبراهيم، قال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين. قال: ارجع، فإنه يوشك أن يظهر الذي تطلبُ في أرضك. فرجع وهو يقول: "لبيك حقًّا حقًّا. تعبُّدًا ورِقًّا" (^١).
وقال ابن قتيبة في كتاب "الأعلام" (^٢): حدَّثني يزيد بن عمرو، حدَّثنا العلاء بن الفضل، حدَّثني أبي، عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية، عن أبي سوية، عن أبيه خليفة بن عبدة المِنْقَرِيّ، قال سألت محمد بن عَدِيٍّ: كيف سمَّاك (أبوكَ عديٌّ) (^٣) محمدًا؟ قال: أَمَا إني قد سألتُ أبي عمَّا سألتَنِي عنه، فقال: خرجت رابعَ أربعةٍ من بني تميم؛ أنا أحدهم، ومجاشع بن دارم، ويزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن جندب، (نريد ابن جَفْنَةَ) (^٤) الغَسَّاني، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجراتٌ وقربه ديرانيٌّ فأشرف علينا، وقال: إن هذه اللغة ما هي لأهل هذه البلد.
قلنا: نعم، نحن قوم من مُضَر.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير": (١/ ١١٤)، وابن إسحاق: (١/ ٢٢٢) وما بعدها، وابن سعد: (١/ ١٦٠ - ١٦١).
(٢) "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لابن قتيبة، لوحة (١٠ و١٣).
(٣) ساقط من "غ".
(٤) في "غ" تحرفت إلى: "يزيد بن حفنة".
[ ٢١٠ ]
قال: من أيِّ المضريِّين؟
قلنا: من خِنْدِف.
قال: أمَا إنّه سيبعث فيكم وشيكًا نبيٌّ فسارِعُوا إليه، وخذوا بحظَّكم منه ترشدوا، فإنه خاتم النبيين، واسمه محمد.
فلما انصرفنا من عند ابن جفنة الغسَّاني وصِرْنا إلى أهلنا وُلِد لكل رجل منا غلام فسمَّاه محمدًا.
وقال الإِمام أحمد: حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن عطاء بن السَّائب، عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: "دخل رسول الله ﷺ الكنيسة فإذا هو بيهود، وإذا بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتَوا على صفة النبي ﷺ أمسكوا، وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي ﷺ: "ما لكم أمْسَكْتم"؟
قال المريض: إنهم أتَوا على صفة نبيٍّ فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة، فقرأ حتى أتى على صفة النبيِّ ﷺ فقال: هذه صفتك وصفةُ أمتك: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله، ثم مات.
فقال النبي ﷺ لأصحابه: "خُذُوا أخاكم" (^١).
وقال محمد بن سعد: حدَّثنا محمد بن عمر، قال حدَّثني سليمان بن داود بن الحُصَيْن عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، عن
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد: (١/ ٤١٦)، والطبراني: (١٠/ ١٩٠)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وقوام السنة الأصبهاني في "الدلائل": أيضًا: (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤). وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٣١): "فيه عطاء بن السائب وقد اختلط". وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
[ ٢١١ ]
أُبَيّ بن كعب قال: لما قَدِمَ "تُبَّع" المدينةَ ونزل بقُبَاء بعث إلى أحبار اليهود فقال: إني مخرِّب هذا البلد حتى لا تقوم بها يهودية ويرجع الأمر (إلى العرب) (^١)، فقال له شموال اليهوديُ -وهو يومئذ أعلمهم-: أيها الملك! إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده بمكة، اسمه أحمد. وهذه دار هجرته، وإن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتل والجراح كثير من أصحابه وفي عدوهم، قال تُبَّع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون؟
قال: يسير إليه قومه فيقتتلون هاهنا.
قال: فأين قَبْرُه؟
قال: بهذا البلد.
قال: فإذا قوتل لمن تكون الدائرة؟
قال: تكون له مرة (^٢) وعليه مرة، وبهذا المكان الذي أنت به تكون عليه، ويقتل أصحابه قتلًا لم يقتلوه في موطن، ثم تكون له العاقبة ويظهر فلا ينازعه هذا الأمر أحد.
قال: وما صفته؟
قال: رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، يركب البعير ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى من أخ أو ابن عم أو عم حتى يَظْهَر أمرُه.
_________________
(١) في "غ": "إليّ".
(٢) في "غ": "مدة".
[ ٢١٢ ]
قال تُبَّع: ما إلى هذه البلدة من سبيل، وما يكون خرابها على يدي. فخرج تُبَّع منصرفًا إلى اليمن.
قال يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه: لم يمت تُبَّع حتى صدق بالنبي ﷺ لما كان يهود يثرب يخبرونه، وإن تُبَّع مات مسلمًا" (^١).
وقال محمد بن سعد: حدَّثنا محمد بن عمر، حدَّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال كان الزبير بن بَاطَا -وكان أعلم اليهود- يقول: إني وجدت سِفْرًا كان أبي يكتمه عليَّ، فيه ذكر أحمد، نبي يخرج بأرض القَرَظ، صفتُه كذا وكذا، فتحدَّث به الزبير بعد أبيه والنبي ﷺ لم يبعث بعد، فما هو إلا أن سمع بالنبيِّ ﷺ قد خرج بمكة فَعَمَد إلى ذلك السِّفْر فمحاه وكتم شأن النبي ﷺ وصفته، وقال: ليس به (^٢).
قال محمد بن عمر: (وحدَّثني الضحَّاك بن عثمان، عن مَخْرَمَةَ بنِ سليمان، عن كُرَيْب عن ابن عباس) (^٣)، قال: كان يهود قريظةَ والنَّضير وفَدَك وخيبر يجدون صفة النبي ﷺ عندهم قبل أن يُبْعث، وأنَّ دار هجرته المدينة، فلما ولد رسول الله ﷺ قالت أحبار يهود: ولد أحمدُ الليلةَ، هذا الكوكب قد طلع، فلما تنبأ قالوا: تنبأ أحمد قد طلع الكوكب. كانوا يعرفون ذلك ويقرُون به ويصفونه فما منعهم إلا الحسد والبغي (^٤).
_________________
(١) "طبقات ابن سعد": (١/ ١٥٨) وما بعدها، "سيرة ابن إسحاق" ص (٢٩ - ٣٣) تحقيق محمد حميد الله، "تفسير البغوي": (٤/ ١١٧ - ١١٩).
