(الوجه الثاني والعشرون): قول إشَعْيَا في موضع آخر: "سأبعث من الصَّبا قومًا يأتون من المشرق مجيبين أفواجًا كالصعيد كثرةً، ومثل الطَيَّان الذي يَدُوسُ برِجْلِه الطِّينَ" (^١).
"والصَّبَا" يأتي من نحو مطلع الشمس. بعث الله سبحانه من هناك قومًا من أهل المشرق مجيبين بالتلبية كالتراب كثرةً.
وقوله: "ومثل الطيَّان الذي يدوس برِجْلِه الطين" إما أنْ يراد به الهرولة بالطواف والسعي، وإما أنْ يراد به رجالٌ قد كلَّت أرجلهم من المشي.
(الوجه الثالث والعشرون): في كتاب إشَعْيَا أيضًا: "عبدي وخيرتي ورضى نفسي، أفيض عليه روحي" أو قال: "أنزل عليه روحي، فيُظْهِر في الأمم عَدْلي ويُوصِي الأمم بالوصايا، لا يَضْحكُ، ولا يُسمع صوته، يَفْتَح العيونَ (^٢) العُمْيَ العُوْرَ، ويُسمع الآذانَ الصُمَّ، ويحيي القلوبَ الغُلفَ، وما أعطيه لا أُعطي غيرَه، (لا يَضْعُفُ ولا يُغْلَب) (^٣)، ولا يميل إلى اللهو، ولا يُسْمَع في الأسواق صوتُه، ركنٌ للمتواضعين، وهو نور الله الذي لا يُطفَأ، ولا يُخْصَمُ حتى يثبت في الأرض حجّتي، وتنقطع به المعذرة" (^٤).
فمن وُجِدَ بهذا الوصف غيرُ محمدِ بنِ عبد الله -صلوات الله وسلامه
_________________
(١) إشعياء: (٤١/ ٢٥ - ٢٦).
(٢) ساقط من "د".
(٣) في "ج": "لا يلعب ولا يغلب".
(٤) إشعياء: (٤٢/ ٧). وانظر: "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لابن قتيبة، لوحة (٣).
[ ١٧٤ ]
عليه-؟ فلو اجتمع أهل الأرض لم يقدروا أن يذكروا نبيًّا جَمعَ هذه الأوصاف كلَّها -وهي باقية في أمته إلى يوم القيامة- غيره: لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
فقوله: "عبدي" موافق لقوله في القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وقولهِ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. وقولهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. وقولُه: "وخيرتي ورضى نفسي" مطابقٌ لقوله ﷺ: "إنَّ الله اصْطَفَى كنانةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطَفَى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريشٍ، واصْطَفَاني من بني هاشم" (^١).
وقوله: "لا يضحك" مطابقٌ لوصفه الذي كان عليه ﷺ قالت عائشة: "ما رأيت رسولَ الله ﷺ ضاحكًا حتى تَبْدُوَ لَهَواتُه، إنَّما كان يتبسم تبسُّمًا" (^٢)؛ وهذا لأنَّ كثرة الضحك من خفة الروح ونقصان العقل، بخلاف التبسُّم فإنه من حُسْنِ الخُلُق وكمال الإدراك. وأما صفته ﷺ في بعض الكتب المتقدِّمة بأنه: "الضَّحوك القتَّال" فالمراد به: أنه لا يمنعه ضَحِكُه وحُسْنُ خلقِهِ إذا كان جدًا لله وحقًّا له، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه، فيعطي كلَّ حالٍ ما يليق بتلك الحال؛ فَتَرْكُ الضَّحِك بالكليّة مِنَ الكِبْر والتَّجبُّر وسُوء الخلُق. وكثرتُه مِنَ الخِفَّة
_________________
(١) أخرجه مسلم في الفضائل، باب نسب النبي ﷺ: (٤/ ١٧٨٢).
(٢) أخرجه البخاري في التفسير، باب "فلما رأوه عارضًا": (٨/ ٥٧٨)، ومسلم في الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم: (٢/ ٦١٦ - ٦١٧).
[ ١٧٥ ]
والطَّيْش، والاعتدالُ بين ذلك (^١).
وقوله: "أنزل عليه روحي" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. فسمَّى الوحي روحًا؛ لأن حياة القلوب والأرواح به، كما أنَّ حياة الأبدان بالأرواح.
