والمراد بهذا كله: الخارجُ من نسله، فإنه هو الذي عظَّمه الله جدَّا جدَّا، وصيَّره إلي أمة كثيرة، وأعطاه شعبًا جليلًا، ولم يأتِ مِنْ صُلْب إسماعيل مَنْ بُورك وعُظِّم وانطبقت عليه هذه العلامات غيرُ رسولِ الله ﷺ، فأمَّتُهُ ملؤوا الآفاق، وأَرْبَوا في الكثرة على نسل إسحاق (^١).
(الوجه الرابع): قال (في التوراة) (^٢) -في السفر الخامس-: "قَالَ موسي لبني إسرائيلَ: لا تُطِيعُوا العَرَّافِيْنَ ولا المُنَجِّمِينَ، فسيقيم لكم الربُّ نبيًّا من إخوتكم مِثْلي، فأطيعوا ذلك النبيَّ" (^٣).
ولا يجوز أنَّ يكون هذا النبيُّ الموعود به من أنْفُس بني إسرائيل، لما تقدم أنَّ إخوة (^٤) القوم ليسوا أنْفُسَهم، كما تقول: بَكْرٌ وتَغْلِب (ابنا وائل، ثم تقول تغلب إخوة بكر، وبنو بكر) (^٥) إخوة بني تغلب، فلو قلتَ: إخوة بني بكر بنو بكر، كان مُحَالًا، ولو قلتَ لرجلٍ: ايْتِني برجلٍ من إخوة بني بكر بن وائل، لكان الواجب أنْ يأتِيَك برجلٍ من بني تغلب بن وائل، لا بواحد من بني بكر (^٦).
(الوجه الخامس) (^٧): ما في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين:
_________________
(١) وانظر في هذه البشارة أيضًا: "تحفة الأريب" ص (٢٥٨ - ٢٦٠).
(٢) ساقطة من "غ".
(٣) سفر التثنية، الإصحاح (١٨)، الفقرات (٩ - ١٣).
(٤) في "غ": "إمرة".
(٥) ساقط من "غ".
(٦) انظر: "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل بن يحيي، ص (٧٥ - ٨٦).
(٧) انظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: (٥/ ٢٨٤ - ٣١٨)، "أعلام رسول الله المنزلة علي رسله" لابن قتيبة لوحة (٥)، "تحفة الأريب" للترجمان، ص (٢٦٦ - ٢٦٩).
[ ١٢٧ ]
"إنّي (^١) ذاهبٌ وسيأتيكم الفَارقليط روحُ الحق، لا يتكلَّم من قِبَلِ نفسهِ، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليَّ وأنتم تشهدون؛ لأنَّكُمْ معي من قبل الناس، وكلُّ شيء أعدَّه الله لكم يُخْبِرُكم به" (^٢).
وفي إنجيل يُوحنّا: "الفارقليط (^٣) لا يَجيْئكم ما لم أذهبْ، وإذا جاء وَبَّخَ العالَم علي الخطيئةِ، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنَّه ممَّا يسمع به، ويكلِّمُكم ويَسُوسُكم بالحقِّ، ويخبركُم بالحوادثِ والغُيوبِ" (^٤).
وفي موضعٍ آخر: "إن الفارقليط روح الحقِّ الذي يرسله أبي بِاسْمِي، وهو يعلِّمكم كلَّ شيء" (^٥).
وفي موضعٍ آخر: "إنّي سائلٌ له أن يبعث إليكم فارقليطًا آخر يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلِّمكم كل شيء" (^٦).
وفي موضع آخر: "ابنُ البَشَرِ ذاهبٌ، والفارقليط من بعده يجيء لكم بالأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدتُ له، فإني أجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل" (^٧).
_________________
(١) في "غ": "أنا".
(٢) العهد الجديد، إنجيل يوحنا، الإصحاح (١٤)، الفقرات (١٠ - ١٣).
(٣) في "ص": "البار قليط" وهي كذلك في سائر المواضع. وفي الترجمات الحديثة: "المعزّي".
(٤) العهد الجديد، يوحنا: (١٤/ ٧ - ١٢).
(٥) الموضع نفسه (١٤/ ١٦).
(٦) الموضع نفسه: (١٦/ ٢٥).
(٧) يوحنا: (١٥/ ١٧).
[ ١٢٨ ]
قال أبو محمد ابنُ قتيبةَ (^١): وهذه الأشياء -علي اختلافها- متقاربة، وإنما اختلفت لأنَّ مَنْ نَقَلَهَا عن المسيح ﷺ في الإنجيل من الحوارِيِّيْنَ عِدَّةٌ. "والفارقليط" -بلغتهم-: لفظ من ألفاظ الحمد؛ إمَّا أحمد، أو محمد (^٢)، أو محمود، أو حامد، أو نحو ذلك. وهو في الإنجيل الحبشي "بن نعطيس" (^٣).
وفي موضع آخر: "إنْ كنتم تُحبُّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب أن يُعْطِيَكم فارقليطًا آخر، يثبت معكم إلي الأبد، ويتكلَّم بروح الحقِّ الذي لم يُطِقِ العالَمُ أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه. ولستُ أدَعُكُم أيْتَامًا، إني سآتيكم عن قريب" (^٤).
وفي موضع آخر: "ومَنْ يُحِبُّني يحفظُ كلمتي وأَبي يُحِبُّه، وإليه يأتي وعنده يتخذ المنزل، كلَّمْتكم بهذا لأني لست عندكم مقيمًا، والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يعلِّمكم كلَّ شيء، وهو يذكركم كلما قلت لكم، استودعتكم سلامي، لا تقلقْ قلوبُكم ولا تَجْزَعْ، فإني منطلقٌ وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمعني الأب، فإنْ ثبتَ كلامي فيكم كان لكم كلُّ ما تريدون" (^٥).
