شاء الله ﷿ أن تكون رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات السماوية، والتي اختصت عرفًا بمدلول كلمة "الإسلام" كما أن كلمة "اليهودية" أو "الموسوية" تخص شريعة موسى، ﵇، وما اشتق منها، وكلمة "النصرانية" أو "المسيحية" تخص شريعة عيسى ﵇ وما تفرع عنها.
وهذه الرسالة التي أنزلها الله على نبينا محمد ﷺ بلغت ذروة الكمال، وجاءت دعوة إنسانية عالمية، لا تخاطب قومًا بأعيانهم، ولا جنسًا بذاته، رضيها الله تعالى للناس دينًا، فكانت هي "الدين" الكامل الذي أتمَّ الله تعالى به علينا نعمته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة/ ٣].
وبعد أن كان الموكب الكريم من الرسل والأنبياء ﵈ يرفع راية التوحيد، ويهتف كلٌ بقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح/ ٢]، ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف/ ٥٩] جاء خاتم النبيين وجامع كلمة المرسلين فجمع الرايات كلها تحت راية واحدة، وجعل ينادي الناس جميعًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة/ ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء/ ١٧٤]، ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم/ ٥٢]، بل هو بلاغ لكل من بلغه خبره وانتهى إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام/ ١٩]، والجن والإنس في
[ ٢٩ ]
هذا الخطاب والبلاع سواء (^١) ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام/ ١٣٠، الرحمن/ ٣٣].
وقد فصّل الله تعالى في القرآن الكريم سمات هذه الدعوة العالمية العامة، وعرضها على أعين الناس في كثير من آياته، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف/ ١٥٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ/ ٢٨]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء/ ١٧٠]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان/ ١].
وأشار رسول الله ﷺ، إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: "أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأُحلّت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيِّبة وطهورًا ومسجدًا، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان، ونُصرت بالرُّعب بين يدي مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة" (^٢).
_________________
(١) للإمام ابن تيمية رسالة عنوانها "إيضاح الدلالة في عموم الرسالة" في الفتاوى (١٩/ ٩ - ٦٥)، وقد نشرها الشيخ محمد منبر الدمشقي في المجلد الثاني من "مجموعة الرسائل المنيرية". وانظر أيضًا: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (١/ ١٦٦) وما بعدها.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٣٦) في التيمم، ومسلم واللفظ له (١/ ٣٧٠) كتاب =
[ ٣٠ ]
وقال ﵊: "فُضِّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرُّعب، وحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (^١).
خاتم النبيين:
ومن ثم كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانت رسالته خاتمة الرسالات: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب/ ٤٠].
ويصور الرسول الكريم ﷺ ختم رسالته للرسالات السابقة، وكيف أتمَّ البناء الذي تعاقبت عليه رسل الله الكرام، فيقول: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بني بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية [من زواياه] فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلَّا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (^٢).
ودعوته ناسخة للرسالات السابقة:
وإذا كان محمد ﷺ قد أرسل من عند الله تعالى بدين بلغ ذروة الكمال الذي لا كمال بعده، وتوجه الخطاب فيه للعالمين كافة، وختم
_________________
(١) = المساجد وفي رواية أخرى بلفظ "وأُرسلت إلى الخلق كافة".
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٧١) في المساجد.
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٥٥٨) في المناقب، ومسلم (٤/ ١٧٩٠) في الفضائل. ولأبي الأعلى المودودي كتاب ختم النبوة في ضوء الكتاب والسنة، وللندوي: النبي الخاتم.
[ ٣١ ]
الله به الرسالات، فإن النتيجة المنطقية اللازمة لهذا الكمال ولتمام النعمة أن تنقطع صلة الإنسانية عن سائر الرسالات والنبوات السابقة في طاعتها واتباعها، مع الإيمان بأصولها المنزلة - لا بما آلت إليه بعد التحريف على يد الأتباع.