وقوله: "فيُظْهِرُ في الأُمم عَدْلي" مطابق قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، وقوله عن أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقوله: "يُوصِي الأُمم بالوصايا" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
_________________
(١) في "د" زيادة: "غير منكر".
[ ١٧٦ ]
عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].
ووصاياه ﷺ هي عهودُه إلى الأمة بتقوى الله وعبادته وحده لا شريك له، والتمسُّكِ بما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه.
وقوله: "ولا تسمع صوته" يعني ليس بصخَّاب له فديد (^١) كحال من ليس له حِلْم ولا وَقَارٌ.
وقوله: "يفتح العيونَ العُمْيَ والآذان الصُّمَّ والقلوب الغُلْفَ" إشارة إلى تكميل مراتب العلم والهدى الحاصل بدعوته في القلوب والأبصار والأسماع، فباينوا بذلك أحوال الصُّمِّ البُكْمِ العُمْي الذين لهم قلوب لا يعقلون بها، فإنَّ الهدى يصل إلى العبد من هذه الأبواب الثلاثة، وهي مغلقة عن كل أحد لا تفتح إلا على أيدي الرسِل، ففتح الله بمحمد ﷺ الأعْيُنَ العُمْيَ فأبصرتْ بالله، والآذانَ الصُّمَّ فسَمِعتْ عن الله، والقلوبَ الغُلْفَ فعقلتْ عن الله، فانقادت لطاعته عقلًا وقولًا وعملًا، وسلكتْ سبل مرضاته ذُللًا.
وقوله: "وما أعطيه فلا أعطي غيره" مطابق لقوله ﷺ: "أُعطِيْتُ ما لم يُعْطَ أحدٌ من الأنبياء قبلي" (^٢) ويقول الملائكة لَمَّا ضربوا له المثل: "لقد أُعطي هذا النبيُّ ما لم يعط نبيٌّ قبله؛ إنَّ عَيْنَيْهِ تَنامَانِ وقَلْبُه يَقْظَانُ" (^٣).
_________________
(١) فديد: صوت شديد وجَلَبَة.
(٢) أخرجه البخاري في التيمم: (١/ ٤٣٦)، ومسلم في المساجد: (١/ ٣٧٠ - ٣٧١).
(٣) أخرجه الترمذي في الأمثال؛ باب ما جاء في مثل الله ﷿ لعباده: (٨/ =
[ ١٧٧ ]
فمن ذلك أنه بُعث إلى الخلق عامة، وخُتم به ديوان الأنبياء، وأنزل عليه القرآن الذي لمَ ينزل من السماء كتاب يشبهه ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظًا متلوًّا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره، وأُوتي جوامع الكلم، ونُصر بالرُّعْب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجُعلَت صفوف أمتَه في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السماء، وجُعَلَت الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، وأسْرِي به إلى أن جاوز السمَاوات السبع ورأى ما لم يَرَهُ بشرٌ قبله، ورُفع على سائر النبيين، وجُعل سيدَ ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتَّبعَه على دينه أتباعٌ أكثر من أتباع سائر النبيِّين من عهد نوح إلى المسيح، فأمَّتُه ثلثا أهل الجنة، وخصه بالوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة، وبالمقام المحمود الذي يَغْبطه به الأولون والآخرون، وبالشفاعة العظمى التي يتأخر عنها آدم ونوح وَإبراهيم وموسى وعيسى، وأعزَّ الله به الحقَّ وأهله عزًّا لم يُعزَّه بأحدٍ قبلَه (^١). وأذلَّ به الباطل وحزبه ذلاًّ لم يحصل بأحدٍ قَبله.
وآتاه من العلم والشجاعة والصبر (^٢)، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الإلهية ما لم يُؤْتَهُ نبيٌّ قبله، وجُعِلت الحسنة منه ومن أمته بعشر أمثالها (^٣) إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف
_________________
(١) = ١٥٦ - ١٥٨) وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه". والدارمي في المقدمة: (١/ ٧)، والإمام أحمد: (١/ ٣٩٩).
(٢) هذه الجملة من الخصائص والفضائل وردت بها أحاديث صحيحة كثيرة.
(٣) في "غ": "والصبر والسماحة"، وفي "ج": "السماحة والزهد".
(٤) في "د": "حسنات مثلها".
[ ١٧٨ ]
كثيرة، وتجاوز له عن أمته الخطأ والنسيان وما استكْرِهوا عليه، وصلَّى عليه هو وجميع ملائكته -عليهم صلوات الله وسلامه- وأمر عبادَه المؤمنين كلَّهم أن يُصلُّوا عليه ويُسلِّموا تسليمًا.