(٢) "الطبقات" لابن سعد: (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم: (١/ ٧٩).
(٣) ساقط من "د".
(٤) "الطبقات": (١/ ١٦٠).
[ ٢١٣ ]
وقال محمد بن سعد: أخْبَرَنا علي بن محمد، عن أبي عُبَيْدةَ بن عبد الله، وعبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: سكن يهوديٌّ بمكة يبيع بها تجارات، فلما كانت ليلة ولد رسول الله ﷺ قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟
قالوا: لا نعلمه.
قال: انظروا يا معشر قريش وأحصوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبيُّ هذه الأمة أحمد، وبه شامة بين كتفيه فيها شعرات.
فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروه لأهاليهم، فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلةَ غلامٌ وسمَّاه محمدًا.
فأتوا اليهوديَّ في منزله فقالوا: علمتَ أنه ولد فينا غلام؟ فقال: أبعد خبري أم قبله؟ فقالوا: قبله، واسمه أحمد.
قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا حتى أتوا أُمَّه فأخرجَتْه إليهم فرأى الشامة في ظهره، فَغُشِيَ على اليهودي ثم أفاق، وقالوا: ما لك؟ ويلك!
فقال: ذهبت النبوةُ من بني إسرائيل، وخرج الكتابُ من أيديهم، فازتِ العربُ بالنبوَّة، أفَرِحْتُمْ يا معشر قريش؟! أما والله ليسطونَّ بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد: (١/ ١٦٢)، والحاكم: (٢/ ٦٠١ - ٦٠٢) وقال "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبيُّ.
[ ٢١٤ ]
قال ابن سعد: وأخبرَنَا علي بن محمد بن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم (مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: "أتى رسولُ الله ﷺ بيت المِدْرَاس، فقال: أخْرِجوا إليَّ أعلمَكم. فقالوا) (^١): عبد الله بن صوريا، فخلا به رسولُ الله ﷺ فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المَنِّ والسَّلْوى وظلَّلهم من الغمام أتعلم أني رسول الله؟
قال: اللهمَّ نعم، وإنَّ القوم ليعرفون ما أعرفُ، وإن صفَتَك ونَعْتَكَ لمبيَّنٌ في التوراة، ولكن حسدوك.
قال: فما يمنعك أنت؟
قال: أكرهُ خلاف قومي عسى أن يَتَّبِعُوك ويُسْلِموا فأُسْلِمَ" (^٢).
وقال أبو الشيخ الأصْبَهَانِيُّ: حدَثنا أبو يحيى الرَّازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا علي بن مُسهِر، عن داود، عن الشعبيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة التوراة للقرآن وموافقة القرآن للتوراة، فقالوا: يا عمر ما أحدٌ أحبُّ إلينا منك لأنك تَغْشَانَا، قلتُ: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضًا، فبينا أنا عندهم ذاتَ يومٍ إذ مرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: هذا صاحبك، فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب أتَعْلَمون أنَّه رسول الله؟
فقال سيدهم: قد نشدكم الله فأخْبِرُوه.
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٢) طبقات ابن سعد: (١/ ١٦٤).
[ ٢١٥ ]
فقالوا: أنت سيدنا فأخْبِرْه.
فقال: إنَّا نعلم أنه رسول الله.
قلت: فأنَّى أهلككم إنْ كنتم تعلمون أنه رسول الله لِمَ لَمْ تَتَّبِعُوه؟!
قالوا: إنَّ لنا عدوًّا من الملائكة، وسِلْمًا من الملائكة؛ عدوُّنا جبريل وهو مَلَكُ الفَظَاظَة والغِلْظَة، وسِلْمُنا ميكائيل وهو ملك الرأفة واللِّين.
قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعاديَ سِلْم ميكائيل، ولا لميكائيل أن يعاديَ سِلْمَ جبريل، ولا أن يسلم عدوه، ثم قمت فاستقبلني رسولُ الله ﷺ فقال: "ألا أقرئك آيات نزلت عليَّ قَبْلُ، فتلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. فقلت: والذي بعثك بالحقِّ ما جئتُ إلا لأخبرك يقول اليهود. قال عمر: فلقد رأيتُنِي أشدَّ في دين الله من حَجَر (^١).
وذكر أبو نعيم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ قال: رغبتُ عن آلهة قومي في الجاهلية، وعرفت أنها على الباطل، يعبدون الحجارة وهي لا تضرُّ ولا تنفع، فلقيت رجلًا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدِّين؟ فقال: يخرج رجل من مكةَ ويرغب عن آلهة قومه، يأتي بأفضل الدين، فإذا
_________________
(١) أخرجه أيضًا الطبري: (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، والواحدي في "أسباب النزول" ص (٢٧ - ٢٨)، والبغوي في "التفسير": (١/ ٨٠)، وابن أبي شيبة: (١٤/ ٢٨٥). وانظر: "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر: (١/ ٢٩٣). وقال السيوطي في "الدر المنثور": (١/ ٤٧٧) (تحقيق د. التركي): "مرسل صحيح الإسناد".
[ ٢١٦ ]
سمعتَ به فاتبعه، فلم يكن لي همٌّ إلا مكة آتيها فأسأل: هل حَدَثَ فيها خبر؟ فيقولون: لا، (فأنصرف إلى أهلي وأعترض الرُّكْبَان فأسألهم فيقولون: لا) (^١)، فإني لقاعدٌ إذْ مرَّ بي راكب فقلت: من أين جئتَ؟ قال: من مكة، قلتُ: هل حدث حَدَثٌ فيها؟ قال: نعم، رجلٌ رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها، قلت: صاحبي الذي أريد! فشددت راحلتي وجئتُ فأسلمتُ (^٢).
وقال عبد الغني بن سعيد: حدَّثَنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس: أنَّ ثمانية من أساقفة نجران قَدِمُوا على رسول الله ﷺ منهم "العاقب" "والسيد" فأنزل الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١]. فقالوا: أخّرْنا ثلاثةَ أيام، فذهبوا إلى بني قريظةَ والنَّضِير وبني قَيْنُقَاع فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبيُّ الذي نجده في التوراة والإنجيل، فصالحوا النبي ﷺ على ألف حُلةٍ في صفر، وألف حُلة في رجب ودراهم (^٣).
