(أحدها): أنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ أكثر مَنْ ذكرتم قد آمن بالرَّسول وصدَّقَهُ اختيارًا لا اضطرارًا، وأكثرُهم أُولو العقولِ (^١) والأحلامِ والعلومِ، ممن لا يُحْصِيهم إلا الله؛ فرقعة الإسلام إنما انتشرتْ في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجًا حتى صار الكفار (^٢) معهم تحت الذلة والصغار.
وقد بينَّا أنَّ الذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أَكثرُ من الذين لم يُسْلِمُوا، وأنَّه إنما بقي منهم أقلُّ القليل، وقد دخل في دين (^٣) الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم، في حياة رسول الله ﷺ، خلقٌ كثير.
وهذا مَلِكُ النَّصارى على إقليم الحبشة في زمن النبيِّ ﷺ، لما تبيِّن له أنَّه رسولُ الله آمن به، ودخل في دينه، وآوى أصحابَهُ ومَنَعَهُمْ من أعدائهم.
_________________
(١) في "ج": "العقل".
(٢) في "ج": "الكافر".
(٣) ساقط من "ب، ج".
[ ٥٥ ]
وقصَّتُه أشهر مِنْ أنْ تذكر؛ ولما ماتَ أَعْلمَ رسولُ الله ﷺ أصحابَه بالسَّاعة التي تُوفِّي فيها وبينهما مسيرة شهر، ثم خرج بهم إلى المصلَّى وصلَّى عليه (^١).
فروى الزُّهْرِيُّ عن أبي بكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث بنِ هشام المَخْزُومِيِّ، عن أم سَلَمَةَ، زوج النبيِّ ﷺ قالت:
لما نزلنا أرضَ الحبشة جاوَرْنَا بها خيرَ جارِ النجاشيَّ، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنَا الله لا نُؤْذَى ولا نَسْمع شيئًا نكرهه، فلمَّا بلغ ذلك قريشًا ائتمروا (^٢) على أن يبعثوا إلى النجاشيِّ هدايا (^٣) مما يُسْتَطْرَفُ (^٤) من متاع مكةَ، وكان من أعجب ما يأتيه (^٥) منها الأُدُم (^٦)، فجمعوا له أُدُمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعةَ المخَزوميِّ وعمرو بنِ العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا (^٧) إلى كل بطْرِيقٍ هديَّتَه قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا إلى النجاشي هدَاياه، ثم سلوه أن يُسَلِّمَهم إليكم قبل أن يُكلِّمهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه: (٣/ ١١٦)، ومسلم في الجنائز، باب التكبير على الجنازة: (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧).
(٢) في "ج": "استمروا".
(٣) في "غ": "هديًا".
(٤) في "ج": "استظرفوا".
(٥) في "ج": "رأيته".
(٦) في "ج": "الأديم" وهو الجلد المدبوغ، والجمع: أَدَم وأُدُم، بفتحين وضمتين أيضًا وهو القياس مثل بَريد وبُرُد. (المصباح المنير).
(٧) في "ج": "ادفعوا".
[ ٥٦ ]
قالت: فخَرجَا فَقَدِمَا على النَّجاشيِّ، ونحن عنده بخير دار، وعند (^١) خير جوار، فلم يَبْقَ من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقٌ إلا دفعا (^٢) إليه هديَّته قبل أن يُكلِّما النَّجاشيَّ. ثم قالا لكل بِطْرِيْقٍ: إنه قد صبأ (^٣) إلى بلد الملك منَّا غِلْمان سُفَهَاء فَارَقُوا دينَ قومهم، ولم يَدْخلُوا في دينكم، وجاؤوا بدين مُبْتَدَعٍ، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثنَا إليك فيهم أشرِافُ قومهم (من آبائهمَ، وأعمامهم، وعشائرهم) (^٤) لتردَّهم إليهم، فإذا كلَّمْنَا المَلِكَ فيهم فأشِيْرُوا عليه بأن يسلِّمهم إلينا ولا يكلِّمهم، فإنَّ قومهم أعلى بهم عينًا (^٥)، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا: نعم.