فكل ما جاء به الأنبياء السابقون وعرضوه على الإنسانية ودَعَوْها إلى اتّباعه، قد نُسخ برسالة محمد ﷺ، وما من شك أن الإيمان بنبوتهم وصدق دعوتهم على وجه الإجمال لازم لابد منه، إذ ما كانوا إلا دعاة إلى الإسلام، وما التصديق بدعوتهم إلا تصديق بالإسلام، ولكن مع ذلك انقطعت بهم صلة الإنسانية في طاعتها واتباعها فعلًا، وإنما ارتبطت برسالة محمد ﷺ وتعليمه وأسوته الحسنة؛ لأن الذي يقتضيه المبدأ:
أولًا: أن لا تعود الإنسانية بحاجة إلى المنسوخ بعد أن جاءها الكامل.
وثانيًا: أنه قد لعبت يد التحريف والإهمال بسيرة وتعاليم الأنبياء السابقين (^١) مما لم يعد من الممكن، لأجله، أن تتبعهم الإنسانية فعلًا.
ومن هنا، فإن القرآن الكريم حيثما يأمر بطاعة الرسول واتباع أحكامه وأوامره، لا يأتي بكلمة "الرسول" و"النبي" إلا معرّفتين بالألف
_________________
(١) اقرأ -إن شئت- "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله العثماني ٢٠٧ - ٢٩٨، "الرسالة الخالدة" للسيد سليمان الندوي ٤١ - ٦٨، "المسيح في مصادر العقائد المسيحية" للمهندس أحمد عبد الوهاب ٧٧ وما بعدها، "محاضرات في النصرانية" للشيخ محمد أبي زهرة ٧٧ وما بعدها، "الجواب الصحيح" لابن تيمية (١/ ٣٦٢ وما بعدها و٢/ ٣ - ٢٧).
[ ٣٢ ]
واللام- لتكونا خاصتين بمحمد ﷺ (^١).
يقول الله تعالى مثلًا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران/ ١٣٢]، ويقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٥٩]، ويقول أيضًا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء/ ٨٠].
والقرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة:
وكذلك فإن القرآن الكريم قد جعله الله تعالى مهيمنًا على ما سبقه من الكتب السماوية، وهو كلمة الله الأخيرة لهذه البشرية، التي يجب أن يفيء إليها الناس كلهم حتى يكونوا مؤمنين، ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يُرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة/ ٤٨].
وكما استعمل الله تعالى كلمتي "الرسول" و"النبي" معرفتين عند الأمر بطاعتهما، لتكون خاصة بمحمد ﷺ ودالة على كماله، كذلك جاء لفظ "الكتاب" في هذه الآية للدلالة على القرآن الكريم الدلالة نفسها، فهو الكتاب الكامل الجدير بأن يسمى كتابًا، وأن ينصرف إليه معنى
_________________
(١) انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" - لابن حزم (٢/ ٧٣٢ - ٧٤٣)، "كشف الأسرار" للبخاري (٣/ ١٥٨ - ١٦٢)، "الحضارة الإسلامية" للمودودي ١٩٢ - ١٩٦، "الأسفار المقدسة في الأديان السابقة" د. علي عبد الواحد وافي ٨٧ - ٩٢.
[ ٣٣ ]
الكتاب الإلهي الكامل الصادق عند الإطلاق، لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماوي، وتفوّقه على بقية أفراده، بعد أن استعمل في الآيات السابقة لهذه الآية لفظ التوراة والإنجيل للكتابين اللذين أنزلهما الله على موسى وعيسى ﵉ (^١).
ليظهره على الدين كله:
وقد أخبر الله سبحانه ووعد بإظهار هذا الدين على سائر الأديان فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة/ ٣٣]. فالله تعالى يُعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان والهداية والعرفان، والعلم والعمران، وكذا السيادة والسلطان، ولم يكن لدين من الأديان مثل هذا التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي إلا للإسلام (^٢). ولقد صح عن النبي ﵊ الوعد بإظهار الدين ونصره والتمكين لأهله (^٣)، وقد تحقق هذا الوعد الصادق بإذن الله.
