فهذا أَصْلُ ديِنهِم وأساسُهُ الذي قام عليه، وأما فُروعُه وشرائعه فهم مخالفونَ للمسيح في جميعها، وأكثر ذلك بشهادتهم وإقرارهم، ولكن
_________________
(١) = عن عمر بن الخطاب ﵁ وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "الجواب الصحيح" وغيره بلفظ آخر دون عزو.
(٢) أخرجه البخاري بنحوه في التفسير، سورة الإخلاص: (٨/ ٧٣٩).
[ ٣٢٣ ]
يُحِيْلُون على البَتَاركَة والأسَاقِفَةِ، فإنَّ المسيح -صلوات الله وسلامه عليه- كان يتديَّنُ بالطهارة، ويغتسل من الجنابة، ويُوجِب غسل الحائض. وطوائفُ النَّصارى عندهم أنَّ ذلك كلَّه غَيرُ واجَبٍ، وأنَّ الإنسانَ يقوم مِنْ على بَطْن المرأةِ ويبول ويتغوَّط، ولا يَمَسُّ ماءً ولا يَسْتَجْمِرُ، والبَولُ والنَّجْو يَنحدِرُ على ساقه وفَخِذِه ويصلِّي كذلك وصلاتُه صحيحةٌ تامةٌ، ولو تغوَّط وبَالَ وهو يصلِّي لم يضره، فضلًا عن أنْ يَفْسُوَ أو يَضْرَطَ!!
ويقولون: إنَّ الصلاةَ بالجنابة والبول والغائط أفْضَلُ من الصلاة بالطهارة، لأنها حينئذٍ أبْعَدُ من صلاة المسلمين واليهود، وأقْرَبُ إلى مخالفة الأُمَّتَيْن، ويستفتح الصلاةَ بالتَّصْليب بين عَيْنَيْه.
وهذه الصلاة ربُّ العالمين بريءٌ منها. وكذلك المسيحُ وسائِرُ النبيِّيْنَ، فإن هذه بالاستهزاء أشْبَهُ منها بالعبادةِ. وحاشى المسيحَ أنْ تكونَ هذه صلاته أو صلاة أحد من الحَوَارِيِّيْن، والمسيحُ كان يقرأ في صلاته ما كان الأنبياءُ وبنو إسرائيل يقرؤونه في صلاتهم من التوراة والزبور.
وطوائف النصارى إنما يقرؤون في صلاتهم كلامًا قد لَحَّنه لهم الذين يتقدَّمون ويُصلُّون بهم، يجري مجرى النَّوْح والأغاني. فيقولون: هذا قُدَّاس فلان، وهذا قُدَّاس فلانٍ، يَنْسِبُونه إلى الذين وضعوه، وهم يُصلُّون إلى الشرق. وما صلَّى المسيح إلى الشرق قط، وما صلى -إلى أن توفاه الله- إلا إلى بيت المقدس، وهي قبلةُ داودَ والأنبياءِ قَبْلَه، وقِبْلةُ بني إسرائيل.
والمسيحُ اخْتَتَنَ وأوجب الخِتَانَ، كما أوجبه موسى وهارون
[ ٣٢٤ ]
والأنبياء قبل المسيح.
والمسيحُ حرَّم الخِنْزير، ولَعَن آكِلَه، وبالغ في ذَمِّه -والنصارى تُقِرُّ بذلك- ولَقِيَ الله لم يَطْعَمْ مِنْ لحمِه بوزن شعيرة، والنَّصارى تتقرَّبُ إليه بأكله.
والمسيحُ ما شرع لهم هذا الصَّومَ الذي يصومونه قط، ولا صامه في عُمُره مرة واحدة، ولا أحدٌ من أصحابه، ولا صام صَوْمَ العَذَارى في عمره، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرَّم فيه ما يحرِّمونه، ولا عطَّل السَّبتَ يومًا واحدًا حتى لقي الله، ولا اتَّخذ الأحدَ عيدًا قط، والنصارى تقرّ أنه رَقَى مريم المجدلانيَّة فأخرج منها سبع شياطين، وأنَّ الشياطين قالت له: أين نأوي فقال لها: اسْلُكِي هذه الدابَّة النجسة - يعني الخِنْزِيْرَ (^١).