ثم إنهما قَرَّبا هداياهم إلى النَّجاشيِّ فقبلها منهم، ثم كلَّماه فقالا له: أيها الملك، إنَّه قد صبا إلى بلدك منَّا غِلْمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مُبْتَدَعٍ، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بَعَثنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم (^٦) إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبدِ الله بنِ أبي ربيعةَ وعمرو بنِ العاص من أن يسمع النَّجاشيُّ كلامَهُمْ.
فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومُهم أعلى بهم عينًا،
_________________
(١) ساقط من "غ".
(٢) في "ب، ج": "دفعنا".
(٣) أي خرج هؤلاء إلى بلد. وصبأ: خرج من دين إلى دين.
(٤) ساقط من "ب، ج".
(٥) أي أعلم بهم.
(٦) في "ج": "ليردوهم".
[ ٥٧ ]
وأعلم بما عابوا عليهم. فأَسْلِمْهم (^١) إليهما لِيرُدّاهم إلى بلادهم وقومهم.
قالت (^٢): فغضب النَّجاشيُّ، ثم قال: لاها الله إذَنْ لا أُسْلِمُهم إليهما و(لا أكاد - أقوام جاوروني) (^٣) ونزلوا ببلادي واختاروني على مَنْ سواي- حتى أدعوهم فأسألهم عمَّا يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلَمْتُهُمْ إليهما وَرَددْتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك مَنَعْتُهم منهما، وأحْسَنْتُ جوارهم ما جَاوَرُوني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسولِ الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسولُه اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عَلِمْنَا، وما أَمَرَنَا به نبيُّنَا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو (^٤) كائن، فلما جاؤوه -وقد دعا النَّجاشيُّ أسَاقِفَتَهُ فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم فقال: ما هذا الدِّين الذي فارقْتُمْ فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأُمم.
قالت: وكان الذي كلَّمَه جَعْفَرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له: أيها الملك! كُنَّا قومًا أهلَ جاهليةٍ، نعبد الأصنامَ، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسِيءُ الجوار (^٥)، يأكل القويُّ منَّا الضعيفَ، فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نَسَبَه وصِدْقَه وأمانته
_________________
(١) في "ج": "فسلِّمهم".
(٢) في "غ": "قال".
(٣) في السيرة لابن هشام: "ولا يُكاد قوم جاوروني".
(٤) في "ج، ب": "بما هو".
(٥) في "ج": "الجار".
[ ٥٨ ]
وعَفافَه (^١)، فدعانا إلى الله لنوحِّدَه ونَعْبُدَه ونخلعَ ما كنّا نَعبد نحن (^٢) وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنَا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأَمانة، وصلةِ الرَّحم، وحُسْنِ الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء، ونَهانَا عن الفَواحِش، وقَوْلِ الزُّور، وأَكْلِ مالِ اليتيم، وقَذْفِ المُحْصَنَة، وأَمَرَنَا أنْ نعبدَ الله لا نشركَ به شيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزكاة والصيام (^٣). -قالت: فعدَّد عليه أمورَ الإسلام- فصدَّقْنَاه وآمَنَّا به واتَّبعناه (^٤) على ما جاء به؛ فَعَبَدْنَا الله وحده، ولم نُشْرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنَا ما حرَّم علينا، وأحْلَلْنَا ما أحلَّ لنا، فَعَدَا علينا قومُنا فعذَّبونا وفَتَنْونا عن ديننا لِيَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ﷿، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كنَّا نَستحلُّ من الخبائث، فلما قَهَرُونَا وظَلَمُونا وشَقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورَغِبْنَا في جوارك، ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيء؟
قالت: فقال له جعفر: نعم.
فقال له النجاشيُّ: فَاقْرَأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ [مريم/ ١].