دعوة أهل الكتاب للإيمان بمحمد:
ولأجل هذا فإن الله تعالى يأمر بالإيمان بمحمد ﷺ، وطاعته واتباع شريعته، حتى الأمم المؤمنة برسالة نبي من الأنبياء السابقين فإن القرآن
_________________
(١) انظر: "الظلال" (٦/ ٩٠٢)، "تفسير أبي السعود" (٢/ ٦٧)، "تفسير المنار" لرشيد رضا (٦/ ٤١٠).
(٢) انظر تفسير المنار لرشيد رضا (١٠/ ١٧٥).
(٣) ذكر الإمام ابن كثير جملة من هذه الأحاديث في التفسير (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١).
[ ٣٤ ]
يوجه إليها هذا الخطاب أيضًا، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة/ ١٥ - ١٦].
تهديد ووعيد ..
ثم يأتي التهديد والوعيد الشديد لمن يعرض منهم عن الإيمان بما نزل الله تعالى على محمد ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء/ ٤٧].
وتأتي سورة البينة لتقرر ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون الذين كفروا برسالة محمد ﷺ من الانحراف عن دين الله ومنهجه، وتقرر أنهم كانوا يُعلِّقون تحولهم وانفكاكهم عما هم عليه من الانحراف والكفر على بينة واضحة؛ هي بعثة نبي جديد، تكون سبب هدايتهم وتحويلهم عما هم عليه من ضلال وانحراف. ولكن عندما جاءتهم الهداية ممثلة بالكتاب المنزل: القرآن الكريم، والنبي المرسل، محمد ﷺ كفروا بهما، واستمروا على كفرهم وانحرافهم، فاستحقوا أن يدمغهم القرآن الكريم بأنهم ﴿هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة/ ٦] أما الذين آمنوا وصدقوا، في مقابل أولئك الذين كفروا فأولئك: ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة/ ٧ - ٨].
[ ٣٥ ]
وجاءت أحاديث النبي ﷺ تبين هذا المعنى، وتوجب على كل من يسمع به أن يؤمن به ويتبعه، ويترك ما كان من شريعة سابقة انتهى العمل بها بعد مجيء محمد خاتم الأنبياء ﵊، فقال ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (^١).
ومؤمن أهل الكتاب، الذي يتبع محمدًا ﷺ له أجره مرتين، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله تعالى وحق سيده، فله أجران. ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدَّبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران" (^٢).
وعندما ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان بين يدي الساعة، ينزل حاكمًا بشريعة محمد ﷺ، فما عذر أهل الكتاب في عدم إيمانهم به واتباعهم له ﷺ؟ فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (^٣)، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٣٤) في الإيمان.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٩٠) في العلم، ومسلم (١/ ١٣٤ - ١٣٥) في الإيمان.
(٣) أي لا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم لم يكفّ عنه، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل.
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ٤١٤) في البيوع، ومسلم (١/ ١٣٥ - ١٣٦) في الإيمان.
[ ٣٦ ]
مواقف إيجابية حكاها القرآن الكريم:
ولكن فريقًا من أهل الكتاب، من الذين فتح الله قلوبهم للحق والإيمان، وأبصارهم للهدى والنور، فأدركوا حقيقة الدعوة التي انتظروها والنبي الذي كانوا يستفتحون به، هذا الفريق قد آمن فعلًا بمحمد ﷺ واتبعه، ولِمَ لا يؤمنون؟ وقد قامت الأدلة كلها على صدق هذا النبي، بعد أن بشرت به كتبهم ورأوا أعلام نبوته ﷺ وقد حكى الله تعالى ذلك وسجَّله فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (^١) [الإسراء/ ١٠٧ - ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (^٢) [القصص/ ٥٢ - ٥٥] … في آيات كثيرة في هذا المعنى، وسيأتي بعضها أيضًا في مناسبات أخرى.
وحفظها الواقع التاريخي:
وحفظ لنا الواقع التاريخي تصديق ذلك، بإسلام أكثر أهل العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا الله، من أولئك الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب، فرقعة الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجًا، حتى صار الكفار معهم تحت
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٥٣ - ١٥٤)، ابن كثير (٣/ ٦٩).