وقال يونس بن بُكَيْر: عن قيس بن الربيع، عن يونس بن أبي سالم، عن عِكْرمةَ: أنَّ ناسًا من أهل الكتاب آمنوا بمحمد ﷺ قبل أن يُبْعَثَ فلما
_________________
(١) ساقط من "د".
(٢) "دلائل النبوة" لأبي نعيم الأصبهاني: (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٣) انظر: "السيرة النبوية": (١/ ٥٨٣ - ٥٨٤)، "تفسير الطبري": (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، "تفسير البغوي": (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، "الكافي الشاف" لابن حجر، ص (٢٦).
[ ٢١٧ ]
بُعِثَ كفروا به (^١). فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
وقال ابن سعد: حدثنا محمد بنُ (سعد بنِ) (^٢) إسماعيل بنِ أبي فُدَيْك، عن موسى بن يعقوب الزَمَعِيّ، عن سهل مولى عُتَيْبَةَ أنَّه كان نصرانيًّا وكان يتيمًا في حِجْر عمِّه وكان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمِّي فقرأته حتى مرَّتْ بي ورقة أنكرتُ كثافتها (^٣)، فإذا هي ملصقة ففتقتُها فوجدت فيها نَعْتَ محمد ﷺ، أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، بين كتفيه خاتَمُ النبوة، يكثر الاحتبَاءَ، ولا يقبلُ الصدقةَ، ويركبُ الحمارَ والبعيرَ، ويَحْتَلِبُ الشاةَ، ويلبس قميصًا مُرَقَّعًا، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال: فجاء عمي فرأى الورقة (فضربني، وقال: ما لك وفتح هذه الورقة؟) (^٤) فقلت: فيها نعت النبيِّ أحمد، فقال: إنه لم يأتِ بعدُ (^٥).
وقال وهب: أوحى الله إلى إشَعْيَا أني مبتعثٌ نبيًّا أفتح به آذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا، أجعل السكينةَ لباسَهُ، والبِرَّ شعارَهُ، والتقوى ضميرَهُ، والحكمةَ معقولَه، والوفاءَ والصِّدْق طبيعتَه، والعفو والمغفرة والمعروف خُلُقَه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه والإِسلامَ ملَّتَه،
_________________
(١) انظر: "دلائل النبوة" لأبي نعيم: ص (٤٠)، "تفسير البغوي": (١/ ٤٠٢).
(٢) ليست في "الطبقات".
(٣) في "الطبقات": "كتابتها".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٥) انظر "الطبقات" لابن سعد (١/ ٣٦٣)، وانظر: "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لابن قتيبة، لوحة (٩).
[ ٢١٨ ]
وأحمدَ اسمَه، أَهدي به بعد الضلالة، وأُعْلِم به بعد الجهالة، وأكثر به بعد القِلَّة، وأجمع به بعد الفُرْقة، وأؤلف به بين قلوبٍ مختلفة وأهواء متشتِّتة وأممٍ مختلفة، وأجعل أمته خير أمة، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب (^١).
وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عثمان بن عبد الرحمن: أنَّ رجلًا من أهل الشام من النصارى قَدِمَ مكة، فأتى على نسوةٍ قد اجتمعن في يوم عيد من أعيادهم وقد غاب أزواجهن في بعض أمورهم، فقال: يا نساء تَيْماء: إنه سيكون فيكم نبيٌّ يقال له: أحمد، أيما امرأة منكن استطاعتْ أن تكون له فراشًا فلتفعل، فحفظت خديجة حديثه.
وقال عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وَهْب، قال في قصة داود، ومما أوحى الله إليه في الزبور: "يا داود إنه سيأتي من بعدك نبيٌّ يسمى أحمد ومحمد، صادقًا سيدًا، لا أغضب عليه أبدًا، ولا يغضبني أبدًا، قد غفرت له -قبل أن يغضبني (^٢) - ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وأمتُه مرحومةٌ، أعطيتهم من النوافل مِثْلَ ما أعطيتُ الأنبياء، وافترضتُ عليهم الفرائض التي افترضتُ على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورُهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضتُ عليهم أن يتطهروا لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قَبْلَهم، وأمرتهم بالغُسْل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياءَ قبلهم، وأمرتُهم بالحج كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرسل قبلهم.
يا داود إني فضَّلْتُ محمدًا وأمته على الأمم (كلها: أعطيتهم ست
_________________
(١) المرجع السابق. وانظر: إشعياء: (٤٢/ ٢ - ٧).
(٢) في "ب، ص": "يعصيني".
[ ٢١٩ ]
خصال لم أُعطِها غيرهم من الأمم) (^١)، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنب ركبوه على غير عَمْدٍ إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافا مضاعفة أفضل من ذلك، ولهم في المدخور عندي أضعافًا مضاعفة أفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب -إذا صبروا واسترجعوا- الصلاةَ والرحمةَ والهدى، فإن دَعَوْني استجبتُ لهم.
يا داود من لَقِيَني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقًا بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذَّب محمدًا أو كذَّب بما جاء به واستهزأ بكتابي صَبَبْتُ عليه في قبره العذابَ صَبًّا وضربتِ الملائكةُ وجهَه ودبرَه عند منشره في قبره، ثم أدخله في الدَّرْك الأسفل من النار" (^٢).
وقال عفان: حدَّثَنا همَّام عن قتادةَ، عن زُرَارةَ بن أبي أَوْفى، عن مطرِّف بن مالك: أنه قال: شهدت فتح تُسْتَر مع الأشعريِّ فأصبنا قبر دَانِيَال بالسُّوس (^٣) -وكانوا إذا أجدبوا خرجوا فاستسقوا به- فوجدوا معه رقعة فطلبها نَصْرانيٌّ من الحيرة، يسمى نُعَيْمًا، فقرأها وفي أسفلها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فأسلم مَنهم يومئذ اثنان وأربعون حَبْرًا، وذلك في خلافة معاوية، فأتحفهم معاويةُ وأعطاهم.
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٢) رواه البيهقي في "الدلائل": (١/ ٣٨٠).
(٣) في "د، ص، ب": "بالسُّوَيْن". قال البغدادي: السُّوس بلدة بخوزستان، وجد فيها قبر دانيال فدفن في نهرها تحت الماء، وغمر قبره .. انظر: "مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع" لصفي الدين عبد المؤمن البغدادي: ٢/ ٧٥٥.