قالت: فبكى -واللهِ- النجاشيُّ حتى أَخْضَلَ (^٥) لحيَتَهُ، وبَكَتْ
_________________
(١) في "ج": "وعفته".
(٢) ساقطة من "ج".
(٣) في "ب، ج" زيادة: "والحج من استطاع إليه سبيلًا".
(٤) في "غ": "وابتغاء".
(٥) أي بلّلها بالدمع من البكاء.
[ ٥٩ ]
أساقِفَتُهُ حتى أَخْضَلُوا (^١) مصاحفَهم حين سمعوا ما تُلِيَ (^٢) عليهم، ثم قال النجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاء به موسى لَيَخْرج من مِشْكاةٍ واحدة، انطلِقُوا فوالله لا أُسْلِمُهم (^٣) إليكم أبدًا ولا أكاد.
قالت أمُّ سَلَمَةَ: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينَّه غدًا أعيبهم عنده بما أستأصل به خَضْراءَهم (^٤).
قالت: فقال عبدُ الله بنُ أبي ربيعةَ -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تَفْعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالَفُونا.
قال: والله لأُخبِرَنَّه أنَّهم يزعمون أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عَبْدٌ.
قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريمَ قولًا عظيمًا، فأرْسِلْ إليهم فاسْألْهُمْ عمَّا يقولون فيه. قالت: فأرَسل إليهم فسألهم عنه.
قالت: ولم ينزل بنا مثلُها.
فاجتمع القوم فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول -والله- فيه ما قال اللهُ ﷿، وما جاء به نبيُّنا كائنًا في ذلك ما هو كائن.
فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابنِ مريم؟
_________________
(١) في "غ": "أخضوا".
(٢) في "ج": "ماتلا".
(٣) في "ج": "لا أسلمتهم".
(٤) شجرتهم التي منها تفرَّعوا. والمراد: أستأصل سوادهم.
[ ٦٠ ]
فقال له جَعْفَرُ بنُ أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبيُّنا: هو عَبْدُ الله ورسولُه ورُوحُه وكَلِمَتُه التي ألقَاها إلى مَرْيَمَ العذراء البَتُول (وروحٌ منه) (^١).
فضرب النَّجاشيُّ يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: ما عدا عيسى بنُ مريمَ ما قلتَ (^٢) هذا العُودَ، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإنْ نخرتم، (وإن نخرتمِ) (^٣) والله، اذهبوِا فأنتم سُيُومٌ بأرضي -"والسيوم" الآمنون- مَنْ سَبَّكُمْ غرِمَ، مَنْ سَبَكُمْ غرِمَ، ما أُحبُّ أنَّ لي دَبْر ذهبٍ وأنِّي آذيتُ رجلًا منكم -"والدَّبْر" بلسان الحبشة: الجبل- رُدُّوا عليهما هداياهما، ولا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ اللهُ مني الرّشوة حين ردَّ عليَّ مُلْكي، فآخُذَ الرِّشوة فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فيَّ فأطيعَهُمْ فيه.
قالت: فخرجا من عنده مَقْبُوحَيْن مردودًا عليهما ما جاؤوا به، وأَقَمْنَا عنده بخير دار مع خير جار.
(قالت: فوالله إنَّا لَعَلى ذلك، إذْ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلْكِهِ) (^٤).
قالت: فوالله ما عَلِمْتُنَا حَزِنَّا حُزْنًا قَطُّ كان أشدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاه عند ذلك، تَخَوُّفًا أن يَظْهَر [ذلك الرجل] (^٥) على النجاشيِّ، فيأتي رجلٌ لا
_________________
(١) ساقط من "ج".
(٢) في "ب، ج": "قلته".
(٣) ساقط من "غ".
(٤) ساقط من "غ".
(٥) زيادة من "السيرة" لابن هشام.
[ ٦١ ]
يعرف مِنْ حَقِّنا ما كان النجاشيُّ يعرف منه.
