في البحر" (^١).
قال ابن قتيبة (^٢): وزاد فيه بعض أهل الكتاب: "وستنزع في قِسِيِّك أعراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءً". وهذا إفصاحٌ باسمه وصفاته، فإنِ ادَّعوا أنه غيره، فمن أحمدُ هذا الذي امتلأت الأرض من تحميده، الذي جاء من جبال فاران فَمَلَك رقابَ الأُمم؟!
(الوجه السادس) (^٣): قوله في الفصل التاسعِ من السفر الأول من التوراة: "إنَّ هاجر لما فارقت سارة وخاطبها المَلك فقال: يا هاجر من أين أقْبَلْتِ؟ وإلي أين تريدينَ؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإنّي سأكثِّر ذريتك وزرعك حتي لا يُحْصَونَ، وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا اسمه إسماعيل، لأنَّ الله قد سمع ذلك وخُضُوعَك، وولدُك يكون وحْشَ الناس، يدُه فوقَ يدِ الجميع، ويدُ الكلِّ به، ويكون مسكنُه (^٤) علي تخوم (^٥) جميع إخوته" (^٦).
قال المستخرجون لهذه البشارة (^٧): معلوم أنَّ يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد ﷺ لم تكن فوق أيدي بني إسحاق، بل كان في أيدي بني إسحاق النبوَّة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمنَ يوسفَ مع يعقوب، فلم
_________________
(١) "حبقوق": (٣/ ٣ - ٥).
(٢) انظر كتابه: "أعلام رسول الله المنزلة علي رسله" لوحة (٣).
(٣) في "غ": "ومن ذلك، وهو الوجه السادس". وتقدم الوجه الخامس في ص (١٢٧).
(٤) في "غ": "مسألته".
(٥) في "ج" "نحو".
(٦) العهد القديم، سفر التكوين: (١٦/ ٧ - ١٣).
(٧) انظر: "أعلام رسول الله المنزلة علي رسله" لابن قتيبة لوحة (٢ و٣).
[ ١٦٠ ]
يكن لبني إسماعيل فوقَهم يدٌ، ثم خرجوا منها لما بُعِث موسي، وكانوا مع موسي من أعزِّ أهل الأرض، ولم يكن لأحدٍ عليهم يَدٌ، ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود ومُلْكِ سليمانَ، الملكِ الذي لم يُؤْتَ أحدٌ مِثْلَه، فلم تكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم بَعثَ اللهُ المسيحَ فكفروا به وكذَّبوه، فدمَّر عليهم تكذيبهم إياه وزال ملكهم، ولم يقم لهم بعده قائمة، وقطَّعهم الله في الأرض أُممًا.
وكانوا تحت حكم الروم والفرس وقهرهم، ولم يكن يد ولد إسماعيل عليهم في هذا الحال، ولا كانت فوق يد الجميع إلى أن بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ برسالته وأكرمه الله بنبوَّته فصارت بمبعثه يَدُ بني إسماعيل فوقَ الجميع، فلم يَبْقَ في الأرض سلطان أعزّ من سلطانهم، بحيث قهروا سلطانَ فارس والرُّوم والترك والدَّيْلم، وقهروا اليهودَ والنصاري والمجوسَ والصابئةَ وعُبَّادَ الأصنام، فظهر بذلك تأويلُ قولِه في التوراة: "ويكون يده فوق يد الجميع، ويد الكل به" (^١). وهذا أمرٌ مستمرٌّ إلى آخر الدهر.
قالت اليهود: نحن لا ننكر هذا، لكن هذه بشارة بملكه وظهوره وقهره لا برسالته ونبوَّته.
قال المسلمون: المُلْكُ مُلْكانِ: مُلْكٌ ليس معه نبوَّة، بل ملك (^٢) جبار متسلِّط، ومُلْأ نفسُه نبوَّة. والبشارة لم تقع بالملك الأول، ولاسيما إن ادَّعي صاحبه النبوة والرسالة وهو كاذبٌ مفترٍ (^٣) علي الله فهو من
_________________
(١) ساقطة من "ب، ج".
(٢) ساقطة من "غ".
(٣) في "غ": "مفتري".
[ ١٦١ ]