[ ٢٢٠ ]
قال هَمَّام: فأخبرني بسْطَامُ بنُ مسلم: أنَّ معاويةَ بن قُرَّة قال: تذاكَرْنَا الكتاب إلى ما صار، فمرَّ علينا شَهْرُ بن حَوْشَب فدعوناه، فقال: على الخبير سقطتم: إن الكتاب كان عند كعب فلما احْتُضِرَ قال: ألا رَجُلٌ ائتمنه على أمانةٍ يؤدِّيها؟ قال شهر: فقال ابنُ عمٍّ لي يكنى أبا لبيد: أنا، فدفع إليه الكتاب، فقال: إذا بلغْتَ موضع كذا فاركب قُرْقُورًا ثم اقذف به في البحر، ففعل، فانفرج الماء فقذفه فيه ورجع إلى كعبٍ فأخبره، فقال: صدقتَ، إنَّه من التوراة التي أنزلها الله ﷿ (^١).
ومن ذلك أخبار أُميَّةَ بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيِّ، ونحن نذكر بعضها.
قال الزُّبير بن بَكَّار: حدثني عمي مُصْعَبٌ، عن مصعب بن عثمان، قال: كان أُمية قد نظر في الكتب وقرأها ولبس المُسُوحَ تعبُّدًا، وكان ممن ذكر إبراهيمَ وإسماعيلَ والحنيفيَّةَ، وحرَّم الخمر والأوثان، والتَمَسَ الدِّين، وطمع في النبوة؛ لأنه قرأ في الكتب أنَّ نبيًّا يُبْعَث مِنَ العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث الله محمدًا ﷺ قيل له: هذا الذي كنت تبشِّر به وتقول فيه، فحسده عدوُّ الله وقال: أنا كنت أرجو أنْ أكونَ هو. فأنزل الله ﷿ فيه (^٢): ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ [الأعراف: ١٧٥].
وهو الذي يقول:
كل دِيْنٍ يومَ القيامةِ عِنْدَ اللهِ … -إلَّا دِيْنَ الحَنيفة- زُوْرُ
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة": (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٢) وانظر: "تفسير البغوي": (٢/ ١٧١ - ١٧٢). وفي نزول الآية الكريمة أقوال أخرى. انظر: "تفسير الطبري": (١٣/ ٢٦٤ - ٢٦٧)، "تفسير ابن كثير": (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، "البحر المحيط" لأبي حيان: (٤/ ٤٢٣)، "أسباب النزول" للواحدي: ص (٢٦١).
[ ٢٢١ ]
قال الزُّبير: وحدَّثني عمر بن أبي بكر المُؤمِّليّ، قال: كان أمية بن أبي الصلت يلتمس الدين ويطمع في النبوة، فخرج إلى الشام (فمرَّ بكنيسة) (^١)، وكان معه جماعة من العرب من قريش وغيرهم، فقال أمية: إنَّ لي حاجةً في هذه الكنيسة فانتظروني. فدخل الكنيسةَ ثم خرج إليهم كَاسِفًا متغيِّرًا، فرمى بنفسه، فأقاموا (^٢) عليه حتى سُرِّي عنه، ثم مضوا فقضوا حوائجهم، ثم رجعوا فلما صاروا إلى الكنيسة قال لهم: انتظروني، ودخل الكنيسة فأبطأَ، ثم خرج أسوأ مِنْ حاله الأول.
فقال له أبو سفيان بن حرب: قد شققت على رفقتك.
فقال: خَلُّوني، فإني أرتاد لنفسي وأطلب (^٣) لِمَعَادي، وإِنَّ هاهنا راهبًا عالمًا أخبرني أنَّه سيكون بعد عيسى ست رجفات، وقد مَضتْ منها خمسٌ وبقيتْ واحدةٌ، فخرجت وأنا أطمع أن أكون نبيًّا وأخاف أن يُخْطِئَني فأصابني ما رأيتَ، فلما رجعتُ أتيته فقال: قد كانت الرَّجفة وقد بُعِثَ نبيّ من العرب فَأَيِسْتُ من النبوة فأصابني ما رأيتَ إذْ فاتني ما كنتُ أطمع فيه (^٤).
قال: وقال الزُّهْرِيُّ: خرج أمية في سفر فنزلوا منزلًا، فأمَّ أميةُ وجهًا وصعد في كثيب، فرُفِعَتْ (^٥) له كنيسة فانتهى إليها؛ فإذا شيخ جالس،
_________________
(١) ساقط من "د".
(٢) في "د": "فأقبلوا".
(٣) في "غ": "أنظر".
(٤) انظر "تاريخ دمشق" لابن عساكر: (٩/ ٢٥٧ - ٢٦٠)، و"الأغاني" للأصفهاني: (٤/ ١٢٧) فقد ذكر القصة عن المؤمِّلي.
(٥) في "ب": "فوضعت".
[ ٢٢٢ ]
فقال لأمية حين رآه: إنَّك لمتبوع فمن أين يأتيكَ رئيُّكَ؟ قال: من شِقِّي الأيسر، قال: فأيُّ الثياب أحب إليه أن تلقاه فيها؟ قال: السواد، قال: كدتَ تكون نبيَّ العرب ولستَ به، هذا خاطِرٌ من الجنِّ وليس بِمَلَكٍ، وإنَّ نبيَّ العرب صاحبُ هذا الأمر يأتيه المَلَكُ من شِقِّه الأيمن، وأَحَبُّ الثياب إليه أن يلقاه فيها: البَيَاضُ.
قال الزهري: وأتى أميةُ أبا بكرِ فقال له: يا أبا بكر عَمِيَ الخَبَرُ، فهل أحسَسْتَ شيئًا؟ قال: لا والله. قال: قد وجدتُه يخرج في هذا العام.
وقال عمر بن شَبَّة: سمعت خالد بن يزيدَ يقول: إنَّ أُمية وأبا سفيان ابن حرب صحباني في تجارة إلى الشام، فذكر نحو الحديث الأول، وزاد فيه: فخرج من عند الرَّاهب وهو ثقيل (^١)، فقال له أبو سفيان: إنَّ بك لَشَرًّا فما قضيتك؟ قال خير، أخبِرْني عن عتبة بن ربيعة كم سِنُّهُ؟ فذكر سِنًّا، قال: أخْبِرْني عن ماله، فذكر مالًا، (فقال له: وَضَعْتَه) (^٢)، قال أبو سفيان: بل رفعتُه، فقال: إنَّ صاحب هذا الأمر ليس بشيخٍ ولا ذي مال. قال: وكان الراهب أيأسه، وأخبره أنَّ الأمر لرجلٍ من قريش.