قالت: فسار النَّجاشيُّ -وبينهما عرضُ النِّيل- فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وقعةَ القوم حتى يأتيَنَا بالخبر؟
قالت: فقال الزُّبير: أنا -وكان من أحدث القوم سنًّا- قالت: فنفخوا له قِرْبَةً فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النِّيْل التي بها مُلْتَقَى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.
قالت: ودعونا الله للنَّجاشيِّ بالظهور على عدوِّه والتمكين له في بلاده. فاستوسق (^١) له أمر الحبشة (^٢)، فكنَّا عنده في خير منزلٍ حتى قَدِمْنَا على رسول الله ﷺ (^٣).
فلما كان شهر ربيع الأول سنةَ سبع من الهجرة كتب رسولُ الله ﷺ إلى النَّجاشيِّ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعثَ به مع عمرو بنِ أميَّةَ الضَّمْريِّ (^٤)، فلما قُرئ عليه الكتاب أسلم، وقال: لو قدرت علي أنْ آتيَهُ لأتَيْتُه. وكتب إليه رسولُ الله ﷺ أن يزوِّجه أمَّ حَبيْبةَ بنتَ أبي سفيان ففعل وأصدقَ عنه أربعمائة دينار، وكان الذي تولَّىَ التزويج خالدُ بنُ
_________________
(١) أي اجتمع له الأمر في حكم الحبشة، وفي "ب": "فاستوثق"، وهو كذلك في "السيرة" لابن هشام.
(٢) في "ب، غ": "النجاشي بالحبشة".
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام: (١/ ٣٣٤ - ٣٣٨)، "السيرة لابن إسحاق" تحقيق محمد حميد الله، ص (١٩٤ - ١٩٧)، "المسند": (١/ ٢٠١ - ٢٠٣)، "دلائل النبوة" للبيهقي: (١/ ٣٠١) "مجمع الزوائد": (٦/ ٢٧).
(٤) في "غ": "الضميري".
[ ٦٢ ]
سعيدِ بنِ العاص بنِ أميَّة (^١).
وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يبعث إليه (^٢) من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ففعل، فقدموا المدينة فوجدوا رسول الله ﷺ بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر، فكلَّم رسولُ الله ﷺ المسلمين أن يُدْخِلُوهم في سهامهم ففعلوا.
فهذا مَلِكُ النصارى (^٣) قد صدق رسولَ الله ﷺ وآمن به واتَّبعه. وكم مثلُه ومَنْ هو دونه ممَّن هداه الله من النصارى قد دخل في الدين، وهم أكثر بأضعاف مضاعفة ممن أقام على النصرانية؟
قال ابن إسحاق (^٤): وقدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريبًا من ذلك من النَّصارى، حين بلغهم خبرُه من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلَّموه، وقبالتهم رجالٌ من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عمَّا أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله، وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضتْ أعينُهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدَّقوه، وعرفوا منه ما كان يُوصَفُ لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جَهْل ابنُ هشام في نَفَرٍ من قريش، فقالوا لهم: خيَّبَكم الله من رَكْبٍ؟! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم تَرْتَادُون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئنَّ (^٥)
_________________
(١) "السيرة النبوية" لابن هشام: (١/ ٣٣٤) وما بعدها.
(٢) ساقط من "ب".
(٣) في "ص": "النصرانية".
(٤) "السيرة النبوية": (١/ ٣٩١).
(٥) في "ب، غ، ص": "تظهر".
[ ٦٣ ]
مجالسُكُم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقتموه بما قال؟! ما نعلم رَكْبًا أحمق منكم -أو كما قالوا-.
فقالوا لهم: سلامٌ عليكم، لا نجادلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ من أنْفُسِنا خيرًا.
ويقال: إنَّ النَّفَر (^١) من النَّصارى من أهل نَجْرانَ. ويقال: فيهم نزلتْ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥].