وفي موضع آخر: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، روح الحق الذي مِنْ أبي يشهد لي، قلت لكم حتي إذا كان تؤمنوا ولا
_________________
(١) انظر: "أعلام رسول الله" لابن قتيبة الموضع السابق.
(٢) ساقط من "غ".
(٣) في "غ، ص": "برنعطيس".
(٤) إنجيل يوحنا: (١٤/ ١٥ - ١٨).
(٥) إنجيل يوحنا: (١٦/ ٢٠ - ٢٤).
[ ١٢٩ ]
تَشُكُّوا (^١) فيه" (^٢).
وفي موضع آخر: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم، ولكنكم لا تستطيعون حَمْله، لكن إذا جاء روح الحقِّ ذاك يرشدكم إلي جميع الحقِّ؛ لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبركم بكلِّ مَا يأتي، ويعرِّفكم جميعَ مَا للأب" (^٣).
وقال يوحنا: قال المسيح: ("إنَّ أركون العالم سيأتي وليس لي شيء" (^٤).
وقال مَتّى) (^٥): قال المسيح: "ألم تَرَوا أنَّ الحجر الذي أخره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية من عند الله، كان هذا وهو عجيب في أعيننا، ومِنْ أجل ذلك أقولُ لكم: إن ملكوت الله سيؤخذ منكم، ويُدْفَع إلي أمة أخري تأكل ثمرتها، ومَنْ سقط علي هذا الحجر ينشدخ، وكلُّ من سقط هو عليه يمحقُهُ" (^٦).
وقد اختُلِفَ في "الفارقليط" في لغتهم، فذكروا فيه أقوالًا ترجع إلي ثلاثة (^٧):
_________________
(١) في "غ": "تشركوا".
(٢) إنجيل يوحنا: (١٤/ ٢٩).
(٣) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٤).
(٤) إنجيل يوحنا: (١٤/ ٣٠).
(٥) ساقط من "غ".
(٦) إنجيل متي: (٢١/ ٤٢ - ٤٤).
(٧) وانظر ما كتبه البرفسور عبد الأحد داود في كتابه "محمد في الكتاب المقدس" ص (٢٠٧) وما بعدها.
[ ١٣٠ ]
أحدها: أنَّه الحامد والحمَّاد، أو الحمد كما تقدم، ورجَّحتْ طائفةٌ هذا القولَ. وقالوا: الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنه الحمد، والدليل عليه: قول يُوشع: "مَنْ عَمِل حسنةً يكون له فارقليط جيِّد"، أي: حَمْد جيِّد.
والقول الثاني -وعليه أكثر النصاري-: أنَّه المخلِّص، والمسيح نفسه يسمُّونه: المخلِّص. قالوا: وهذه كلمة سريانية معناها المخلِّص (^١). قالوا: وهو بالسريانية" فاروق" فَجُعِل "فارق". قالوا و"ليط" كلمة تزاد (^٢)، ومعناها كمعني قول العرب: رجل هو، وحجر هو، وفرس هو. قالوا: فكذلك معني (ليط) في السريانية.
وقالت طائفة أخري من النَّصاري: معناه بالسريانية: المعزِّي. قالوا: وكذلك هو في اللسان اليوناني.
ويعترض علي هذين القولين بأنَّ المسيح لم تكن لغته سريانية ولا يونانية بل عبرانية.
وأُجيب عن هذا بأنَّه يتكلم بالعبرانية، والإنجيل إنما نزل باللغة العبرانية وترجم عنه بلغة (^٣) السِّريانية والرُّومية واليونانية وغيرهما. وأكثر النصاري علي أنه: المخلِّص، والمسيح نفسه يسمُّونه المخلِّص، وفي الإنجيل الذي بأيديهم أنه قال: "إنما أتيت لأخلِّص العالم" (^٤).
_________________
(١) ساقط من "ص".
(٢) في "غ": "يراد بها".
(٣) في "غ" "باللغة".
(٤) إنجيل يوحنا: (١٢/ ٤٧).
[ ١٣١ ]
والنصاري يقولون في صلاتهم: "لقد ولدت لنا مخلِّصًا" (^١).
ولما لم يمكن النصاري إنكار هذه النصوص حرَّفُوها أنواعًا من التحريف.
فمنهم من قال: هو روح نزلت علي الحواريين.
ومنهم من قال: هو ألسنٌ ناريَّة نزلت من السماء علي التلاميذ، ففعلوا بها الآيات والعجائب.
ومنهم من يزعم أنَّه المسيح نفسه، لكونه جاء بعد الصَّلْب بأربعين يومًا، وكونِهِ قام مِنْ قبره.
ومنهم من قال: لا يُعْرَف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحقق لنا معناهُ.
ومَنْ تأمَّل ألفاظَ الإنجيل وسياقَها: عَلِمَ أنَّ تفسيره بـ"الروح" باطلٌ. وأبْطَلُ منهُ: تفسيرُه بـ"الألسن الناريَّة"، وأبطل منهما: تفسيره بـ"المسيح"؛ فإنَّ روح القدس ما زالت تنزل علي الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده، وليست موصوفة بهذه الصفات، وقد قال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال النبيُّ ﷺ لحسان بن ثابت لَمَّا كان يهجو المشركين: "اللهمَّ
_________________
(١) رسالة يوحنا الأولى: (٤/ ١٤).
[ ١٣٢ ]
أيِّدْهُ برُوح القُدُسِ" (^١) وقال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ معك ما زلتَ تنافحُ عن نبيِّه" (^٢).
وإذا كان كذلك، ولم يسمِّ أحدٌ هذه الروحَ "فارقليطًا" عُلِمَ أنَّ الفارقليط أمرٌ غير هذا.
وأيضًا: فمثل هذه الرُّوح لا زالت يؤيَّد بها الأنبياءُ والصَّالحون، وما بشَّر به المسيحُ ووعدَ به أمرٌ عظيم يأتي بعده أعظمُ من هذا.