قال الزبير: وحدَّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي، قال: حدّثني رجل من أهل الكوفة، قال: كان أمية نائمًا فجاءه طائران، فوقع أحدهما على باب البيت، ودخل الآخر فشق عن قلبه ثم رده الطائر، فقال له الطائر الآخر: أَوَعى؟ قال: نعم. قال: أزَكا؟ قال: أبَى.
وقال الزهري: دخل يومًا أمية بن أبي الصلت على أخته (^٣) وهي تهنأ
_________________
(١) في "ج": "يقتل".
(٢) ساقطة من "ب، ج".
(٣) في "غ": "أخيه وقال".
[ ٢٢٣ ]
أُدْمًا لها، فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت. قالت: (فانشقَّ جانبٌ من السقف في البيت) (^١) وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه، فشقَّ الواقعُ صَدْرَه فأخرج قلبه فشقَّه، فقال الطائر الآخر للذي على صدره: أوعى؟ قال: وَعَى؟ قال: أَقَبِلَ؟ قال: أبى، قال: فردَّ قلبه في موضعه ثم مضى، فأتْبَعَهُما أميةُ طَرْفَهُ وقال: لبَّيْكُما لبيكما ها أنذا لديكما، لا بريء فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر.
فرجع الطائر فوقع على صدره فشقَّه حتى أخرج قلبه فشقَّه، فقال الطائر الأعلى للواقع: أَوَعَى؟ قال: وَعَى، قال: أَقَبِلَ؟ قال: أَبى. ونهض فأتْبَعَهما أميةُ بصرَه فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا مال لي يغنيني، ولا عشيرة تحميني.
فرجع الطائر فوقع على صدره فشقَّه ثم أخرج قلبه فشقَّه، فقال الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى، قال: أَقَبِلَ؟ قال: أبى، ونهض فأتبعه أمية بصره، فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، محفوف بالنعم محوط بالذنب.
قال فرجع الطائر فوقع على صدره فشقَّه فأَخْرَجَ قلبه فشقَّه، فقال الأعلى: أَوَعَى؟ قال: وَعَى. قال: أَقَبِلَ؟ قال: أبَى. قال: ونهض فأتبعهما طَرْفَهُ قال: لبيكما لبيكما (^٢) ها أنا ذا لديكما.
إنْ تَغْفرِ اللهمَّ تغفر جَمَّا … وأيّ عبدٍ لك لا أَلَمَّا
ثم انطبق السقف (^٣) وجلس أمية يمسح صدره، فقلت: يا أخي! هل
_________________
(١) ساقط من "د، ص".
(٢) في "ب، ص": "ليتكما ليتكما".
(٣) في "ج، غ، د": "الشقُّ".
[ ٢٢٤ ]
تجد شيئا؟ قال: لا، ولكني أجد حرًّا في صدري، ثم أنشأ يقول:
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قَدْ بَدَا لِي … فِي قلَالِ الجبالِ أرعى الوُعُولًا
اجْعَلِ الموتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ واحْذَرْ … غَولَةَ الدَّهْرِ إنَّ للدَّهْرِ غُولًا (^١)
وقال مروان بن الحكم، عن معاوية بن أبي سفيان، (عن أبي سفيان) (^٢) بن حرب، قال: خرجت أنا وأُميَّة بن أبي الصَّلْت تجارًا إلى الشام، فكان كلَّما نزلنا منزلًا (^٣) أخرج منه سِفْرًا يقرؤه، فكنا كذلك حتى نزلنا بقرية من قرى النصارى فرأوه فعرفوه وأهدَوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، ثم رجع في وسط النهار فطرح نفسه، واستخرج ثوبين أسودين فلبسهما، ثم قال: يا أبا سفيان: هل لك في عالِمٍ من علماء النصارى، إليه تَنَاهى عِلْمُ الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا، فمضى هو وحده وجاءنا بعد هَدْأة من الليل فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح، وأصبح كئيبًا حزينًا ما يكلِّمنا ولا نكلِّمه، فَسَرَيْنَا ليلتين على ما به من الهمِّ. فقلت له: ما رأيتُ مثل الذي رجعتَ به من عند صاحبك! قال: لمنقلبي. قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إي والله لأموتنَّ ولأُحاسبنَّ. قلت: فهل أنت قابل أماني؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنك لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَب، فضحك وقال: بلى والله لتبعَثُنَّ ولتُحَاسَبُنَّ، ولتدخُلُنَّ: فريقٌ في الجنة وفريق في السعير. قلت: ففي أيِّهما أنتَ أأخبرَكَ صاحبُك؟ قال: لا علم لصاحبي بذلك فيّ ولا في نفسه. فكنا في ذلك ليلتنا يعجب منا ونضحك منه حتى قَدِمْنا غوطة
_________________
(١) انظر هذه الأخبار في "الأغاني": (٤/ ١٢٥ - ١٣٢).
(٢) ساقط من "غ".
(٣) في "د": "قرية أو بمنزل".
[ ٢٢٥ ]
دمشق، فبعْنَا متاعنا وأقمنا شهرين ثم ارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدَوْا له وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاءنا مع نصف النهار فلبس ثوبيه الأسودين وذهب حتى جاءنا بعد هَدْأة من الليل فطرح ثوبيه ثم رمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح مبثوثًا (^١) حزينًا لا يكلِّمنا ولا نكلِّمه، فرحلنا فسِرْنَا لياليَ، ثم قال: يا صخر حدِّثني عن عتبةَ بنِ ربيعةَ: أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: إي والله. قال: أَوَ يصل الرَّحِمَ ويأمر بِصِلَتِهَا؟ قلت: نعم. قال: فكريمُ الطَّرَفيْن وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم، قال: فهل تعلم قرشيًّا أشرفَ منه؟ قلت: لا والله. قال: أَمُحْوِجٌ هو؟ قلت: لا، بل هو ذو مال كثير. قال: كم أتى له من السنين؟ قلت: هو ابن سبعين أو قد قاربها. قال: فالسنُّ والشَّرَف أزْرَيًا به، قلت: والله بل زاده خيرًا. قال: هو ذاك، ثم إنَّ الذي رأيتَ بي أَنّي جئت هذا العَالِمَ فسألته عن هذا الذي يُنْتَظَرُ، فقال: رجل من العرب من أهل بيتٍ تحجُّه العرب. فقلت: فينا بيت تحجه العرب. قال: هو من إخوانكم وجيرانكم من قريش، فأصابني شيءٌ ما أصابني مثله إذْ خرج من يدي فَوْزُ الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون أنا هو. فقلتُ: فصِفْهُ لي؟ فقال: رجل شاب حين (^٢) دخل في الكهولة، بَدْءُ أمره أنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرَّحِم ويأمر بصلتها، وهو كريم الطرفين (^٣)، متوسط في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قلت: وما آية ذلك؟ قال: رجفت الشام منذ هلك عيسى بنُ مريم عدَّة رجفات كلُّها فيها مصيبة، وبَقِيَتْ رجفةٌ عامة فيها مصيبة،
_________________
(١) في "غ": "مثبوتًا".