فهذه حكايةُ النَّصارى عنه، وهم يَزْعُمون أنَّ الخنزير من أطهر الدواب وأجْمَلِها.
والمسيحُ سار في الذَّبائح والمناكِحِ والطَّلاقِ والمواريثِ والحدودِ سِيْرَةَ الأنبياءِ قَبْلَه.
وليس عند النَّصارى على مَنْ زنى أو لاطَ (^٢) أو سَكِر حدٌّ في الدنيا أبدًا، ولا عذابٌ في الآخرة، لأن القُسَّ والرَّاهِبَ يَغْفِرُه لهم، فكلَّما أذْنَبَ أحدُهم ذَنْبًا أهدى للقَسِّ هديةً، أو أعطاه درهمًا أو غيره ليغفر له به! وإذا زَنَتِ امرأةُ أحدِهم بَيَّتَها عند القسَّ ليطيِّبَها له، فإذا انصرفتْ من
_________________
(١) انظر إنجيل لوقا: (٨/ ٢ - ٣).
(٢) في "غ": "يلوط".
[ ٣٢٥ ]
عنده وأخبرت زوجها أنَّ القَسَّ طيَّبَها؛ قَبَّل ذلك منها وتَبرَّك به!!.
وهم يُقِرُّون أن المسيح قال: "إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قَبْلي، وما جئتُ ناقضًا بل مُتَمِّمًا، ولأَنْ تقعَ السماءُ على الأرض أيْسَر عند الله مِنْ أن أنْقُضَ شيئًا من شريعة موسى، ومن نقض شيئًا من ذلك يدعى ناقضًا في مَلَكُوت السماء" (^١).
وما زال هو وأصحابه كذلك إلى أن خرج من الدنيا.
وقال لأصحابه: "اعملُوا بما رأيتموني أعملُ، وارضَوْا من الناس بما أرْضَيْتكم به، (ووَصُّوا الناس بما وَصَّيْتكم به) (^٢)، وكونوا معهم كما كنتُ معكم، وكونوا لهم كما كنتُ لكم" (^٣).
وما زال أصحاب المسيح بعده على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم أخذ القومُ في التغيير والتبديل والتقرُّب (^٤) إلى الناس بما يَهْوَوْنَ، ومكايدةِ (^٥) اليهود ومناقضتهم بما فيه تَرْكُ دين المسيح والانْسِلاخُ منه جملةً.
فرأوا اليهودَ قد قالوا في المسيح: إنَّه ساحرٌ مجنونٌ مُمَخْرِقٌ، وَلَدُ زِنْيَةٍ، فقالوا: هو إلهٌ تامٌّ، وهو ابنُ الله!! ورأوا اليهود يَخْتَتِنُون فتركوا الخِتَانَ!! ورأوهم يبالغون في الطهارة فتركوها جملة!! ورأوهم يتجنبون مؤاكلة الحائض ومُلامَسَتَها ومخالطتَها (^٦) جملةً فجامَعُوها! ورأوهم
_________________
(١) إنجيل متى: (٥/ ١٧ - ٢٠).
(٢) ما بين القوسين ساقط من "ص، غ".
(٣) إنجيل متى: (٢٣/ ٣ - ٦).
(٤) في "ج": "التقريب".
(٥) في "ب، ج": "وما يكره" وفي "غ": "وما تلذه".
(٦) ساقطة من "غ، ص".
[ ٣٢٦ ]
يحرِّمون الخنزيرَ، فأباحوه وجَعَلُوه شِعَارَ دينِهِم، ورأوهم يحرِّمون كثيرًا من الذبائح والحيوان؛ فأباحوا ما دون الفِيل إلى البعوضة، وقالوا: كُلْ ما شئتَ (ودع ما شئتَ) (^١) لا حَرَجَ، ورأوهم يستقبلون بيت المقدس في الصلاة فاستقبلوا هم الشرق، ورأوهم يحرِّمون على الله نَسْخَ شريعةٍ شَرَعَها، فجوَّزوا هم لأساقفتهم (^٢) وبتاركتهم أن يَنْسَخُوا ما شاؤوا، ويحلِّلوا ما شاؤوا، ويحرّموا ما شاؤوا، ورأوهم يحرِّمون السَّبت ويحفظونه فحرَّموا هُمُ الأحدَ وأحلُّوا السَّبت -مع إقرارهم بأنَّ المسيح كان يعظِّم السبت ويحفظه-، ورأوهم يَنْفِرُونَ من الصَّليب، فإنَّ (^٣) في التوراة "ملعون من تعلَّق بالصليب" (^٤) -والنصارى تقر بهذا- فعبدوا هم الصَّليبَ.