(٢) انظر: البغوي مع الخازن (٥/ ١٤٧)، وابن كثير (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥).
[ ٣٧ ]
المذلة والصَّغار، والذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا، وإنما بقي منهم أقل القليل، وقد دخل في دين الله من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله ﷺ خلق كثير (^١) ".
وفي العصر الحديث:
وفي العصور الحديثة، نجد أمثلة كثيرة على ذلك، من أولئك الذين يدخلون في دين الإسلام ولا يستكبرون عن عبادة الله، وهم من المقدّمين في قومهم النصارى أو اليهود؛ فيهم علماء دينهم، ورجال الدولة والسياسة، وفيهم العلماء ورجال الفكر الثاقب، وفيهم الكتاب والأدباء والمصلحون والوعاظ ورجال الاجتماع وغيرهم .. (^٢).
لا يتحقق إيمان اليهود والنصارى إلا بإيمانهم بمحمد ﷺ:
ولا يتحقق أصلًا إيمان اليهود والنصارى إلا بإيمانهم بمحمد ﷺ واتباعه في دينه الذي أنزله الله، وإلا فما هم بمؤمنين ولا مسلمين، فاليهود الذين آمنوا بموسى ﵇ وصدقوا بكتابه، وآمنوا بالرسل قبله كانوا مسلمين لله حتى أنزل الله شريعة عيسى، فوجب عليهم -ليحققوا إيمانهم- أن يؤمنوا به ويتبعوه وينفكّوا عن الشريعة السابقة، وكل من اليهود والنصارى عند بعثة محمد ﷺ -وجب عليهم- ليكونوا
_________________
(١) انظر فيما سيأتي ص (٥٥) وما بعدها من نص المؤلف ﵀.
(٢) انظر أمثلة عن هؤلاء وتراجمهم في كتاب: "لماذا أسلمنا" وهو مجموعة مقالات لنخبة من رجال الفكر عن سبب إسلامهم، ترجمة مصطفى جبر، وكتاب: رجال ونساء أسلموا تأليف كامل عرفات العش.
[ ٣٨ ]
مسلمين أن يؤمنوا بنبوة محمد ﷺ ورسالته، فإن لم يفعلوا فما هم بمؤمنين ولا مسلمين، وذلك أنهم أنكروا نبوة رسول من عند الله تعالى ورفضوا الإيمان برسالة أنزلها الله تعالى.
الإيمان بمحمد ﷺ شرط للإيمان بنبوة الأنبياء جميعًا:
فالإيمان بنبوة محمد ﷺ شرط للإيمان بنبوة الأنبياء جميعًا ﵈، إذ لا يمكن الإيمان بنبي من الأنبياء أصلًا مع جحود نبوة محمد رسول الله ﷺ، ومن جحد نبوته فهو لنبوة غيره من الأنبياء أشد جحدًا.
وهذا يتبين بوجوه:
الوجه الأول: أن الأنبياء المتقدمين بشَّروا بنبوته، وأمروا أممهم بالإيمان به، فمن جحد نبوته فقد كذّب الأنبياء قبله فيما أخبروا به، وخالفهم فيما أمروا وأوصوا به من الإيمان به. والتصديق به لازم من لوازم التصديق بهم، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه قطعًا، وبيان الملازمة هي الوجوه الكثيرة التي تلي هذا مباشرة، وهي تفيد بمجموعها القطع على أنه ﷺ قد ذكر في الكتب الإلهية على ألسن الأنبياء.
الوجه الثاني: أن دعوة محمد ﷺ هي دعوة جميع المرسلين قبله، من أولهم إلى آخرهم، فالمكذب بدعوته مكذبٌ بدعوة إخوانه كلهم، وهذا التكذيب كفر، فوجب الإيمان بدعوته ﵇ واتباعه.
