وإن كان المعَيِّرُ للمسلمين من أمة الضلال وعُبَّاد الصليب والصُّوَر المدهونة في الحيطان والسقوف، فيقال له (^٣):
_________________
(١) الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية، الفقرة (١٥ - ١٩).
(٢) في "غ": "بالحنث".
(٣) لا يزال الكلام على الوجه الخامس من جواب المسألة السادسة وهذا التفريع =
[ ٣١٩ ]
ألا يستحي مَنْ أصْلُ دينه الذي يدين به: اعتقادُه أنَّ رب السموِات والأرض ﵎ نزل عن كرسيِّ عظمته وعرشه، ودخل في فرْجِ امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوَّط وتحيض، فَالْتَحَمَ ببطنها، وأقام هناكَ تسعةَ أشهر يتلبَّط بين نَجْوٍ (^١) وبَوْلٍ ودمِ طمثٍ، ثم خرج إلى القِمَاط والسَّرير، كلَّما بكى ألقَمَتْه أمُّه ثَدْيَها، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان، ثم آلَ أمرُه إلى لَطْمِ اليهود خَدَّيْه، وصَفْعِهِم قَفَاه، وبَصْقِهم في وجهه، ووضْعِهِم تاجًا من الشوك على رأسه والقصبةَ في يده، استخفافًا به وانتهاكًا لحرمته؟!
ثم قربوه من مركبٍ خُصَّ بالبلاء راكبُه، فشدُّوه عليه وربطوه بالحبال، وسَمَروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حَرِّ الحديد وألم الصَّلْب، هذا وهو الذي خلق السموات والأرض، وقسم الأرزاق والآجال، ولكن اقتضتْ حكمتُه ورحمتُه أن يمكِّن أعداءه من نفسه لينالوا منه ما نالوا فيستحقوا بذلك العذابَ والسَّجْنَ في الجحيم (^٢)، ويَفْدِي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه (^٣) فيخرجهم من سجن إبليس، فإنَّ روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه!!!.
ما قولهم في "مريم"؛ فإنهم يقولون: إنها أمُّ المسيح ابن الله في
_________________
(١) = تابع لما سبق ص (٣٠٢).
(٢) ما يخرج من البطن.
(٣) في هامش "ب": "جهنم".
(٤) ساقطة من "د".
[ ٣٢٠ ]
الحقيقة، ووالدتُه في الحقيقة، لا أمَّ لابنِ الله إلا هي، ولا والدة له غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا ولد له سواه، وإن الله اختارها لنفسه ولولادة (^١) ولده وابنه من بين سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، ولكن اختصَّتْ عن النساء بأنها حبلت بابن الله، وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره، ولا والد له سواه، وأنها على العرش جالسة عن يسار الربِّ ﵎ والدِ ابْنِهَا، وابْنُها عن يمينه.
والنَّصارى يَدْعُونَها ويسألونَها سَعَةَ الرِّزق، وصحةَ البدن، وطولَ العُمُر، ومغفرةَ الذنوب، وأن تكون لهم عند ابِنها ووالدِه -الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها، ولا ينكرون ذلك عليهم- سورًا وسَنَدًا وذُخْرًا وشفيعًا وركنًا، ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا! وهم يعظِّمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيِّيْن والمرسلين. ويسألونها ما يُسْأل الإله من العافية والرزق والمغفرة!!
حتى إن "اليَعْقُوبِيَّة" (^٢) يقولون في مناجاتهم لها: يا مريم يا والدة الإله، كوني لنا سورًا وسندًا وذخرًا وركنًا!!
"والنَّسْطُوريَّة" (^٣) يقولون: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك! ويقولون لليعقوبيَّة: لا تقولوا يا والدة الإله، وقولوا: يا والدة المسيح،
_________________
(١) في "غ، ص": "وأولاده".
(٢) فرقة من النصارى منسوبة إلى أحد دعاتها وهو يعقوب البرادعي. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني، ص (٢٤١ - ٢٤٣).
(٣) أتباع نسطور الحكيم من النصارى، وهو الذي تصرَّف بالأناجل بحكم رأيه، انظر: "الملل والنحل" ص (٢٣٩ - ٢٤١).
[ ٣٢١ ]
فقالت لهم اليعقوبية: المسيح عندنا وعندكم إلهٌ في الحقيقة، فأيُّ فَرْقٍ بيننا وبينكم في ذلك؟ ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقاربتهم (^١) في التوحيد.
هذا؛ والأوقاح الأرجاس من هذه الأمة تعتقد أنَّ الله -سبحانه- اختار مريم لنفسه ولولده، وتخطَّاها كما يتخطَّى الرجلُ المرأة.
قال النَّظَّامُ (^٢) -بعد أن حكى ذلك عنهم (^٣) -: وهم يُفْصِحون بهذا عند من يثقون به.
وقد قال ابن الإخشيد (^٤) هذا عنهم في "المعونة"، وقال: إليه يشيرون، ألا ترون أنهم يقولون: مَنْ لم يكِن والدًا يكون عقيمًا، والعُقْم آفَةٌ وعَيْبٌ. وهذا قول جميعهم وإلى المُبَاضعَةِ يشيرون.
ومَنْ خَالَطَ القوم وطاولهم وبَاطَنَهم عرف ذلك منهم، فهذا كفرهم وشركهم بربِّ العالمين ومَسَبَّتُهم له.
ولهذا قال فيهم (^٥) أحد الخلفاء الراشدين: أهِيْنُوهم ولا تَظْلِموهم، فلقد سبُّوا الله مسبَّةً ما سبَّه إياها أحدٌ من البشر (^٦).
_________________
(١) في "غ، ج، ب": "مقارنتهم".
(٢) إبراهيم بن سيار بن هانئ من أئمة المعتزلة.
(٣) ساقطة من "غ، ص".
(٤) أبو بكر أحمد بن علي من المعتزلة أيضًا، توفي سنة (٣٢٦). وكتابه "المعونة" ذكره ابن النديم في "الفهرست" أثناء ترجمته له.
(٥) ساقطة من "د".
(٦) لم أجده في شيء من كتب الآثار، وأخرج نحوه الطبراني في "مسند الشاميين": (٢/ ١٢٧). وقال القرافي في "الفروق" في الفرق (١١٩): ويروى =
[ ٣٢٢ ]
وقد أخبر النبيُّ ﷺ عن ربِّه في الحديث الصحيح أنه قال: "شَتَمَنِي ابنُ آدمَ ولم يَكُنْ له ذلك، وكذَّبنَي ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك، أمَّا شَتْمُه إيَّايَ فقوْلُه: اتَّخذَ اللهُ وَلَدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يُوْلَدْ ولمِ يَكُنْ له كُفُوًا أحدٌ، وأمَّا تَكْذِيْبُه إيَّايَ فقولُه: لن يُعِيْدَنِي كما بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأَهْوَنَ عليَّ من إعَادَتِهِ" (^١).
فلو أتى الموحِّدون بكل ذنب، وفَعَلُوا كلَّ قبيحٍ وارتكَبُوا كلَّ معصيةٍ ما بلغتْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ في جَنْبِ هذا الكُفْرِ العظيمِ بربِّ العَالمِيْنَ، ومَسَبَّتِهِ هذا السّبَّ، وقَوْلِ العَظَائِم فيه.
فما ظنُّ هذه الطائفة بربِّ العالمِيْنَ أن يفعلَه بهم إذا لَقُوه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
ويسألُ المسيحَ على رؤوس الأشْهَادِ وهم يسمعون: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فيقول المسيح مكذِّبًا لهم ومتبرئًا منهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].