كما أنَّ في التوراة تحريم الخنزير نصًّا فتعبَّدُوا هم بأَكْلِه، وفيها الأمر بالختان فتعبُّدوا هم بتَرْكه - مع إقرار النصارى بأنّ المسيح قال لأصحابه (^٥): "إنما جئتَكم لأعمل بالتوراة ووصايا الأنبياء قَبْلي، وما جئت ناقضًا بل متمِّمًا، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض (شيئًا من) (^٦) شريعة موسى" (^٧).
فذهبت النصارى تنقُضُها شريعةً شريعةً في مكايدة اليهود
_________________
(١) ساقطة من "غ، ص".
(٢) في "غ، ص": "لأسقفتهم".
(٣) في "ب، ج": "وإن".
(٤) سفر التثنية: (٢١/ ٢٣).
(٥) ساقطة من "ب": وفي "ج": "لا أصحابه".
(٦) ساقط من "غ، ص".
(٧) إنجيل متى: (٥/ ١٧).
[ ٣٢٧ ]
ومُغَايَظَتهم، وانْضَاف (^١) إلى هذا السبب ما في كتابهم -المعروف عندهم بـ"أفركسيس" (^٢) -: أنَّ قومًا من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأَتَوا أَنْطَاكِيَةَ وغيرها من الشَّام (^٣) فدَعَوا النَّاس إلى دين المسيح الصحيح، فَدَعَوْهُم إلى العمل بالتوراة وتحريم (^٤) ذبائح مَنْ ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السَّبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرَّمته التوراة، فَشَقَّ ذلك على الأُمم واستثقلوه، فاجتمع النَّصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحبِّبُوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه، فاتَّفق رأيُهم على مُدَاخَلةِ الأُمم والتَّرْخيصِ لهم والاختلاطِ (^٥) بهم، وأَكْلِ ذبائحهم، والانحطاطِ في أهوائهم، والتَّخلُّقِ بأخلاقهم وإنشاءِ شريعةٍ تكونُ بين شريعةِ الإنجيل وما عليه الأمم، وأنشؤوا في ذلك كتابًا.
فهذا أحد مجامعهم الكبار.
وكانوا كلَّما أرادوا إحْدَاث شيء اجتمعوا مجمعًا وافترقوا فيه على ما (^٦) يُرِيْدون إحْدَاثه إلى أن اجتمعوا المجمع الذي لم يجتمع لهم أكْبَرُ منه في عهد قسطنطين الرُّوميِّ ابن هيلانة الحرَّانِيَّة الفندقية، وفي زمنه بُدِّل دين المسيح، وهو الذي شادَ (^٧) دِينَ النَّصارى المبتَدَعَ وقام به
_________________
(١) في "ب، ج": "يضاف".
(٢) في "ب، ج": "بأقراكسيس"، وفي "غ": "بأقراكشيش". والمقصود به أعمال الرسل من العهد الجديد.
(٣) في "ب، ج": "بلاد الشام".
(٤) سقط من "ب". وفي "ج": "تحرم".
(٥) في "ج": "الاختلاء".
(٦) في "غ، ص": "كما .. " وفي "ب، ج": "عما".
(٧) في "غ، ص": "أساد".
[ ٣٢٨ ]
وقَعدَ، وكان عدَّتُهم زهاء أَلْفَي رجلٍ، (فقرَّروا تقريرًا) (^١) ثم رفضوه ولم يرتضوه.