الوجه الثالث: أن الآيات والبراهين التي دلت على صحة نبوته وصدقه ﵊ أضعاف أضعاف آيات من قبله من الرسل (^١)، فليس لنبي من الأنبياء آية توجب الإيمان به إلا ولمحمد ﷺ
_________________
(١) اقرأ في دلائل نبوته ﵊: الجزء الرابع من الجواب الصحيح =
[ ٣٩ ]
مثلها أو ما هو في الدلالة مثلها، وإن لم يكن من جنسها، فآيات نبوته ﵊ أعظم وأكبر، والعلم بنقلها قطعي، لقرب العهد وكثرة النّقلة واختلاف أمصارهم وأعصارهم واستحالة تواطئهم على الكذب، فالعلم بآيات نبوته كالعلم بنفس وجوده وظهوره، فإذا جاز القدح في ذلك كله، فالقدح في وجود عيسى وموسى وآيات نبوتهما أشد جوازًا، وإن امتنع القدح فيهما وفي آيات نبوتهما فامتناعه في محمد ﷺ وآيات نبوته أشدّ (^١).
ولو لم يظهر محمد لبطلت نبوة الأنبياء:
ولو لم يظهر محمد ﷺ لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار الله سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات/ ٣٧] فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئه، فمجيؤه هو نفس صدق خبرهم، فكان مجيؤه تصديقًا لهم، إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين شهادته بصدقهم وإيمانه بهم، فإنه صدقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصدقهم بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله، ومثل هذا قول المسيح فيما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم عنه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف/ ٦] فإن التوراة لما بشرت به
_________________
(١) = لابن تيمية، "تثبيت دلائل النبوة" للقاضي عبد الجبار بن أحمد، "دلائل النبوة" للبيهقي، و"أعلام النبوة" للماوردي. و"إظهار الحق" للشيخ رحمة الله. وسيذكر المصنف ﵀ طائفة من الأدلة.
(٢) انظر فيما سيأتي كلام المصنف هذا في ص (٤٢٩) وما بعدها.
[ ٤٠ ]
وبنبوته كان نفس ظهوره تصديقًا لها، ثم بشَّر برسول يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا للتوراة، فعادة الله في رسله: أنّ السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق، فلو لم يظهر محمد بن عبد الله ﷺ ولم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله (^١).
عهد وميثاق …
ومن حكمة الله سبحانه أنه ما بعث نبيًا إلا وقد أخذ عليه وعلى أتباعه العهد أن يؤمنوا بالنبي الذي يأتي بعده ويصدقوه وينصروه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران/ ٨١ - ٨٢] فقد أخبر الله تعالى أنه أخذ الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضًا، وأخذ الأنبياء على أممهم وأتباعهم الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به؛ لأن الأنبياء ﵈ أرسلوا بذلك إلى أممهم، ولم يدّع أحد ممن صدّق المرسلين أن نبيًا أُرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله ﷿ وحججه في عباده، بل كلها -وإن كذب بعض الأمم بعضَ أنبياء الله بجحودها نبوته- مقرّة بأنّ مَنْ ثبتت صحة نبوته -فعليها الدينونة بتصديقه، فذلك ميثاق مقرٌّ به جميعهم (^٢).
فمهما آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول من بعده لابد أن يؤمن به وينصره، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم
_________________
(١) ص (٣٧١ - ٣٧٢) فيما سيأتي.
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٥٥٧) بتحقيق محمود شاكر.
[ ٤١ ]
والنبوة من اتباع من بُعث بعده ونصرته، وها قد بعث الله تعالى محمدًا ﷺ، وجاء مصدقًا لما بين يديه من الكتاب (^١)، وقد أخذ الله الميثاق والعهد على أهل الكتاب أن يؤمنوا به، فوجب الوفاء بذلك الميثاق والعهد، واكتفى -سبحانه- بذكر الأنبياء في الآية لأن العهد على المتبوعين عهد على الأتباع، ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره فوجوب ذلك على من اتبعهم أولى وأحرى.
وهذا هو معنى ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ حيث قالا: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمِننَّ به ولينصرنَّه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصُرُنّه (^٢).