وقرن اسمه باسمه فإذا ذُكِر الله ذُكر معه؛ كما في الخُطبة والتشهُّد والأذان، فلا يصحُّ لأحد أذانٌ ولا خطَبة ولا صلاة حتى يشهد أنه عبده ورسوله، ولم يجعل لأحد معه أمرًا يُطاع لا ممن قبله، ولا ممن هو كائن بعده إلى أن تطوى الدنيا ومَنْ عليها، وأغلق أبوابَ الجنَّة إلا عمَّن سلك خَلفَه واقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده؛ فآدمُ وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أولَ من تنشقُّ عنه الأرض، وأولَ شافع، وأول مشفع، وأول من يَقْرَعُ باب الجنَّة، وأولَ من يدخلُها، فلا يدخلها أحدٌ من الأولين والآخرين إلا بشفاعته.
وأُعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضى عنه والشكر له، والقنوع في مرضاته وطاعته ظاهرًا وباطنًا سرًّا وعلانيةً، في نفسه وفي الخلق = ما لم يُعْطه نبي قَبْله (^١). ومن عرف أحوال العالم وسيَر الأنبياء وأممهم تبيَّن له أنَّ الأمر فوق ذلك، فإذا كان يومُ القيامة ظهرَ للخلائق (^٢) منَ ذلك ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ أنّه يكون أبدًا.
وقوله: "ولا يَضْعُف ولا يُغلب" هكذا كان حاله -صلوات الله وسلامه عليه- ما ضعف في ذات الله قط، ولا في حال انفراده وقلَّة أتباعه
_________________
(١) في "غ": "غيره".
(٢) في "ج": "للخلق".
[ ١٧٩ ]
وكثرة أعدائه واجتماع أهل الأرض على حربه، بل هو أقوى الخلق وأثبتُهِم جأشًا وأشجعُهم قلبًا، حتى إنه يوم أحد قُتِلَ أصحابُه وجُرِحوا، وما ضعُف ولا استكان، بل خرج من الغد في طلب عدوِّه -على شدة القرح- حتى أَرْعَبَ منه العدو وكرَّ خاسئًا على كثرة عَددِهم وعُدَدِهم وضَعفِ أصحابه، وكذلك يوم حُنَيْنٍ؛ أفرد عن الناس في نَفَرٍ يسير دون العشرة، والعدو قد أحاطوا به، وهم ألوف مؤلَّفة فجعل يثب (^١) في العدو ويقول:
أَنَا النبيُّ لا كَذِبْ … أَنَا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ
ويتقدم إليهم، ثم أخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فولَّوا منهزمين (^٢).
ومَنْ تأمَّل سيرتَه وحروبَه عَلِمَ أنّه لم يطرق العالَمَ أشجعُ منه ولا أثبت ولا أصبر، وكان أصحابُه -مع أنَّهم أشجعُ الأمم- إذا حَمِي البَأْسُ واشتدَّ الحرب اتَّقوا به وتتَرَّسُوا به فكان أقربُهم إلى العدو، وأشجَعُهم هو الذي يكون قريبًا منه (^٣).
وقوله: "ولا يميل إلى اللهو"، هكذا كانت سيرته، كان أَبْعَدَ الناس من اللهو واللعب، بل أمْرُه كلّه جد وحزم وعزم، مجلسه مجلس حياءٍ وكَرَمٍ وعلمٍ وإيمان ووقار وسكينة.
_________________
(١) في "ب، ج": "يثبت".
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب من قال خذها وأنا ابن فلان: (٦/ ١٦٤)، ومسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين: (٣/ ١٤٠٠).
(٣) أخرجه مسلم في الموضع السابق: (٣/ ١٤٠١).
[ ١٨٠ ]
وقوله: "ولا يسمع في الأسواق صوته" أي ليس من الصاخبين في الأسواق في طلب الدنيا والحرص عليها كحال أهلها الطالبين لها.
وقوله: "ركن للمتواضعين" فإنَّ مَنْ تأمل سيرته وجده أعْظَم الناس تواضعًا للصغير والكبير والمسكين والأرملة والحر والعبد؛ يجلس معهم على التراب، ويُجيب دعوتَهم، ويَسمع كلامَهم، ويَنطلق مع أحدهمِ في حاجته، ويأخذ له حقَّه ممَّن لا يستطيع أن يُطالبه به، (ويَخْصِف نَعْله، ويَخِيط ثوبه) (^١).