وأيضًا: فإنَّه وصف الفارقليط بصفاتٍ لا تناسِب هذا الروحَ، وإنما تناسِبُ رجلًا يأتي بعدَهُ نظيرًا له، فإنه قال: "إن كنتم تحبُّوني فاحفظوا وصايايَ وأنا أطلبُ من الأب أن يعطيَكُمْ فارقليطًا آخر يَثْبُتُ معكم إلي الأبد" (^٣)، فقوله "فارقليطًا آخر" دلَّ علي أنه ثانٍ لأولٍ كان قَبْلَه، وأنه لم يكن معهم في حياة المسيح، وإنما يكون بعد ذهابِه وتولِّيه عنهم.
وأيضًا: فإنَّه قال: "يثبت معكم إلي الأبد". وهذا إنما يكون لِمَا يدومُ ويبقي معهم إلي آخر الدهر. ومعلومٌ: أنه لم يُرِدْ بقاءَ ذاتِهِ، فَعُلِمَ أنه بقاء شَرْعِهِ وأمْرهِ، والفارقليط الأول لم يَثْبُتْ معهم شرعُهُ ودينُه إلي الأبد. وهذا يبيِّن أنَّ الثاني صاحبُ شرعٍ لا يُنْسخ، بل يبقي إلي الأبد (^٤)، بخلاف الأول. وهذا إنما ينطبق علي محمدٍ ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: (٦/ ٣٠٤)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل حسان: (٤/ ١٩٣٥ - ١٩٣٦).
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه.
(٣) إنجيل يوحنا: (١٤/ ١٥).
(٤) هنا يبدأ سقط في "غ" مقداره ورقة، حيث جاء بعد هذا ورقة (٤٨) مكررة وفيها قصة نجران والملاعنة.
[ ١٣٣ ]
وأيضًا: فإنَّه أخبر أنَّ هذا الفارقليط الذي أَخبر به، يشهد له ويعلِّمهم كلَّ شيء وأنه يذكر لهم كلَّ ما قال المسيح، وأنه يوبِّخ العالَم علي خطيئته فقال: "والفارقليط الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم"، وقال: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله هو يشهد أني قلت لكم هذا حتي إذا كان تؤمنوا به، ولا تشكُّوا فيه".
وقال: "إنَّ خيرًا لكم أنْ أنطلِقَ إلي أبي، إن لمِ أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإن انطلقتُ أرسلتُهُ إليكم، فهو يوبِّخ العالم علي الخطيئة، فإنَّ لي كلامًا كثيرًا أُريد أنْ أقول لكم ولكنكم لا تستطيعون حَمْلَه، لكن إذا جاء روح الحقِّ ذاك الذي يرشدكم إلي جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عند نفسه بل يتكلَّم بما يسمع ويخبركم بكلِّ ما يأتي ويعرِّفكم جميعَ ما للأب" (^١).
فهذه الصِّفاتُ والنُّعوتُ التي تَلقَّوها عن المسيح لا تنطبق علي أمرٍ معنويٍّ في قلب بعض الناس لا يراه أحدٌ ولا يسمع كلامه، وإنما تنطبق علي مَنْ يراه الناس ويسمعون كلامه، فيشهد للمسيح، ويعلِّمهم كلَّ شيء، ويذكِّرهم كل ما قال لهم المسيح، ويوبِّخ العالَم علي الخطيئة، ويرشد الناس إلي جميع الحقِّ، ولا يَنْطِقُ مِنْ عنده، بل يتكلَّم بما يَسْمعُ، ويخبرهم بكلِّ ما يأتي، ويعرِّفهم جميعَ ما لربِّ العالمين.
وهذا لا يكون مَلَكًا لا يراه أحدٌ ولا يكون هدي وعِلْمًا في قلب بعض الناس، ولا يكون إلا إنسانًا عظيم القَدْر يخاطب بما أخبر به
_________________
(١) العهد الجديد، إنجيل يوحنا: (١٦/ ٧ - ١٥).
[ ١٣٤ ]
المسيح، وهذا لا يكون إلا بشرًا رسولًا، بل يكون أعظمَ مِنَ المسيح؛ فإنَّ المسيح أخبر أنه يقدر علي ما لا يقدر عليه المسيح (^١)، ويعلم ما لا يعلَمُه المسيح، ويخبر بكلِّ ما يأتي وبما يستحقُّه الربُّ، حيث قال: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَهُ، ولكن إذا جاء روح الحقِّ، ذاك الذي يرشدكم إلي جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبركم بكلِّ ما يأتي، ويعرِّفُكُمْ جميعَ ما للأب" (^٢).
فلا يستريبُ عاقلٌ أن هذه الصفات لا تنطبقُ إلا علي محمدٍ ﷺ، وذلك لأنَّ الإخبار عن الله بما هو مُتَّصِفٌ به من الصفات، وعن ملائكته، وعن مَلَكُوتِه، وعمَّا أعدَّه في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه: أمرٌ لا تحتمل عقولُ أكثرِ النَّاس معرفتَهُ علي التفصيل.
قال عليٌّ ﵁: حَدِّثوا النَّاسَ بما يعرفون، ودَعُوا ما يُنْكِرُونَ، أتريدونَ أن يكذب اللهُ ورسولُه (^٣).
وقال ابن مسعود: ما مِنْ رجل يحدِّث قومًا بحديثٍ لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم (^٤).
وسأل رجلٌ ابنَ عباسٍ عن قوله تعالي: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ
_________________
(١) هنا ينتهي السقط في "غ".
(٢) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٥).
(٣) أخرجه البخاري في العلم، باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا: (١/ ٢٥٥) دون قولها "وما ينكرون"، وهي عند الخطيب في "الجامع": (٢/ ١٠٨).
(٤) أخرجه مسلم في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع: (١/ ١١).
[ ١٣٥ ]
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: ما يؤمنك أنْ لو أخبرتُك بها لكفرتَ (^١)؟ يعني: لو أخبرتك بتفسيرها لكفرتَ بها، وكفرك بها تكذيبٌ بها.