ثم اجتمع ثلاثمائة وثمانيةَ عَشَر رجلًا منهم -والنصارى يسمُّونهم الآباء- فقرَّروا هذا التقرير الذي هم عليه اليوم، وهو أصل الأصول عند جميع طوائفهم، لا يتمُّ لأحدٍ منهم نصرانيَّةٌ إلا به، ويسمُّونه "سنهودس" وهي "الأمانة"!! ولفظها: "نؤمن بالله الأب الواحد خالق ما يُرَى وما لا يُرى، والربُّ الواحد اليسوع المسيح ابن الله بِكْر أبيه وليس بمصنوع، إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، من جوهر أبيه، الذي بيده (^٢) أتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أَجْلِنا -مَعْشَرَ الناس- ومِنْ أجْل خلاصنا نزل من السماء وتجسَّد من روح القدس ومن مريم البَتُول، (وحَبِلَتْ به مريم البتول) (^٣) وولدته، وأُخِذ وصُلِب، وقُتِل أيام فيلاطس (^٤) الرومي، ومات ودفن، وقام (^٥) في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مُسْتَعدّ للمجيء تارةً أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن (^٦) بالربِّ الواحد رُوح القُدُس روحِ الحقِّ الذي يخرج من أبيه روح محبته (^٧)، وبمعموديةٍ (^٨) واحدة لغفران الخطايا، وبجماعةٍ واحدة
_________________
(١) في "غ، ص": "فقدروا تقديرًا".
(٢) في "ج": "يده".
(٣) ساقط من "ج".
(٤) في "ص، ج": "قتلاطس".
(٥) في "غ": "وأقام".
(٦) في "ب، ج": "ويؤمن".
(٧) في "ج": "محييه" وفي "ب": "يحييه".
(٨) في "غ، ص": "لمعبودية".
[ ٣٢٩ ]
قديسيَّة سليحية جاثليقية، وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين".
فصرَّحوا فيها بأن المسيح ربٌّ وأنه ابن الله، وأنه بِكْره ليس له ولد غيره، وأنه ليس بمصنوع؛ أي: ليس بعبد مخلوق بلَ هو ربٌّ خالق، وأنه إله حقٌّ اسْتُلَّ ووُلِد من إلهٍ حقٍّ، وأنه (مساوٍ لأبيه) (^١) في الجوهر، وأنه بيده أتْقِنَتِ العوالم، وهذه اليد التي أتْقِنَت العوالم بها عندهم هي التي ذاقت حرَّ المسامير -كما صرَّحوا به في كتبهم-.
وهذه ألفاظهم: قالوا: "وقد قال القدوة عندنا: إنَّ اليد التي سمرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت (^٢) طين آدم وخلقته، وهي اليد التي شبرت السماء، وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى"! قالوا -وقد وصفوا صنيع اليهود به- وهذه ألفاظهم: "وإنهم لطموا (^٣) الإله (^٤) وضربوه على رأسه".
قالوا: وفي بشارة الأنبياء به: أن الإله تحبل به امرأة عذراء وتَلِدُه ويُؤخَذ ويُصْلب ويُقْتل!.
قالوا وأما "سنهودس" دون الأمم (^٥)، قد اجتمع عليه سبعمائة من الآباء وهم القدوة فيه (^٦): "إنَّ مريم حبلت بالإله وولدته وأرضعته وسقته وأطعمته".
_________________
(١) في "ص": "تشاء ولايته".
(٢) في "غ": "عجت".
(٣) في "غ": "لظلموا".
(٤) في "ب": "الآلهة".
(٥) هكذا في الأصول. ولم يظهر لي معناه ولعل فيه سقطًا أو تصحيفًا.
(٦) في "غ، ص، ب": "وفيه".
[ ٣٣٠ ]
قالوا: وعندنا أن المسيحَ ابنُ آدم، وهو ربُّه وخالِقُه ورازِقُه، (وابنُ ولدِه إبراهيم وربُّه وخالقُه ورازقُه)، وابنُ إسرائيلَ وربُّه وخالقه ورازقه، وابن مريم وربُّها وخالِقُها ورازقُها.
قالوا: وقد قال علماؤنا، ومن هو القدوة عند جميع طوائفنا: "اليسوع (^١) في البدء ولم يزل كلمة، والكلمة لم تزل الله، والله هو الكلمة، فذاك الذي ولدته مريم وعاينه (^٢) الناس وكان بينهم هو الله وهو ابن الله وهو كلمة الله" (^٣).
هذه ألفاظهم.
قالوا (^٤): فالقديم الأزليُّ خالق السموات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم ولمسُوه بأيديهم، وهو الذي (^٥) حبلت به مريم وخاطب الناس من بطنها حيث قال للأعمى: (أنت مؤمن بالله؟ قال الأعمى:) (^٦) ومن هو حتى أوْمِنَ به؟ قال: هو المخاطب لك (^٧). فقال: آمنت بك، وخرَّ ساجدًا. قالوا: فالذي حبلت به مريم هو الله وابن الله وكلمة الله (^٨).