وقال الزُهْريُّ: ما زلت أسمع من علمائنا أنَّهنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشيِّ وأصحابه.
قال ابن إسحاق (^٢): ووفد على رسول الله ﷺ وفد "نَصَارى نَجْرَانَ" بالمدينة، فحدَّثني محمدُ بنُ جَعْفَر بنِ الزُّبير، قال: لما قَدِم وَفْد نَجْرانَ على رسول الله ﷺ، دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يُصلُّون في مسجده، فأراد النَّاس مَنْعَهُم، فقال رسول الله ﷺ: "دَعُوهُمْ" فاستقبلوا المَشْرقَ فصلَّوا صلاتهم، وكانوا ستين راكبًا، منهم أربَعَةٌ وعشرون (^٣) رجلًا من أشرافهم، منهم ثلاثةُ نَفَرٍ إليهم يؤول أمرهم: "العَاقِبُ": أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا
_________________
(١) في "ب، ج": "الوفد".
(٢) "السيرة النبوية": (١/ ٥٧٥). وانظر: "تفسير البغوي": (٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧)، "البداية والنهاية": (٧/ ٢٧٠).
(٣) في "السيرة النبوية": "أربعة عشر" وذكر ابن كثير في "تاريخه": (٧/ ٢٧٠) الروايتين عن ابن إسحاق. وراجع: "فتح الباري": ٨/ ٩٤.
[ ٦٤ ]
يَصْدُرُونَ إلا عن رأيه وأمره، واسمُه عَبْدُ المَسِيْحِ. "والسيِّد" ثِمَالُهم (^١) وصاحب رَحْلِهم (^٢) ومجمعهم. "وأبو حارثة بنُ عَلْقَمَةَ": أُسْقُفُهُمْ وحِبْرُهم وإمامهم وصاحب مِدْرَاسِهِمْ (^٣)، وكان أبو حارثةَ قد شَرُفَ فيهم ودَرَس كتبهم، وكانت ملوك الرُّوم من أهل النَّصرانيَّة قد شرَّفوه وموَّلوه وأخْدَموه، وبَنَوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لِمَا بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجَّهوا إلى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جلس أبو حَارثةَ على بَغْلَةٍ له (^٤) متوجِهًا إلى رسول الله ﷺ، وإلى جنبه (^٥) أخٌ له يقال له: كُرْزُ بنُ عَلْقَمَةَ، يسايرُه إذْ عثرتْ بغلةُ أبي حارثةَ، (فقال له كُرْزٌ: تَعِسَ الأبْعَدُ -يريد رسولَ الله ﷺ- فقال له أبو حارثة) (^٦): بل أنتَ تَعِسْتَ. فقال: ولِمَ يا أخي؟! فقال: والله إنه لَلنَّبِيُّ الذي كنَّا ننتظرُه. فقال له كُرْزُ: فما يَمنعُك من اتِّباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنَع بنا هؤلاء القومُ؛ شرَّفونا وموَّلونا (^٧) وأكرمونا، وقد أَبَوْا إلا خلافَه، ولو فَعَلْتُ (نَزَعوا منَّا كلَّ ما تَرى) (^٨). فأصر (^٩) عليها أخوه كُرْزُ بنُ عَلْقَمةَ حتى أسْلَمَ بعد ذلك.
_________________
(١) في "ب، غ": "يمالهم".
(٢) في "غ": "رحلتهم".
(٣) في "ب، ج، غ": "مداراهم". والمدراس: الموضع الذي يدرس فيه كتاب الله. ومنه مدراس اليهود. والمدراس أيضًا: دارس كتب اليهود.
(٤) ساقطة من "ص، غ، ج".
(٥) في "ب، ج": "جانبه".
(٦) ساقط من "غ".
(٧) في "ب، ج، غ": "تولَّونا" وفي "ص": "تولوه".
(٨) في "غ": "نزعوها منا، كل كرامة".
(٩) في "السيرة النبوية": "فأضمر".
[ ٦٥ ]