(٢) في "غ": "حتى"، وفي "د": "حيي".
(٣) ساقطة من "د". والطرفان هما الأب والأم.
[ ٢٢٦ ]
يخرج على أثرها. فقلت: هذا هو الباطل، لئن بعث الله رسولًا لا يأخذه إلا مُسِنًّا شريفًا، قال أمية: والذي يُحْلَفُ به إنه لهكذا.
فخرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكةَ ليلتان أدْرَكَنَا راكبٌ مِنْ خَلْفِنا فإذا هو يقول: أصابت الشام (من بعدكم) (^١) رجفة دثر أهلها فيها أصابتهم مصائب عظيمة. فقال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ فقلت: والله ما أظنُّ صاحبك إلا صادقًا، وقَدِمْنَا مكةَ، ثم انطلقت حتى أتيتُ أرضَ الحبشة تاجرًا ومكثت فيها خمسة أشهر، ثم قدمت مكةَ فجاءني الناس يسلِّمون عليَّ، وفي آخرهم محمدٌ، وهندٌ تلاعب صبيانها، فسلم عليَّ ورحَّب بي، وسألني عن سفري ومقدمي، ثم انطلق. فقلت: والله إنَّ هذا الفتى لعجب ما جاءني من قريش أحدٌ له معي بضاعة إلا سألني عنها وما بلَغَتْ، والله إن له معي لبضاعةً ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها. فقالت: أَوَ ما علمتَ بشأنه؟ فقلت -وفزعت-: وما شأنه؟ قالت: يزعمُ أنه رسول الله. فذكرتُ قَوْلَ النَّصراني فَوَجَمْتُ. ثم قَدِمْتُ الطائف فنزلت على أميَّةَ، فقلت: هل تذكر حديث النَّصراني؟ قال: نعم. فقلت: قد كان. قال: ومَنْ؟ قلت: محمد بن عبد الله، فتصبَّب عَرَقًا. فقلت: قد كان من أمر الرجل ما كان فاين أنت منه؟ فقال: والله لا أو من (^٢) بنبيٍّ من غير ثقيف أبدًا (^٣).
_________________
(١) ساقط من "د".
(٢) في "د، ص": "أوتي".
(٣) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق": (٩/ ٢٥٧ - ٢٦٠)، والبيهقي في "الدلائل": (٢/ ١١٦ - ١١٧)، والطبراني في "الكبير" برقم (٧٢٦٢) وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٣٢): "رواه الطبراني وفيه مجاشع بن عمرو، وهو ضعيف".
[ ٢٢٧ ]
فهذا حديث أبي سفيان عن أميَّة، وذلك حديثه عن هِرَقْل وهو في "صحيح البخاري" (^١)، وكلاهما من أعلام النُّبُوة المأخوذة عن علماء أهل الكتاب.
وذكر التِّرمِذِيُّ وغيره من حديث عبدِ الرَّحمنِ بن غَزْوَانَ -وهو ثقة-: أخْبَرَنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال: خرج أَبو طالب إلى الشام وخرج معه النبيُّ ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب حَطُّوا عن رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلُّون رحالهم فجعل يتخلَّلُهم الراهب حتى إذا جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين.
فقال له أشياخ من قريش: ما عِلْمُك؟
فقال: إنكم حين أشرفتم من العَقَبَةِ لم يَبْقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبيٍّ، وإني أعرفه بخَاتَمِ النبوة أسْفَلَ من غضروف كَتِفَيْه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- قال: أرْسِلوا إليه. فأقبلَ وعليه غَمَامَةٌ تُظِلُّه (^٢)، فلما دَنَا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمَّا جلس مَالَ فَيْءُ الشجرة عليه.
_________________
(١) "صحيح البخاري" كتاب بدء الوحي، باب حدثنا بكير: (١/ ٢٢)، ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ: (١/ ١٣٩ - ١٤٢).
(٢) في "د": "مظللة".
[ ٢٢٨ ]
فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينا هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم؛ فإنَّ الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، وإذا بسبعةٍ قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، وقال: ما جاء بكم؟ قالوا: بلَغَنَا أن هذا النبيَّ خارج في هذا الشهر فلم يَبْقَ طريق إلا بُعِثَ إليه بأناس، وإنا قد أُخْبِرنا خَبَرَه، فَبُعِثْنَا إلى طريقك هذا. فقال هل خلفكم أحدٌ هو خيرٌ منكم؟ قالوا: إنا قد أُخْبِرْنا خَبَرَه بطريقِكَ هذا. قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللهُ أنْ يَقْضِيَهُ فهل يستطِيعُ أحدٌ من الناس ردَّه؟ قالوا: لا، قال: فَبَايَعُوه وأقاموا معه. قال: أنْشُدُكم باللهِ أيُّكم وليُّه؟ قالوا: أَبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردَّه (^١).
وقد روى محمَّدُ بنُ سعدٍ هذه القصة مطوَّلة. قال ابن سعد: حدَّثَنَا محمد بن عُمرَ بنِ واقد، حدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر الزُّبَيْرِيّ، قال محمد بن عمر: وحدّثَنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، قال: لما خرج أَبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله في ﷺ المرة الأولى -وهو ابن ثنتي عشرة سنة-.
فلما نزل الركب بُصْرَى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بَحِيْرًا في صومعة له، وكان علماء النَّصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا على بَحِيْرًا، وكانوا كثيرًا ما يمرون به ولا يكلِّمهم، حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلًا قريبًا من
_________________
(١) أخرجه الترمذي في المناقب، باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ: (٥/ ٥٩)، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي فقال: أظنه موضوعًا، فبعضه باطل. انظر: المستدرك: (٢/ ٦١٥).