فقال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم، ولكنَّكم لا تستطيعون حَمْلَه".
وهو الصادق المصدوق في هذا، ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالي وصفات مَلَكُوتِه وصفاتِ اليوم الآخر إلا أمورٌ مُجْمَلَة، وكذلك التوراة؛ ليس فيها من ذِكْر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أنَّ موسي ﷺ كان قد سهَّل الأمر للمسيح (^٢). ومع هذا فقد قال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَه".
ثم قال: "ولكن إذا جاء روحُ الحقِّ فذاك الذي يُرْشِدُكم إلي جميع الحقِّ، وإنَّه يُخْبِرُكُم بكلِّ ما يأتي، وبجميع ما للربِّ" (^٣).
فدل هذا علي أنَّ "الفارقليط" هو الذي يفعل هذا دون المسيح، وكذلك كان؛ فإنَّ محمدًا ﷺ أرشد النَّاسَ إلي جميع الحقِّ حتي أكمل اللهُ به الدِّين وأتمَّ به النِّعمة، ولهذا كان خاتَمَ الأنبياءِ؛ فإنَّه لم يبق نبيٌّ يأتي بعده غيره، وأخبر محمد ﷺ بكلِّ ما يأتي من أَشْراط الساعة والقيامة والحساب والصِّراط ووَزْنِ الأعمال، والجنَّةِ وأنواعِ نعيمها، والنَّار وأنواعِ عذابها.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري": (٢٨/ ١٥٣)، "تفسير ابن كثير" (٤/ ٣٨٥).
(٢) في "ص": "الأرض للمسيح"، وفي "غ": "مهّد الأمر … ".
(٣) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٥).
[ ١٣٦ ]
ولهذا كان في القرآن تفصيل أمرِ الآخرة وذِكْرِ الجنة والنار وما يأتي، أمور كثيرة لا توجد لا في التوراة ولا في الإنجيل، وذلك تصديقُ قولِ المسيح: إنَّه يُخْبِر بكلِّ ما يأتي. وذلك يتضمَّن صِدْقَ المسيح وصِدْقَ محمد ﷺ.
وهذا معني قوله تعالي: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٧]. أي: مجيئه تصديقٌ للرُّسل قَبْلَه؛ فإنهم أخبروا بمجيئه، فجاء كما أخبروا به، فتضمن مجيئه (^١) تصديقَهم، ثم شهد هو بِصِدْقِهِم، فصدَّقهم بقوله ومجيئه.
ومحمدٌ ﷺ بَعَثَهُ الله بين يدي السَّاعة كما قال: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهاتين، وأشار بإصبَعَيهِ السبَّابة والوسْطَى" (^٢).
وكان إذا ذكر الساعة علا صوتُه واحمرَّ وجهه واشتدَّ غضبه. وقال: "أنا النَّذيرُ العُرْيَانُ" (^٣).
فأخبر من الأمور التي تأتي في المستقبل بما لم يأتِ به نبيٌّ من الأنبياء، كما نَعَتَه به المسيحُ حيث قال: "إنه يخبركم بكلِّ ما يأتي".
_________________
(١) ما عدا "غ": "مجيؤه".
(٢) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النازعات: (٨/ ٦٩١)، ومسلم في الفتن، باب قرب الساعة: (٤/ ٢٢٦٨).
(٣) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ: (١٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، ومسلم في الفضائل، باب شفقته علي أمته: (٤/ ١٧٨٨).
[ ١٣٧ ]
ولا يوجد مثل هذا أصلًا عن أحدٍ من الأنبياء قبل محمد ﷺ، فضلًا عن أن يوجد عن شيء نزل علي قلب بعض الحَوارِيِّيْنَ.
وأيضًا: فإنَّه قال: "ويعرِّفُكم جميعَ ما للربِّ". فبيَّن أنه يعرِّف الناس جميعَ ما لله. وذلك يتناول ما لله من الأسماء والصِّفات، وما لهُ من الحقوقِ، وما يجبُ من الإيمان به وملائكته وكتبه ورسله، بحيث يكون يأتي به جامعًا لما يستحقُّه الربُّ. وهذا لم يأتِ به غيرُ محمدٍ ﷺ؛ فإنه تضمَّن ما جاء به من الكتابِ والحكمةِ.
هذا كلُّه؛ وأيضًا: فإنَّ المسيح قال: "إذا جاء الفارقليط الذي أَرْسلَه أبي فهو يشهد لي، قلت لكم هذا حتي إذا كان تؤمنوا به" (^١).
فأخبر أنه شهد له، وهذه صفةُ نبيٍّ بَشَّر به المسيح، ويشهد للمسيح، كما قال تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وأخبر أنَّه يُوَبِّخُ العالَم علي الخطيئة، وهذا يستحيلُ حَمْلُه علي معنًى يقوم بقلب الحَوارِيِّيْنَ؛ فإنهم آمنوا به وشهدوا له قبل ذهابه، فكيف يقول إذا جاء فإنه يشهد لي ويوصيهم بالإيمان به؟
أَفَتَرَي الحواريين لم يكونوا مؤمنين بالمسيح!! فهذا مِنْ أعظمِ جَهْلِ النَّصاري وضَلَالِهِمْ؟!.
وأيضًا: فإنَّه لم يوجد أحدٌ وَبَّخَ جميعَ العالَم (^٢) (على الخطيئةِ إلا
_________________
(١) إنجيل يوحنا: (١٥/ ٢٦ - ٢٧).
(٢) في "ب، ص، غ": "العالم من أصناف الناس".
[ ١٣٨ ]
محمدٌ ﷺ، فإنَّه أنذر جميع العالَم) (^١) من أصناف الناس، ووبَّخهم علي الخطيئة من الكفر والفُسوق والعِصيان، ولم يَقْتَصِرْ علي مجرَّدِ الأمرِ والنَّهي، بل وَبَّخهم وفزَّعهم وتهدَّدَهُم.