وقوله: "وهو نور الله الذي لا يُطفأ ولا يخصم حتى يثبت في الأرض حجته وينقطع به العذر" وهذا مطابق لحاله وأمره، ولِمَا شهد به القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ونظائرُه في القرآن كثيرة.
_________________
(١) في "غ": "ويخصف لأحدهم نعله ويخيط له ثوبه".
[ ١٨١ ]
وقوله: "حتى ينقطع به العذر وتثبت به الحجة" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١ - ٦].
وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].
وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل، وبهم انقطعت المعذرة، فلا يمكن من بلغتْه دعوتُهم وخالَفَها أنْ يعتذر (^١) إلى الله يوم القيامة؛ إذْ ليس له عذر يُقْبَل منه.
وهذه البشارة مطابقة لما في "صحيح البخاري" أنه قيل لعبد الله بن عَمْرو: أخبِرْنا ببعض صفات رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: "إنه لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأمّيِّيْن، أنت عَبْدِي ورَسُولي سَمَّيْتك المتوكِّلَ، ليس بِفظٍّ ولا غليظٍ ولا سَخَّابٍ بِالأسوَاقِ، ولا يَجْزِي بالسيِّئةِ السَّيئةَ ولكن يَجْزِي بالسيِّئةِ الحَسَنَةَ ويَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ أَقْبضَهُ حتى أُقِيْمَ بهِ المِلَّةَ العَوجَاءَ، فأفتحُ به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلْفًا = بأن
_________________
(١) في "غ": "يعذر".
[ ١٨٢ ]
يقولوا: لا إله إلا الله" (^١).
وقوله: "إنَّ هذا في التوراة" لا يريد به التوراة المعيَّنة التي هي كتاب موسى؛ فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور: يُرَاد به الكتب المعيَّنة تارةً، ويُراد به الجنس تارةً. فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور، وبلفظ التوراة عن القرآن، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضًا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: "خُفِّفَ على دَاوُدَ ﵇ القُرآنُ فكانَ مَا بينَ أنْ تُسْرَجَ دَابتُّه إلى أنْ يَرْكَبَها يقرأ القُرْآنَ" (^٢) فالمراد به: قرآنه، وهو الزَّبُور.
وكذلك قولُه في البشارة التي في التوراة: "نبيًّا أُقيم لبني إسرائيلَ مِنْ إخوتهم، أُنْزِل عليه توراةً مِثْلَ توراةِ موسى".
وكذلك في صفة أمتِه ﷺ في الكتب المتقدِّمة "أناجيلُهم في صُدُورهم".
فقوله: "أَخْبِرْني بصفة رسول الله في التوراة": إما أن يريد التوراة المعيَّنةَ أو جِنْسَ الكُتُب المتقدِّمة.
وعلى التقديرين: فإجابةُ عبدِ الله بنِ عَمْرو بما هو في التوراة، أي التي هي أعمُّ من الكتاب المعين، فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعيَّنة بل هو في كتاب إِشَعْيَا كما حكيناه عنه، وقد ترجموه أيضًا بترجمةٍ أخرى فيها بعض الزيادة: "عبدي ورسولي الذي سُرَّتْ به نفسي،
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق: (٤/ ٣٤٢).
(٢) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: (٦/ ٤٥٣).
[ ١٨٣ ]
أُنْزِل عليه وحيي، فيظهرُ في الأُمم عدلي، ويُوصِيْهم بالوصايا، لا يَضْحَكُ، ولا يُسمع صوتُه في الأسواق، يفتح العيون العُورَ، والآذان الصُّمَّ، ويُحْيِي القلوبَ الغُلْفَ، وما أعطيه لا أعطيه أحدًا، يحمد الله حمدًا جديدًا يأتي به من أقطار الأرض، وتفرح البريَّة وسكانُها، يُهلِّلون الله على كلِّ شَرَفٍ، ويكبِّرونَهُ على كلِّ رابيةٍ، لا يَضْعُفُ، ولا يُغْلَبُ، ولا يميل إلى الهوى، مُشَفَّحٌ، ولا يُذِلُّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوي الصدِّيقين، وهو رُكْنُ المتواضعين، وهو نُورُ الله الذي لا يُطْفَأ، أَثَرُ سلطانِه على كتفَيْه".