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
(٢) في "ب، ج": "أيسوع".
(٣) في "ج": "عاتبه".
(٤) إنجيل يوحنا: (١/ ١ - ٥).
(٥) ساقط من "غ، ص، د".
(٦) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
(٧) في "د": "لك، ابن مريم".
(٨) انظر: إنجيل يوحنا: (٩/ ٣٥).
[ ٣٣١ ]
وقالوا (^١): وهو الذي ولد ورَضِع وفُطِم، وأُخذ وصُلب وصفع، وكُتِّفت يداه، وسُمِرَ، وبُصِق في وجهه، ومات ودُفِن، وذاق أَلَمَ الصَّلْب والتَّسمير والقتل، لأجل خلاص النصارى من خطاياهم.
قالوا: وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة بنبيٍّ ولا عَبْدٍ صالح، بل هو ربُّ الأنبياء وخالقُهم، وباعثُهم، ومُرْسِلُهم، وناصرُهم، ومؤيِّدهم، وربُّ الملائكة.
قالوا: وليس مع أمه بمعنى الخلق والتدبير واللطف (^٢) والمعونة، فإنه لا يكون لها بذلك مزية على سائر الإناث ولا الحيوانات. ولكنه معها بحَبَلِها به واحتواءِ بطنها عليه، فلهذا فارَقَتْ (إنَاث جميع الحيوانات) (^٣) وفارق ابنُها جميع الخلق (^٤)، فصار الله وابنه الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته: إلهًا واحدًا، ومسيحًا واحدًا، وربًّا واحدًا وخالقًا واحدًا، لا يقع بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، لا في حَبَلِ ولا في ولادةٍ، ولا في حالِ نومٍ ولا مرضٍ، ولا صَلْبٍ ولا موتٍ، ولا دَفنٍ، بل هو متَّحدٌ به في حال الحبل، فهو في تلك الحالَ مسيحٌ واحد، وخالقٌ واحد، وإله واحدٌ وربٌّ واحد، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الصلب والموت كذلك.
قالوا: فمنا مَنْ يُطْلِق في لفظه وعبارته (^٥) حقيقةَ هذا المعنى فيقول:
_________________
(١) في "ب، ج": "فقالوا".
(٢) من "د" فقط.
(٣) في "غ، ص": "جميع إناث الحيوان".
(٤) في "غ": "الحق".
(٥) في "غ، ص، ب": "عبادته".
[ ٣٣٢ ]
مريم حبلت بالإله، (وولدت الإله) (^١)، ومات الإله. ومنا من يمتنع من هذه العبارة لبشاعة لفظها ويعطي معناها وحقيقتها، ويقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي (^٢) أمُّ المسيح في الحقيقة، والمسيح إلهٌ في الحقيقة، وربٌّ في الحقيقة، وابنُ اللهِ في الحقيقة، وكلمةُ اللهِ في الحقيقة، لا ابنَ للهِ في الحقيقة سِواهُ، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو.
قالوا: فهؤلاء (^٣) يوافقون في المعنى قَوْلَ مَنْ قال: حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، وصلب ومات ودفن، وإن منعوا اللفظ والعبارة.
قالوا: وإنما مَنَعْنَا هذه العبارة (^٤) التي أطْلَقَها إخوانُنا، لئلا يتوهم علينا، إذا قلنا: حبلت بالإله، وولدت الإله، وألم الإله (ومات الإله) (^٥) = أنَّ هذا كله حل ونزل بالإله الذي هو أب، ولكنا نقول: حلَّ هذا كله ونزل بالمسيح، والمسيح عندنا وعند طوائفنا إلهٌ تام مِنْ إلهٍ تام من جوهر (^٦) أبيه، فنحن وإخوانُنا في الحقيقة شيءٌ واحد لا فرق بيننا إلا في العبارة فقط.
قالوا: فهذا حقيقة ديننا وإيماننا، والآباءُ والقدوةُ قد
_________________
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) ساقط من "ج".
(٣) في "ج": "فيها ولاي".
(٤) في "غ، ج": "العبادة".
(٥) ساقط من "غ، ص".