وأيضًا: فإنَّه أخبر أنّه ليس يَنْطِقُ من عنده، بل يتكلَّم بكل ما يسمع. وهذا إخبارٌ بأنَّ كلَّ ما يتكلَّم به فهو وحيٌ يسمعه، ليس هو شيئًا تعلَّمه من الناس، أو عَرَفَهُ باستنباطٍ، وهذه خاصَّة محمدٍ ﷺ.
وأمَّا المسيح؛ فكان عنده عِلْمٌ بما جاء به موسي قَبْلَه، يشاركه به أهلُ الكتاب، تلقَّاه عمَّن قَبْلَه، ثم جاءه وحيٌ خاصٌّ (^٢) من الله فوقَ ما كان عندَه، قال تعالي: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨].
فأخبرَ -سبحانه- أنَّه يعلِّمه التوراةَ التي تعلَّمها بنو إسرائيل، وزاده تعليمَ الإنجيل الذي اختصَّ به، والكتاب -الذي هو الكتابة- ومحمدٌ ﷺ لم يكن يَعْلَمُ قَبْلَ الوحي شيئًا البتَّة، كما قال تعالي:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢].
وقال تعالي: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
فلم يكن ﷺ ينطق من تِلْقَاءِ نفسه، بل إنما كان ينطق بالوحي،
_________________
(١) ساقط من "غ".
(٢) في "ج": "خالص".
[ ١٣٩ ]
كما قال تعالي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَي (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَي (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. أي: ما نُطْقُه إلا وحيٌ يُوحَي.
وهذا مطابقٌ لقول المسيح: إنَّه لا يتكلَّم من تلقاء نفسه بِل إنما يتكلم بما يُوحي إليه. والله تعالي أمره أن يبلِّغ ما أُنزل إليه، وضمِنَ له العصمةَ في تبليغ رسالاته، فلهذا أرشد الناس إلي جميع الحقِّ وألقَي للناس ما لم يمكن (^١) غيرَه من الأنبياء إلقاؤه خوفًا أن يقتله قومه، وقد أخبر المسيح بأنه لم يذكر لهم جميع ما عنده، وأنَّهم لا يُطيقون حَمْلَه، وهم معترفون بأنَّه كان يخاف منهم إذا أخبرهم بحقائق الأمور.
ومحمد ﷺ أيَّده الله -سبحانه- تأييدًا لم يؤيِّده لغيره: فَعَصَمَه من الناس حتي لم يَخَفْ من شيءٍ يقوله، وأعطاه من البيان والعلم ما لم يؤتهِ غيرَه، وأيَّد أمته تأييدًا أطاقتْ به حَمْلَ ما ألقاه إليهم، فلم (^٢) يكونوا كأهل التوراة الذين حُمِّلوا التوراةَ ثم لم يحملوها، ولا كأهل الإنجيل الذين قال لهم المسيح: "إن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم، ولكن لا تستطيعون حَمْلَه".
ولا ريب أن أمة محمدٍ ﷺ أكْمَلُ عقولًا، وأعْظمُ إيمانًا، وأَتمُّ تصديقًا وجهادًا، ولهذا كانت علومُهم وأعمالُهم القلبية وإيمانُهم أعْظَمَ، وكانت العباداتُ البدنيَّة لغيرهم أعظم.
وأيضًا: فإنَّه أخبر عن الفارقليط أنَّه شهد (^٣) له، وأنَّه يعلِّمهم كلَّ
_________________
(١) في "غ": "يكن".
(٢) في "غ": "وفي سائر النسخ: "فلا".
(٣) في "غ": "يشهد".
[ ١٤٠ ]
شيء، وأنَّه يذكرهم كلَّ ما قال المسيحُ. ومعلومٌ أنَّ هذا لا يكون إلا إذا شهد له شهادةً يسمعها الناس، لا يكون هذا في قلب طائفةٍ قليلةٍ.
ولم يشهد أحدٌ للمسيِح شهادةً سمعها عامَّةُ الناس إلا محمد ﷺ، فإنه أظْهَرَ أمْرَ المسيحِ، وشهِدَ له بالحقِّ حتي سمع شهادتَهُ له عامةُ أهلِ الأرض، وعلموا أنَّه صدَّقَ المسيح ونزَّهه عمَّا افترته عليه اليهود وما غَلَتْ فيه النصاري، فهو الذي شهد له بالحقِّ.
ولهذا لمَّا سمع النَّجاشيُّ من الصحابة ما شهد به محمد ﷺ للمسيح قال لهم: ما زاد عيسي علي ما قلتُم هذا العودَ. وجعل الله أمةَ محمدٍ ﷺ شُهَدَاءَ علي النَّاسِ، شهدوا عليهم بما علموا من الحقِّ، إذْ كانوا وَسَطًا عدولًا، لا يشهدون بباطلٍ، فإن الشاهد لا يكون إلا عدلًا، بخلاف مَنْ جارَ في شهادتِه فزادَ علي الحقِّ، أو نَقَصَ منه، كشهادة اليهود للنصاري في المسيح.
وأيضًا: فإنَّ معني "الفارقليط" إنْ كان هو الحامد أو الحمَّاد، أو المحمود، أو الحمد (^١)، فهذا الوصفُ ظاهرٌ في محمد ﷺ، فإنه وأمَّتَهُ الحمَّادون الذين يَحْمَدُون الله علي كلِّ حالٍ، وهو صاحبُ لواءِ الحَمْد، والحمدُ مفتاح خطبتِه ومفتاحُ صلاتِه، ولمَّا كان حمَّادًا سُمِّي بمثل وَصْفِه، فهو محمَّد -وزن مكرَّم ومعظَّم ومقدَّس- وهو الذي يُحْمَدُ أكثرَ ممَّا يحمد غيره ويستحقُّ ذلك، فلمَّا كان حَمَّادًا لله كان محمدًا. وفي شعر حَسَّان:
أَغَرُّ عليه للنُّبوَّةِ خَاتَمٌ … مِنَ اللهِ مَيْمُونٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
_________________
(١) في "غ": "محمد".