بشارات الكتب السابقة بنبوة محمد ﵊:
وليس لأهل الكتاب أي عذر في عدم إيمانهم بمحمد ﷺ، وقد
_________________
(١) والمراد بالتصديق لما معهم -مع مخالفة شرعه ﵊ لشرعهم- حصول الموافقة في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها، وإن وقع الخلاف فيها، فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفقون على أن الحق في زمان موسى ﵊ ليس إلا شرعه، وأن الحق في زمان محمد ﵊ ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف إلا أنه في الحقيقة وفاق. وكذلك كان ظهوره ﵊ على ما هو مطابق لوصفه في كتبهم -كما سيأتي- تصديقًا لما معهم. انظر: "تفسير الفخر الرازي" (٨/ ١٣١).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٥٥٥ - ٥٥٦)، ابن كثير (١/ ٣٧٦)، "روح المعاني" (٣/ ٢٠٩)، البغوي (١/ ٣١٣)، "الرد على المنطقيين": ٤٥١.
[ ٤٢ ]
بشرت كتبهم بنبوته وأشارت إلى ذلك (^١)، نجد هذا حكاية عنهم في القرآن الكريم، ونجد له شاهدًا من الواقع التاريخي منذ عهد الرسول ﷺ، ويتفق هذا كله مع نصوص كتبهم التي يعتمدون هم عليها، سواء في العهد القديم أو الجديد. وإليك شيئًا من البيان لذلك كله:
حكى الله تعالى ذلك في القرآن الكريم:
أما القرآن الكريم، فقد حكى الله تعالى: أن التوراة والإنجيل قد احتوى كل منهما على إشارات إلى بعثة محمد ﷺ ونبوته وصفته وصفة أصحابه. فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف/ ١٥٧].
وهم يعلمون صدقه ﵊ وصدق الكتاب الذي أنزل عليه:
فترى علماءهم الصادقين يقرُّون بذلك، وإنهم ليعلمون أنه الحق من ربهم فيصدقونه، وإذا تلا عليهم الآيات تراهم يخرون للأذقان سُجَّدًا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة/ ٨٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء/ ١٠٧ - ١٠٩].
_________________
(١) ساق الإمام ابن القيم اثني عشر وجهًا تدل على أنه ﷺ مذكور في الكتب المتقدمة، ومنها البشارات بنبوته في كتبهم. انظر فيما سيأتي ص (١٠٩) وما بعدها.
[ ٤٣ ]
وهذه صفته ﵊ وصفة أصحابه عندهم، في كتبهم، كما حكاها الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح/ ٢٩].
وحكى الله تعالى بشارة عيسى ﵇ بمحمد ﷺ فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف/ ٦].
وتجمعت هذه الشواهد كلها لتعطي أهل الكتاب علمًا يقينيًا بمعرفة نبوته ﷺ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام/ ٢٠].
ولكن فريقًا منهم يكتمون هذا الحق والعلم اليقيني مع علمهم بأنه حق، وفي هذا ما فيه من البشاعة والجحود، فقال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/ ١٤٦].
وبعد شهادة الله تعالى ليس هناك شهادة، فهو سبحانه أصدق القائلين وخير الشاهدين.
ولهذه البشارات شواهد سجلها التاريخ:
ولتقوم الحجة على أهل الكتاب أكثر نستدعي شهودًا منهم -وهم أولئك الذين سجّل التاريخ شهاداتهم واعترافاتهم بأنهم ينتظرون نبيًا
[ ٤٤ ]
سوف يبعثه الله، وقد بشرت به كتبهم، فقد سبقت آنفًا الإشارة إلى عدد من رؤساء النصارى الذين أسلموا في حياة الرسول ﵊ لمّا بلغتهم دعوته، لأنهم عرفوها أولًا وعرفوا نبيها من كتبهم التي بشرت به، فما كانوا يرجمون الغيب، بل يعترفون بحقٍّ وجدوه مجسدًا في كتبهم (^١).
فهذه شهادتهم القولية، وتلك شهادتهم الواقعية، اتفقتا معًا على تأكيد ما نجد من إشارات إلى بعثته ﵊ في كتبهم التي بين أيديهم اليوم، رغم كل ما أصابها من تحريف وتزوير، ورغم الكتمان لكثير منها.