[ ٢٢٩ ]
صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك (كلَّما مَرُّوا) (^١)، فصنع لهمِ طعامًا ثم دعاهم، وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمَامَة تُظِلُّ رسولَ الله ﷺ مِنْ دونهم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلَّت تلك الشجرة فأخضلت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظلَّ تحتها، فلما رأى بحيرًا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام (^٢) فأُتي به وأرْسَل إليهم، وقال: إني قد صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أُحبُّ أن تحضروه كلُّكم، ولا تُخَلِّفوا أحدًا منكم، كبيرًا ولا صغيرًا، حرًّا ولا عبدًا، فإن هذا شيء تكرموني به. فقال رجل: إنَّ لك لشأنًا يا بحيرا ما كُنْتَ تصنعُ هذا فما شأنك اليوم؟ قال: إني أُحبُّ أن أُكْرمَكم ولكم حقٌّ.
(فاجتمع القوم) (^٣) إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنِّه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرَا إلى القوم فلم يَرَ الصفةَ التي يعرفها ويجدها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغَمَامَة على أحد من القوم، ويراها على رسول الله ﷺ، فقال بحيرا: يا معشر قريش لا يَتَخَلَّفنَّ منكم أحد عن طعامي؟ قالوا: ما تخلَّف أحدٌ إلا غلام هو أحدث القوم سِنًّا في رحالهم، فقال: ادعوه ليحضر طعامي، فما أقْبَحَ أن تحضروا ويتخلَّفَ رجلٌ واحد مع أني أراه من أَنْفَسِكُم! فقال القوم: هو والله أوسَطُنا نسبًا، وهو ابن أخي هذا الرجل -يعنون أبا طالب- وهو من ولد عبد المطَّلِب، فقال الحارث بن عبد المطَّلب: والله إن كان بنا لَلُؤْمٌ أن
_________________
(١) ساقط من "د".
(٢) ساقط من "د".
(٣) في "د، ص": "فاجتمعوا".
[ ٢٣٠ ]
يتخلَّف ابنُ عبد المطَّلِب من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغَمَامة تسير على رأسه، وجعل بَحِيْرًا يلحظُه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياءَ في جسدِه قد كان يجدها عنده في صفته.
فلما تفرَّقوا عن الطعام قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللَّات والعُزَّى إلا ما أخْبَرْتَنِي عمَّا أسألك؟ فقال رسولُ الله ﷺ: "لا تسألني باللَّات والعُزى، فواللهِ ما أبغضتُ شيئًا بعضَهُما" قال: فبالله إلا أخبرتني عمَّا أسألك عنه، قال: "سَلْنِي عما بَدَا لك". فجعل رسولُ الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خَاتَمَ النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقبَّل موضع الخاتم.
وقالت قريش: إنَّ لمحمدٍ عند هذا الرَّاهب لقَدْرًا. وجعل أبو طالب -لما يرى من الراهب- يخاف على ابن أخيه. فقال الرَّاهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: هو ابني. قال: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أَبوه حيًّا، قال: فابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: هَلَكَ وأمُّه حُبْلى به. قال: فما فعلتْ أمُّه؟ قال: تُوُفِّيَتْ قريبًا، قال: صدقتَ، ارجعْ بابن أخيك إلى بلده، واحْذَرْ عليه اليهودَ، فوالله لئن عَرَفُوا منه ما أعرَف ليَبْغُنَّه عَنَتًا، فإنه كائنٌ لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم نجده في كتابنا، واعلمْ أنِّي قد أدَّيتُ إليك النصيحةَ.
فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعًا، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله ﷺ وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بَحِيْرًا فذكروا له أمره. فنهاهم أشدَّ النهي، وقال لهم: أتجِدُونَ صفته؟ قالوا: نعم. قال: فما لكم إليه سبيل. فصدَّقوه وتركوه، ورجع أبو طالب فما
[ ٢٣١ ]
خرج به سفرًا بعد ذلك خوفًا عليه (^١).
وذكر الحَاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وغيرهما (^٢) من حديث عبد الله بن إدريس، عن شُرَحْبيْل بن مسلم، عن أبي أُمامةَ، عن هشام بن العاص، قال: ذهبت أنا ورجل آخر من قريش إلى هِرَقْل -صاحب الروم- ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا غوطةَ دِمَشْقَ، فنزلنا على جَبَلَةَ بنِ الأَيْهَم الغَسَّاني، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلِّمه، فقلنا: لا والله لا نكلِّم رسولًا، إنا بُعِثنا إلى الملك، فإن أذِنَ لنا كلَّمناه وإلا لم نكلِّم الرسول، فرجع إليه الرسولُ فأخبره بذلك، قال: فأذِنَ لنا، فقال: تكلَّمُوا، فكلَّمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام، وإذا عليه ثياب سوداء (^٣)، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستُها وحلفتُ أن لا أنزعها حتى أُخْرِجَكم من الشام. قلنا: ومجلسك هذا فواللهِ لنأخذنَّه منك، ولنأخذنَّ مُلكَ المَلِك الأعظم، أخْبَرَنا بذلك نبيُّنا. فقال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون (^٤) بالليل، فكيف صومُكم؟ فأخْبَرْنَاه، فَمُلِئ (^٥) وجهه سوادًا، فقال: قوموا.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد: (١/ ١٥٣ - ١٥٥)، وابن هشام: (١/ ١٨٠ - ١٨٢).
(٢) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة": (١/ ٣٨٦ - ٣٩٠)، وقوام السنة في "الدلائل": (٣/ ٧٩٧)، وأَبو نعيم في "الدلائل": (١/ ٥٠ - ٥٥)، وذكره ابن كثير في "التفسير": (٣/ ٤٨٢ - ٤٨٤) وقال: أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي في "دلائل النبوة" عن الحاكم إجازة، وإسناده لا بأس به. وقارن بـ "فتح الباري": (٨/ ٢١٩) حيث قال: "إسناده ضعيف"، وانظر: "كنز العمال": (١٠/ ٦٠٤)، "سبل الهدى والرشاد": (١/ ١٣٥).
(٣) في "غ": "سواد".
(٤) في "البداية والنهاية": "يقومون".
(٥) في "ص": "فملأ".