[ ١٤١ ]
وضَمَّ الإلهُ اسمَ النَّبيِّ إلي اسْمِهِ … إذَا قالَ في الخمس المؤذِّنُ أشْهَدُ
وشَقَّ له مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو العَرْشِ محمودٌ وهذا مُحمَّدُ (^١)
وأمَّا "أحمد"؛ فهو أفعل التفضيل، أي: هو أَحْمَدُ مِنْ غيرِه، أي أحق بأن يكون محمودًا أكثر من غيره، يقال: هذا أحْمدُ من هذا. أي هذا أحقُّ بأنْ يُحْمَدَ مِنْ هذا، فيكون فيه تفضيلٌ علي غيره في كونه محمودًا؛ فلفظُ "محمَّد" يقتضي زيادةً في الكميَّة، ولفظ "أحمد" يقتضي زيادةً في الكيفيَّة.
ومن الناس من يقول: معناه أنَّه أكثر حَمْدًا لله من غيره. وعلي هذا: فيكون بمعني الحامد والحمَّاد، وعلي الأول: بمعني المحمود.
وإنْ كان الفارقليط بمعني الحمد فهو تسمية بالمصدر، مبالغةً في كثرة الحمد، كما يقال: رجل عَدْل ورِضىً ونظائر ذلك.
وبهذا يظهر سرُّ ما أخبر به القرآنُ عن المسيح من قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فإنَّ هذا هو معني الفارقليط كما تقدَّم.
وفي التوراة ما ترجمتُه بالعربيَّة: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك ها أنا قد باركت (فيه وأثمره وأكبره) (^٢) بِمُؤَذمُؤَذ" (^٣) هكذا هذه اللفظة
_________________
(١) "ديوان حسان بن ثابت"، ص (٤٦)، ونسبه بعضهم لأبي طالب عم النبيِّ ﷺ، وقيل غير ذلك.
(٢) في "غ": "فيعلموا ثمره وأكثره".
(٣) في "د" "مؤذ" بالمعجمة. وفي سائر النسخ بالمهملة، وفيها (ماد ماد) وكذلك في "بذل المجهود" للسموأل ص (٨٧). والمثبت هو الصحيح، ليكون علي وزن عمر في الضبط.
[ ١٤٢ ]
"مُؤَذ" علي وزن عُمَر، وقد اختلف فيها علماء أهل الكتاب.
فطائفة يقولون: معناها جدًّا جدًّا. أي: كثيرًا كثيرًا. فإن كان هذا معناها فهو بشارة بمن عظم من بَنِيْهِ كثيرًا كثيرًا، ومعلومٌ أنَّه لم يعظم من بنيه أكثر مما عظم من محمد ﷺ.
وقالتْ طائفةٌ أخري: بل هي صريحُ اسمِ محمَّدٍ. قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ ألفاظ العبرانية قريبة من ألفاظ العربية؛ فهي أقرب اللغات إلي العربية، فإنهم يقولون لإسماعيل: (شماعيل، وسمعتُك: شمعتيني) (^١)، وإياه: أوثو، وقدسك: قدشيخا، وأنت: أنا (^٢)، وإسرائيل: يسرائيل، فتأمَّلْ قولَه في التوراة: "قدس لي خل بخور (^٣) خل ريخم (بني إسرائيل باذام ويبيمالي") (^٤). معناه: قَدِّسْ لي كلِّ بكْرٍ، كلَّ أولِ مولودِ رَحِمٍ في بني إسرائيل مِنْ إنسانٍ إلي بهيمةٍ لي (^٥).
وتأمل قوله: "نابي أقيم لاهيم تقارب أخيهم (كانوا أخا) (^٦) ايلاؤه شماعون (^٧) " فإن معناه: نبيًّا أُقيم لهم مِنْ وَسْط إخوتهم مِثْلَك به يؤمنون.
وكذلك قوله: ("أنتم عابرتم بعيولي اجيخيم بنوا
_________________
(١) في "غ": "سمَّعيل وشمعيل شميعتها".
(٢) في "غ": "أنتا".
(٣) في "غ": "رحم".
(٤) في "غ": "بني يسراسيل باذام وبهمالي".
(٥) "سفر الخروج": (١٣/ ١).
(٦) في "غ": "كاموخا".
(٧) في "غ": "يسماعون".
[ ١٤٣ ]
عيصاه") (^١) معناه: أنتم عابرون (^٢) في تخم إخوتكم بني العيص.
ونظائرُ ذلك أكثرُ مِنْ أن تُذْكَر، فإذا أخذتَ لفظة "مُؤَد مُؤد" وجدتَها أقربَ شيء إلي لفظة محمد، وإذا أردتَ تحقيقَ ذلك فطابِقْ بين ألفاظ العبرانيَّة والعربيَّة. وكذلك يقولون: "اصبوع او لو هم هوم" أي: اصبع الله كتب له بها التوراة. ويدلُّ علي ذلك أداةُ الباء في قوله: "بمأذ مأذ" ولا يقال: أعظِّمه بِجِدًّا جِدًّا، بخلاف أعظِّمه بمحمدٍ. وكذلك هو؛ فإنه عُظِّم به وازداد به شرفًا إلى شرفه، بل تعظيمُه بمحمدٍ ﷺ فوقَ تعظيمِ كلِّ والد بولده العظيمِ القَدْر، فاللهُ -سبحانه- كبَّره بمحمدٍ ﷺ.