ملاحظات بين يدي البشارات:
ونقدم بين يدي هذه البشارات التي ساقها المصنف ﵀ بعض الملاحظات المتعلقة بهذه البشارات وطبيعتها وتفسيرها:
١ - مع إيماننا بأن ما بين أيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكتب ليس هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى وحيًا على موسى وعيسى ﵉، ورغم ما وقع فيهما على أيدي الأتباع من كتمان وتحريف -فهم يلبسون الحق بالباطل ويخلطونه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل- ويكتمون الحق ويخفونه ويحرِّفون الكلم عن مواضعه لفظًا ومعنى، ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليلبسوا على السامعين اللفظ المنزل بغيره (^٢) -رغم هذا كله- فإن إشارات كثيرة لا تزال بين طيَّات هذه الكتب،
_________________
(١) انظر فيما سيأتي ص (٥٥) وما بعدها من كلام المصنف رحمه الله تعالى.
(٢) قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ =
[ ٤٥ ]
تحمل النبوءات والبشارات بنبوة محمد ﷺ وكأن الله تعالى أبقاها ليخزيهم ويظهر ما هم عليه من باطل، ولتقوم عليهم الحجة من كتبهم التي يقدسونها، ولما كثرت هذه البشارات وما استطاعوا كتمانها كلها أخذوا يحرفون فيها ويؤولونها تأويلات باردة ليصرفوها عن معناها الحقيقي الدالّ على نبوة محمد ﷺ وليجعلوا بعضها خاصًا بعيسى ﵇!
٢ - هذه البشارات على نوعين:
منها ما يكون إشارات مجملة -غالبًا- ولا تنطق باسمه ﷺ واسم بلده مثلًا، بل تذكر صفته ونعته ونعت أمته ومخرجه، وشيئًا من صفات دعوته ورسالته وثمراتها، ويكون في هذا أبلغ دلالة على المطلوب من ذكره باسمه الصريح، فإن الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل به التعريف والتمييز، ولا يشاء أحد، يسمى بهذا الاسم، أن يدعي أنه هو إلا فعل، إذ الحوالة إنما وقعت على مجرد الاسم، وإن كان هذا الإخبار مجملًا غير واضح عند العوام من الناس فإنه يصير عند الخواص جليًا بواسطة القرائن التي تحف به وقد يبقى خفيًا عليهم أيضًا لا يعرفون صدقه إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عنه وظهر صدق ادعائه بظهور علامات النبوة والمعجزات على يديه.
ومن هذه البشارات ما يكون تفصيلًا تامًا بالاسم الصريح للنبي
_________________
(١) = وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/ ٧١]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة/ ١٥]، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء/ ٤٦، المائدة/ ١٣]، ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/ ٧٨].
[ ٤٦ ]
وبلده … الخ، وهذا يتفق مع ما حكاه الله تعالى على لسان بعض أنبيائه، في القرآن الكريم من البشارة بمحمد ﷺ، وسيأتي أمثلة على كلا النوعين -إن شاء الله تعالى-.
٣ - قد يدَّعي بعض أهل الكتاب أنهم ما كانوا ينتظرون نبيًا آخر غير عيسى وإيلياء، ولذلك -بزعمهم- لا تنطبق البشارات على محمد، ﵊، إذ عيسى عندهم خاتم الأنبياء.
وهذا زعم باطل وادعاء لا أصل له، بل كانوا ينتظرون نبيًا جديدًا غيرهما؛ يدل على ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا: "وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنةً ولاويين ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، واعترف: إني لست أنا المسيح، فسألوه: إذن ماذا، أإيلياء أنت؟ فقال: لست إياه. فسألوه: أنت النبي؟ فأجاب: كلا. فقالوا له: من أنت؟ لنعطي جوابًا للذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية، قوِّموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي" (^١).
فعلماء اليهود المعاصرون لعيسى ﵇ سألوا يحيى ﵇ أولًا: هل أنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: أنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظرًا قبل المسيح وإيلياء، وكان مشهورًا بحيث لم يكن محتاجًا إلى ذكر الاسم، بل الإشارة إليه كافية.