[ ٢٣٢ ]
وبعث معنا رسولًا إلى الملك، فخرجْنَا حتى إذا كنا قريبًا من المدينة قال لنا الذي معنا: إنَّ دوابَّكم هذه لا تدخل مدينة المَلِك، فإن (^١) شئتم حملناكم على بَرَاذِيْنَ وبِغَالٍ، قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسَلُوا إلى الملك أنهم يأْبَوْنَ (^٢). فدخلنا على رواحلنا متقلِّدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفةٍ له، فأَنَخنَا في أصلها، وهو ينظر إلينا، فقلنا: "لا إله إلا الله، والله أكبر". والله يعلم لقد انتفضت (^٣) الغرفة حتى (صارت كأنها) (^٤) عِذْقٌ تَصْفِقُه الرياح، فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم.
وأرسل إلينا أنِ ادخلوا، فدخلنا عليه وهو على فراشٍ له، وعنده بطارقته (^٥) من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة. فدنونا منه فضحك، وقال: ما كان عليكم لو حَيَّيْتُموني بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا رجل فصيح بالعربية كثير الكلام. فقلنا: إنَّ تحيتنا فيما بيننا لا تحلُّ لك، وتحيتك التي تُحَيَّا بها لا يحلُّ لنا أن نحيِّيك بها. قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ فقلنا: السلام عليكم. قال: كيف تحيُّون مَلِكَكم؟ قلنا: بها. قال: كيف يردُّ عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: "لا إله إلا الله والله أكبر" فلما تكلمنا بها -والله يعلم- لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها. قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضتِ الغرفةُ، كلَّما قلتموها في بيوتكم تنتفض عليكم بيوتكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك.
_________________
(١) في "غ، ص" زيادة: "فخرجنا حتى إذا قربنا من المدينة قال: إن … ".
(٢) في "د": "يأتون".
(٣) في "ابن كثير": "تنفّضت".
(٤) في "غ، ص": "صار لها كأنه".
(٥) في "غ": "بتاركته".
[ ٢٣٣ ]
قال: وددت أنكم كلَّما قلتموها ينتفض كل شيء عليكم وإني خرجت من نصف ملكي. قلنا: لِمَ؟ قال: لأنه يكون أيْسَرَ لشأنها وأجدر (^١) أن لا تكونَ من أمر النبوة، وأن تكون من حِيَل النَّاس.
ثم سَأَلنا عما أراد فأخبرناه. ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخْبَرْنَاه، فقال: قوموا، فقمنا، فأمر لنا بمنزلٍ حسن ونُزُلٍ كثير) (^٢)، فأقمنا ثلاثًا.
فأرسل إلينا ليلًا، فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا فأَعَدْناه، ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَةِ (^٣) العظيمة مذهَّبة، فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح (^٤) بيتًا وقُفْلًا واستخرج منه حريرة سوداء فنشرها، فماذا فيها صورةٌ حمراءُ، وإذا فيها رجلٌ ضخم العينين، عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذاله ضفيرتان أحسن ما خلق الله. قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇، وإذا هو أكثر الناس شَعْرًا.
ثم فتح بابًا آخر واستخرج منه حريرة (^٥) سوداء، وإذا فيها صورةٌ بيضاءُ، وإذا له شعر (^٦) قَطَطٌ، أحمر العينين، ضخم الهامة حَسَنُ اللحية (^٧)، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه
_________________
(١) في "غ، ص": "وأحد".
(٢) ساقط من "د".
(٣) الإناء المربع.
(٤) في "د": "ففتحها".
(٥) في "ص": "حريرًا".
(٦) ساقطة من "غ".
(٧) في "ب، ج": "الوجه".
[ ٢٣٤ ]
السلام.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرةً سوداء، وإذا فيها صورة رجل شديد البياض، حَسَنُ العينين، صَلْتُ الجبين، طويل الخدِّ أبيض اللحية كأنه يبتسم. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال هذا إبراهيم ﵊.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة فإذا صورةٌ بيضاء، وإذا -والله- رسول الله ﷺ، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله وبَكَيْنًا. قال: والله يعلم أنه قام قائمًا، ثم جلس فقال: والله (^١) إنه لهو؟ قلنا: نعم، إنَّه لَهُوَ، كأنما ننظر (^٢) إليه، فأمْسَك ساعةً ينظر إليها ثم قال: أَمَّا إنَّه كان آخر البيوت ولكن عجَّلْتُه لكم لأنظر ما عندكم.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرةً سوداء، فإذا فيها صورةٌ أدْمَاء سمحاء (^٣)، وإذا رجل جَعْدٌ قَطَط، غائر العينين، حديد النظر، عابس متراكب الأسنان، مُقَلِّص الشفة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى بن عمران. وإلى جنبه صورةٌ تشبهه إلا أنه مُدْهَانُ الرأس عريض الجبين في عينيه قبلة (^٤)، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فإذا (فيها صورة) (^٥) رجل
_________________
(١) في "د": "آلله".
(٢) في "ص، غ": "ينظر".
(٣) في "ص، غ": "سحماء".
(٤) في "ب، ج": "قبل".
(٥) ساقط من "غ، ص".
[ ٢٣٥ ]
آدم سَبْط ربعة كأنّه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط.
(ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرَب حُمْرةً، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل تشبه إسحاق إلا أنه على شفته السفلى خَال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة رجل) (^١) أبيض حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور (^٢)، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحُمْرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيِّكم.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم، كأنَّ وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر حَمْش (^٣) الساقين، أخفش العينين، ضخم البطن ربعة متقلد سيفًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود.
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من "ص، غ".
(٢) في "ب، ج، ص": "نوره".
(٣) في "غ، ص": "خشن".
[ ٢٣٦ ]
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكبًا (^١) فرسًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود.
ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا رجل شابٌّ شديد سواد اللحية، ليِّن الشعر، حسن الوجه، حسن العينين، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى.
قلنا: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها (على ما) (^٢) صُوِّرتْ عليه الأنبياء؛ لأنا رأينا صورة نبينا مثله؟ قال: إن آدم سأل ربَّه أن يُرِيَه الأنبياءَ من ولده، فأنزل عليه صورهم، وكانوا (^٣) في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين فصارت إلى دانيال. ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من مُلْكي وأني كنت عبدًا لأشرّكم (^٤) ملكةً حتى أموت. ثم أجازنا وأحسن جائزتنا، وسرَّحَنَا (^٥).
فلما أتينا أبا بكر الصدِّيق فأخبرناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا، فبكى أبو بكر، وقال: لو أراد الله به خيرًا لفعل.