وعلي التقديرين: فالنصُّ من أظهر البشَاراتِ به؛ أمَّا علي هذا التفسير: فظاهرٌ جدًّا (^٣)، وأمَّا علي التفسير الأول: فإنَّما كُبِّر إسماعيل وعُظِّم علي إسحاق جدًّا جدًّا بابنه محمدٍ ﷺ. فإذا طابَقْتَ بين معني "الفارقليط" ومعني "مُوَذ مُوَذ" ومعني "محمد وأحمد" ونظرت إلي خصال الحَمْد التي فيه، وتسميةِ أمَّته بالحمَّادين، وافتتاحِ كتابه بالحمد، وافتتاحِ الصَّلاة بالحمد، (وخَتْمِ الرَّكعة بالحمد) (^٤)، وكَثْرةِ خصال الحمد التي فيه، وفي أمته وفي دينه، وفي كتابه، وعرفت ما خَلَّص به العالَم من أنواع الشرك والكفر والخطايا والبدع والقول علي الله بلا علم، وما أعزَّ اللهُ به الحقَّ وأهلَه، وقمع به الباطلَ وحِزْبَه: تيقنت أنَّه الفارقليط
_________________
(١) في "غ": "إيتم عابرتم بعيول احيخيم بني عيصا". وانظر: "سفر التثنية": (٢/ ٤).
(٢) في "غ": "عابدون".
(٣) في "ص": "جدًّا جدًّا".
(٤) ساقط من "غ".
[ ١٤٤ ]
بالاعتبارات كلها.
فَمَنْ هذا الذي هو روحُ الحقِّ الذي لا يتكلَّم إلا بما يُوحَي إليه؟!.
ومَنْ هو العاقبُ للمسيح، والشَّاهد لما جاء به، والمصدَّق له بمجيئه؟!
ومَنِ الذي أخْبَرَنا بالحوادث في الأزمنة المُسْتَقْبَلَةِ كخروج الدَّجَّال، وظهورِ الدابَّة، وطلوع الشمس من مَغْرِبها، وخروجِ يأجوج ومأجوج، ونزولِ المسيح ابن مريم، وظهورِ النَّار التي تحشُر النَّاس، وأضعاف أضعاف ذلك من الغيوب التي قبل يوم القيامة، والغيوب الواقعة (^١)؛ مِن الصّراطِ، والميزانِ، والحساب، وأخْذِ الكتب بالأيمان والشمائل، وتفاصيل ما في الجنَّة والنَّار ممَّا لم يذكر في التوراة والإنجيل = غير محمد ﷺ (^٢)؟!.
ومَنِ الذي وبَّخ العالَم علي الخطايا سواه؟!
ومَنِ الذي عرَّفَ الأمة ما ينبغي للهِ حقَّ التعريف غيرُه؟!.
ومَنِ الذي تكلَّم في هذا الباب بما لم يُطِقْ أكثر العالَم أن يقبلوه غيره؟ حتي عَجَزَتْ عنه عقولُ كثيرٍ ممَّن صدَّقه وآمن به، فَسَامُوه أنواعَ التَّحريف والتأويل؛ لعجز عقولهم عن حَمْله -كما قال أخوه المسيح صلوات الله عليهما وسلامه-؟!
ومَنِ الذي أُرسل إلي جميع الخلق بالحقِّ قولًا وعملًا واعتقادًا في
_________________
(١) في "ص": "الواقعة يوم القيامة".
(٢) هذا جواب سؤاله قبل أسطر: ومن الذي أخبرنا …؟
[ ١٤٥ ]
معرفة الله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وقضائه وقدره = غيرُه؟!
ومَنْ هو أُرْكون العالَم الذي أتي بعد المسيح = غيرُه؟! "وأُركون العالم" هو عظيم العالَم، وكبير العالَم. وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها: "إن أُركون العالم سيأتي وليس لي من الأمر شيء" = كيف هي شاهدة بنبوَّةٍ المسيح ونبوَّةِ محمد معًا؛ فإنّه لمَّا جاءَ صارَ الأمر له دون المسيح. فوَجَبَ علي العالَم كلِّهم طاعتُه والانقيادُ لأمره، وصار الأمرُ له حقيقةً.
ولم يَبْقَ بأيدي النَّصاري إلا دينٌ باطِلُه أضعافُ أضعافِ حقِّه، وحقُّه منسوخٌ بما بَعَثَ اللهُ به محمدًا ﷺ.
فطابقَ قولُ المسيح قولَ أخيه محمدٍ ﷺ: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا فيحكم بكتاب ربِّكم" (^١)، وقوله في اللفظ الآخر: "فأمَّكم (^٢) بكتاب ربِّكم".
فتَطابَقَ (^٣) قَوْلُ الرَّسولين الكريمين، وبشَّر الأولُ بالثَّاني، وصدَّق الثاني بالأول.
وتأمَّلْ قولَه في البشارة الأخري: "ألَمْ تَرَ إلي الحجر الذي أخَّره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية"، كيف تجده مطابِقًا لقول النبيِّ ﷺ: "مَثَلِي
_________________
(١) أخرجه البخاري بنحوه، في البيوع: (٤/ ٤١٤)، ومسلم في الإيمان: (١/ ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) في "ص": "فيأتيكم".
(٣) في "ب، ص": "فطابق".
[ ١٤٦ ]
ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بني دارًا فأكلمَلَها وأتمَّها إلا مَوْضِعَ لَبِنةٍ منها فجعل النَّاس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلّا وُضِعَتْ تلك اللَّبِنهٌ؟! فكنتُ أنا تلك اللبنة" (^١)!
وتأمَّل قولَ المسيح في هذه البشارة: "إن ذلك عجيبٌ في أعيننا". وتأمل قولَه فيها: "إن ملكوت الله سَيُؤخَذُ منكم ويُدْفَع إلي أمة أخري" كيف تجده مطابقًا لقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وقولهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥].
وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط المبشَّر به: "يفشي لكم الأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل" كيف تجده مطابقًا للواقع من كل وجه ولقوله تعالي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
ولقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
وإذا تأملتَ التوراةَ والإنجيلَ والكتبَ، وتأملت القرآنَ وَجَدْتَه كالتفصيل لِمُجْمَلِهَا، والتأويلِ لأمثالها، والشَّرح لرمُوزِها. وهذا
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٣١) من المقدمة.
