(الوجه الرابع والعشرون): قوله في كتاب إِشَعْيَا: "أشكر حبيبي وابني أحمد". فلهذا جاء ذكره في نبوة إِشَعْيَا أكثر من غيرها من النبوات، وأعلن إِشَعْيَا بذِكْرِه ووَصْفِه ووَصْفِ أمته، ونادى بها في نبوَّته سرًّا وجهرًا لمعرفته بقدره ومنزلته عند الله.
وقال إشَعْيَا أيضًا: "إنَّا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمد".
وهذا إفصاحٌ باسمه ﷺ فَلْيُرِنَا أهلُ الكتاب نبيًّا نَصَّتِ الأنبياءُ على اسمه وصفته ونعته وسيرته وصفة أمته وأحوالهم سوى رسول الله ﷺ؟!
(الوجه الخامس والعشرون): قَوْلُ حَبَقُّوق في كتابه: "إنَّ الله جاء من اليمن (^١). والقُدُّوس من جبال فَارانَ، لقد أضاءتِ السماءُ من بهاءِ محمدٍ، وامتلأتِ الأرضُ من حَمْدِه، وشاع منظرُه مثل النُّور، يحوط بلادَه بعزَةٍ، تسيرُ المنايا أمامَه، وتصحب سِبَاعُ الطيرِ أجنادَهُ، قام يمسح (^٢) الأرض فتَضَعْضَعَتْ له الجبالُ القديمةُ وانخفضتِ الرَّوابي، فتزعزعتْ (أسوارُ مَدْيَنَ) (^٣)، ولقد حاز المساعي القديمة".
ثم قال: "زجْرُك في الأنهار، واحتدامُ صوتك في البحار، ركبتَ الخيول، وعلوتَ مراكب الأتقياء، وستنزع في قسِيِّك أعراقًا، وترتوي السهامُ بأمرك يا محمَّد ارتواءً، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف
_________________
(١) في "الجواب الصحيح": "التِّيمِن"، وكذلك في "أعلام رسول الله" لابن قتيبة. وفي "قاموس الكتاب المقدس" ص (٢٢٨): "تيمان: اسم عبري معناه اليميني أو الجنوبي. وقبيلة أيضًا … وتيمن: الصحراء الجنوبية".
(٢) في "غ": "فمسح".
(٣) في "غ": "سور مدائن".
[ ١٨٧ ]
عنك شؤبوب (^١) السيل، وتغيَّرت المهارى (^٢) تغييرًا، رفعت أيديها وجلًا وخوفًا، وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك، تدوِّخ الأرضَ وتدوس الأمم؛ لأنك ظهرت لخلاص أمتك، وإنقاذ تراث آبائك" (^٣).
فمن رام صرف هذه البشارة عن محمد فقد رام سَتْرَ الشَّمس بالنهار وتَغْطِيةَ البحار، وأنّى يقدر على ذلك وقد وصفه بصفات عيَّنت شَخْصَهُ وأزالت عَنِ الحيران لَبْسَه؟! بل قد صرَح باسمه مرتين، حتى انكشف الصبح لمن كان ذا عَيْنَيْن، وأخبر بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد ﷺ ولا تصلح إلا له ولا تنزل إلا عليه، فمن حاول صَرْفَها عنه فقد حاول صَرْفَ الأنهارِ العظيمة عن مجراها، وحَبْسَها عن غايتها ومنتهاها، وهيهات ما يروم المبطلون والجاحدون، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون.
فمن الذي امتلأتِ الأرضُ من حَمْدِه وحَمْدِ أمته لله في صلواتهم وخُطَبِهم وأدبار صلواتِهم وعلى السرَّاءِ والضرَّاءِ وجميع الأحوال سواء، حتى سماهم الله قبل ظهورهم الحمادين!
ومن الذي كان وجهه كأن الشمس والقمر يجريان فيه في ضيائه ونوره؟!
قَدْ عَوَّدَ الطيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهَا … فهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كلِّ مُرْتَحَلِ (^٤)
_________________
(١) الشؤبوب: الدفعة من المطر.
(٢) في "غ": "المهادي". والمهارى: الإبل النجائب.
(٣) انظر معناه في العهد القديم، حبقوق: (٣/ ٣ - ١٣).
(٤) لصريع الغواني، مسلم الوليد الأنصاري. انظر ديوانه ص (١٢)، وقد جاء البيتان في المطبوعة من "الهداية" متداخلين هكذا: =
[ ١٨٨ ]