لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀-كتاب ضخم هو "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح"، كتبه ردًا على "الرسالة القبرصية" التي كتبها بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، وهو من أعظم الكتب في الجدل مع النصارى والردِّ على شبهاتهم، ونقض أصولهم المحرَّفة، وفي الدفاع عن الإسلام أمام هجوم النصارى. يقول فيه الشيخ محمد أبو زهرة ﵀: "جمع بين المناقشة الخصبة المنتجة؛ والعلم الصحيح العميق، فهو من ناحية: مرجع في بابه، وحقائق علمية صادقة عميقة؛ ومن ناحية أخرى: جدل ومناظرة جيدة محكمة عميقة … وابن تيمية في هذا الكتاب مدافع، وليس بمهاجم؛ ولكنه -كدأبه في الجدل- يهدم حجة خصمه، ويفلّ سيفه الذي يشهره عليه، ثم يغير عليه في قوة
[ ٥٩ ]
وشدة، وإن كانت مناقشته في هذا الكتاب هادئة في جملتها، ومهما يكن الباعث على الكتاب من ردِّ هجومهم، فقد كان في دفاعه مهاجمًا؛ لأن خير الدفاع ما كان هجومًا" (^١).
ويلتقي كتاب "الهداية" لابن القيم مع كتاب "الجواب الصحيح" لشيخه ابن تيمية، في أن كلًا منهما كتب للرد على ما أثاره بعض النصارى وما طعنوا به، وفي أن كلا الكتابين فيهما -مع الدفاع عن الإسلام- هجوم على المعتقدات الباطلة، وإقامة للحجة على أصحابها بطرق شرعية وعقلية وإلزامية. وبهذا اتفق موضوع الكتابين ومنهجهما العام.
ولا ضير في أن يستفيد المصنف من كتاب شيخه في مواضع كثيرة من كتابه، وأن ينقل عنه بعض النصوص، وهذا واضح في مواضع كثيرة، ولكن هذا لا يعني أن "الهداية" مختصر من "الجواب الصحيح" أو تلخيص له، كما قد يتراءى لبعضهم، فإن في كلٍّ منهما مباحث ليست في الآخر، والدراسة المتأنية للكتابين تؤيد ذلك وتؤكده.
هذا، ويبقى بعد ذلك: أن كل كتاب له شخصيته أو طابعه الذي يميزه، وأن كتابًا قد لا يغني عن كتاب، وإن كان يكمل ما فيه ويلتقي معه في مباحث كثيرة أو قليلة (^٢). والله أعلم.