[ ١٤٧ ]
حقيقةُ (^١) قولِ المسيح: "أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل، ويفسِّر لكم كلَّ شيءٍ".
وإذا تأملتَ قولَه: "وكل شيء أعدَّه الله لكم يخبركم به"، وتفاصيل ما أخبر به من الجنَّة والنار، والثواب والعقاب = تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسولين الكريمين، ومُطابقةَ (الأَخبارِ المفصَّلَةِ) (^٢) من محمدٍ ﷺ للخَبَرِ المُجْمَل من أخيه المسيح.
وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط: "وهو يشهدُ لي كما شهدتُ له" (^٣) كيف تجده منطبقًا علي محمد بن عبد الله، وكيف تجده شاهدًا بصدق الرَّسولين، وكيف تجده صريحًا في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه كما شهد له المسيح؟!
فلقد أذَّن المسيحُ بنبوةِ محمد -صلوات الله وسلامه عليهما- أذانًا لم يُؤَذِّنْهُ نبيٌّ قَبْلَه، وأعلنَ بتكبير ربِّه أن يكون له صاحبةٌ أو ولد، ثم رفع صوتَه بشهادةِ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا، فردًا صمدًا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم أعلن بشهادة أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الشاهدُ له بنبوَّتِه، المؤيَّدُ بروحِ الحقِّ الذي لا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بما يُوحَي إليه، ويعلِّمهم كلَّ شيء ويخبرهم ما أعدَّ الله لهم.
ثم رفع صوته بحيَّ علي الفلاح؛ باتباعه والإيمان به وتصديقه، وأنه
_________________
(١) ساقط من "غ".
(٢) في "غ": "الإخبار المفصَّل".
(٣) في الرسالة الأولي إلي أهل كُورِنْثُوس (١٤/ ٢).
[ ١٤٨ ]
ليس له من الأمر معه شيء، وختم التأذين بأنَّ ملكوتَ اللهِ سيؤخذ ممَّن كذَّبه ويُدْفَع إلي أتباعه والمؤمنين به، فهَلَكَ من هَلَكَ عن بيِّنة، وعاش من عاش عن بيِّنة، فاستجاب أتباع المسيح حقًّا لهذا التأذين، وأباهُ الكافرونَ والجاحدونَ، فقال تعالي: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥].
وهذه بشارةٌ بأنَّ المسلمين لا يزالونَ فوق النَّصاري إلي يوم القيامة؛ فإن المسلمين هم أتباعُ المرسلين في الحقيقة، وأتباعُ جميع الأنبياء، لا أعداؤه. وأعداؤه عُبَّادُ الصليب الذين رَضُوا أنْ يكونَ إلَهًا مصفوعًا مصلُوبًا مقتولًا، ولم يَرْضَوا أن يكونَ نبيًّا عبدًا لله، وجيها عنده، مقرَّبًا لديه. فهؤلاء أعداؤه حقًّا، والمسلمون أتباعُه حقًّا.
والمقصود: أنَّ بشارة المسيح بالنبيِّ ﷺ فوقَ كلِّ بشارةٍ، لمَّا كان أقربَ الأنبياءِ إليه، وأَوْلاهُمْ به، وليس بينه وبينه نبيٌّ (مرسل صاحب شريعة وكتاب) (^١).
فصل
وتأمَّلْ قول المسيح: "إن أُرْكُون العالَم سيأتي"، وأُركون العالم: هو سيِّد العالم وعظيمه، ومَنِ الذي سادَ العالَم، وأطاعه العالَمُ بعد المسيح = غيرُ النبيِّ ﷺ؟!.
وتأمل قولَ النبيِّ ﷺ -وقد سئل ما أول أمرك؟ قال-: "أنا دعوة أبي
_________________
(١) ساقط من "ب، ج، ص".
[ ١٤٩ ]
إبراهيم، وبُشْري (^١) عيسي" (^٢). وطابِقْ بين هذا وبين هذه البشارات التي ذكرها المسيح. فمن الذي ساد العالَم باطنًا وظاهرًا، وانقادت له القلوب والأجساد، وأُطِيْع في السرِّ والعلانية، في محياه وبعد مماته في جميع الأعصار، وأفضلِ الأقاليم والأمصار، وسارت دعوته مَسِيرَ الشَّمس، وبلغٍ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار، وخَرَّتْ لمجيئه الأُمم علي الأذقان، وبَطلتْ به عبادةُ الأوثان، وقامت به دعوةُ الرحمن، واضمحلَّت به دعوة الشيطان، وأذلَّ الكافرين والجاحدين، وأعزَّ المؤمنين وجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، حتي أعلن بالتوحيد علي رؤوس الأشهاد، وعُبدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، في كلِّ حاضرٍ وباد، وامتلأتْ به الأرضُ تحَميدًا وتكبيرًا (^٣) لله وتهليلًا، وتسبيحًا، واكتستْ به -بعد الظُّلْمِ والظَّلامِ- عَدْلًا ونُورًا.
وطابقْ بين قولِ المسيح: "إن أُركون العالم سيأتيكم"، وقولِ أخيه محمَّدٍ ﷺ: "أنا سيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فَخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيبُ الأنبياء إذا وَفَدُوا، وإمامُهُم إذا اجتمعوا، ومبشِّرُهم إذا أَيِسُوا، لواءُ الحمدِ بيدي، وأنا أكرمُ ولدِ آدمَ علي ربيِّ" (^٤).
_________________
(١) في "غ": "وبشَّر بي".
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية: (٤/ ١٢٧، ١٢٨). قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح"، "مجمع الزوائد": (٨/ ٢٢٣).
(٣) ساقط من "غ".
(٤) أخرجه الترمذي في المناقب: (٥/ ٥٨٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في الزهد: (٢/ ٤٥٠).
[ ١٥٠ ]