وإذا كانوا ينتظرون نبيًا آخر غير عيسى وإيلياء، فيعلم من هذا قطعًا
_________________
(١) إنجيل يوحنا، الفصل الأول، رقم ١٩ - ٢٣ طبع الكاثوليكية بيروت، ص ١٥٥.
[ ٤٧ ]
أن عيسى ﵇ ليس خاتم الأنبياء، ثم إنهم يعترفون بنبوة الحواريين وبولس! بل بنبوة غيرهم أيضًا، فكيف يكون عيسى خاتم الأنبياء -بزعمهم- (^١).
٤ - الأخبار والبشارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى ﵇ لا تصدق عليه، بناء على تفاسير اليهود وتأويلاتهم لها، ولذلك فهم ينكرونه أشد الإنكار. وعلماء المسيحية لا يلتفتون إلى تفسيرات اليهود في هذا الشأن وتأويلاتهم، ويفسرونها بحيث تصدق على عيسى ﵇. ولئن كانت هذه التأويلات بنظر المسيحيين غير صحيحة وغير لائقة، كذلك تأويلات المسيحيين في الإخبارات التي هي في حق محمد ﷺ مردودة غير مقبولة، وسيظهر أن الإخبارات أو البشارات التي ستأتي في حق محمد ﷺ أظهر صدقًا من تلك التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇ (^٢).
ومن هنا قال الإمام ابن القيم ﵀ فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق، الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. والنصارى إنما تؤمن بمسيح دعا إلى عبادة نفسه وأمه، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذاب، لو كان له وجود. فإن المسيح الكذاب يزعم أنه الله. والنصارى -في الحقيقة- أتباع هذا المسيح، كما أن اليهود ربما ينتظرون خروجه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي
_________________
(١) راجع: إظهار الحق للشيخ رحمة الله ٥٠٥ - ٥٠٧.
(٢) إظهار الحق للشيخ رحمة الله ٥٠٧ - ٥٠٨.
[ ٤٨ ]
بُشِّروا به (^١)، فالنصارى آمنوا بمسيح لا وجود له، واليهود ينتظرون المسيح الدجال!
٥ - من عادة أهل الكتاب، سلفًا وخلفًا، أنهم يترجمون -غالبًا- الأسماء في تراجمهم ويوردون بدلها معانيها، وتارة يزيدون شيئًا بطريق التفسير في الكلام، دون إشارة إلى هذه الزيادة. وهذا يجعل الأسماء المترجمة محرفة وغامضة، وفي كتبهم شواهد كثيرة على ذلك، فلا عجب، إذن، أن يحرفوا ويبدلوا اسم النبي محمد ﷺ، بلفظ آخر، بحيث يخل ذلك بالاستدلال، جريًا على عادتهم السالفة وعنادًا وجحودًا.
ولذلك لم تكن النسخ المتداولة لكتبهم متفقة، إذ قد يوجد في نسخة ما لا يوجد في غيرها، ومن هنا نجد نقولات من تراجم كتبهم التي كانت متداولة في العصور السالفة، نقلها علماء أعلام من المسلمين ليحاجّوا أهل الكتاب، قد لا نجدها موافقة في بعض الألفاظ أو في كثير منها للتراجم المشهورة الآن، بسبب ذلك التغيير في الترجمة والتحريف فيها.
فمثلًا، ناقش الإمام ابن حزم النصارى ونقل نصوصًا كثيرة عنهم من الأناجيل، في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنِّحل". ليبين تضاربها وتناقضها مع بعضها، وكذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، والإمام الغزالي والقرطبي، وأبو عبيدة الخزرجي، وغيرهم من العلماء، نقلوا نصوصًا من كتب النصارى قد لا نجدها موافقة في ألفاظها للإنجيل الموجود عندهم حاليًا وبالطبع لو أن أحدًا من أولئك العلماء المسلمين قد غيّر أو كذب فيما نقل لبيّن النصارى
_________________
(١) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ص (٣٨٤).
[ ٤٩ ]
ذلك وردوه (^١).