وقوله: "مُشَفَّح" -بالشين المعجمة والفاء المشددة بوزن مكرم- وهي لفظة عبرانية مطابقة لاسم محمَّد معنًى ولفظًا، مقاربًا (^١) كمطابقة مُؤَذ مُؤَذ، بل أشدُّ مطابقةً، ولا يمكن العرب أن يتلفظوا بها بلفظ العبرانية (^٢) فإنما بينَ الحاء والهاء، وفتحة الفاء بين الضمة والفتحة ولا يستريب عالِمٌ من علمائهم منصفٌ أنها مطابقة لاسم محمدٍ.
قال أبو محمَّد ابن قتيبة: "مشفَّح" محمَّد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شفحالاها، إذا أرادوا أن يقولوا: "الحمد لله"، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفَّح محمد بغير شك (^٣).
وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن "مَئِذ مَئِذ" هو محمَّد، وهو بكسر الميم والهمزة، وبعضهم يفتح الميم ويدنيها
_________________
(١) في "ب": "مقارنًا".
(٢) في "غ": "العبرانيين".
(٣) انظر كتابه: "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لوحة (٧).
[ ١٨٤ ]
من الضمة، قال: ولا يشك العلماءُ منهم بأنه محمد (وإن سكتنا عن إيراد ذلك) (^١).
وإذا ضربنا عن هذا صَفْحًا، فمن هذا الذي انطبقتْ عليه وعلى أمته هذه الصفاتُ سواه؟! ومن هذا الذي أثرُ سلطانِه -وهو خاتم النبوة- على كتفيه رآه الناس عَيانًا مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ؟! فماذا بعد الحق إلا الضلال، وبعد البصيرة إلا العمى؟! ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
فصفاتُ هذا النبيِّ ومَخْرَجُه ومبعثُه وعلاماتُه وصفاتُ أمتِه في كتبهم يقرؤونها في كنائسهم ويدرسونها في مجالسهم، لا ينكرها منهم عَالِمٌ ولا يأباها جاهل، ولكنَّهم يقولون: لم يظهر بَعْدُ، وسيظهر ونَتَّبِعُه.
قال ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، وعن (^٢) سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ: أنَّ يهودًا كانوا يَسْتَفْتِحُونَ على الأوْس والخَزْرجَ برسول الله ﷺ قبل مَبْعثِه، فلما بعثَه الله من العرب، كفرُوا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال مُعَاذُ بن جَبَلٍ، وبشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ (ودَاود بنُ سَلَمَة) (^٣): يا مَعْشَر يَهُود: اتقوا الله وَأسْلِموا فقد كنتم تَسْتفتحون علينا بمحمدٍ ﷺ ونحن أهلُ شركٍ، وتُخْبِرُونا بأنه نبيٌّ مبعوث، وتَصِفُونه بصفته، فقال سَلام بن مِشْكم أخو (^٤) بني النَّضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا
_________________
(١) في "غ": "وضربنا" وفي "د": "وإن سكتنا عن ذلك وضربنا".
(٢) في "السيرة النبوية": "أو عن … ".
(٣) في "السيرة": "وأخو بني سلمة".
(٤) في "السيرة": "أحد".
[ ١٨٥ ]
عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
وقال أبو العالية: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد على مشركي العرب يقولون: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى يعذّب المشركين ويَقْتُلهم، فلما بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ ورأوا أنَّه مِنْ غيرهم كفروا به (حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات (^١): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة/ ٨٩] (^٢).
وقال ابن إسحاق: حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ الأنصاريُّ، عن رجال من قومه، قالوا: ومما دعانا إلى الإِسلام -مع رحمة الله وهداه- ما كنّا نَسْمع من رجال اليهود -وكنا أهل شرك أصحاب أوثان- وكانوا أهلَ كتابٍ عندهمِ عِلْمٌ ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نِلْنَا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمانُ نبيٍّ يُبْعَثُ الآن نتبعه فنقتلكم معه (^٣) قَتْلَ عادٍ وإِرَم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسولَه ﷺ أَجَبْنَاه حين دعانا إلى الله، وعَرَفنا ما كانوا يتوعَّدُونا به، فبادرناهم إليه فآمنَّا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآيات التي في البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ٥٤٧).
(٢) ساقط من "غ".
(٣) في "ج": "ونحن معه".
(٤) أخرجه ابن إسحاق في السيرة، "سيرة ابن هشام": (١/ ٥٤١).
[ ١٨٦ ]