(٦) في "غ، ص": "جواهر".
[ ٣٣٣ ]
قالوه (^١) قَبْلَنا وسَنُّوه لنا، ومهَّدوه، وهم أعلم بالمسيح منَّا.
ولا تختلف المثلِّثةُ عُبَّاد الصليب من أولهم إلى آخرهم: أنَّ المسيح ليس بنبيٍّ ولا عبدٍ صالح، ولكنه إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ من جوهر أبيه، وأنه إلهٌ تام من إله تام، وأنه خالقُ (^٢) السموات والأرضين، والأولين والآخرين ورازقُهم ومُحْييهم ومُمِيتُهم، وباعثُهم من القبور، وحاشِرُهم ومحاسبهم، ومثيبهم ومعاقبهم.
والنَّصارى تعتقد أنَّ الأب انخَلَع من مُلْكه كله وجَعَلَه لابنه، فهو الذي يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويدبِّر أمر السموات والأرض. ألا تراهم يقولون في أمانتهم: "ابنُ الله وبكْر أبيه، وليس بمصنوع -إلى قولهم- بيده أتقنت العوالم وخلق كل شَيء -إلى قولهم- وهو مستعدٌّ للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء" ويقولون في صلواتهم ومناجاتهم: "أنت أيها المسيح اليسوع تحيينا وترزقنا وتخلق أولادنا وتقيم أجسادنا وتبعثنا وتجازينا"؟!.
وقد تضمن هذا كلُّه تكذِيْبَهُم الصَّريحَ للمسيحِ، وإنْ أَوْهَمَتْهُمْ ظُنُونُهمُ الكاذبةُ أنهم يصدِّقونه؛ فإنَّ المسيح قال لهم: "إنَّ الله ربي وربُّكم، وإلهي وإلهكم" (^٣) فشهد على نفسه أنه عبدٌ لله مربوبٌ مصنوع، كما أنهم كذلك، وأنه مثلهم في العبودية والحاجة والفاقة إلى الله، وذكر أنَّه رسول الله إلى خلقه كما أرسل (^٤) الأنبياء قبله، ففي إنجيل يوحنا أن
_________________
(١) في "ب، غ": "قالوا".
(٢) في "ج": "خلق".
(٣) إنجيل يوحنا: (٢٠/ ١٨).
(٤) في "ج": "أرسلت".
[ ٣٣٤ ]
المسيح قال في دعائه: "إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بأن يشهدوا أنك أنتَ اللهُ الواحدُ الحقُّ وأنك أرسلتَ اليسوعَ المسيحَ" (^١). وهذه حقيقة شهادة المسلمين أنْ لا إله إلا الله وأَنَّ محمدًا رسول الله. وقال لبني (^٢) إسرائيل: "تريدون قتلي وأنا رجلٌ قلت لكم الحقَّ الذي سمعتُ اللهَ يقولُه" (^٣).
فذكر ما (^٤) غايَتُه أنَّه رجل بلَّغهم ما قاله الله، ولم يقلْ: وأنا إله، ولا ابن الإله، (على معنى التوالد) (^٥).
وقال: "إني لم أجيء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة مَنْ أرسلَني" (^٦) وقال "إنَّ الكلام الذي تسمعونه مني (ليس من تلقاء نفسي) (^٧)، ولكن من الذي أرسلني، والويل لي إنْ قلتُ شيئًا من تلقاء نفسي، (ولكن بمشيئةِ مَنْ أرسلني) (^٨).
وكان يواصل (^٩) العبادة من الصلاة والصوم ويقول: "ما جئت
_________________
(١) إنجيل يوحنا: (١٧/ ٣ - ٤).
(٢) في "ج": "النبي".
(٣) إنجيل يوحنا: (٨/ ٤٠).
(٤) ساقطة من "ب، غ، ص".
(٥) ساقط من "ب، ج، ص، غ".
(٦) إنجيل يوحنا: (٧/ ١٦ - ١٩).
(٧) في "ب، ج": "ليس هو لي".
(٨) ساقط من "ب، ج". والنص في إنجيل يوحنا: (٥/ ٣٠).
(٩) في "ج": "يوصل".
[ ٣٣٥ ]
لأُخْدَم إنما (^١) جئت لأَخْدُمَ" (^٢) فأنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله اللهُ بها وهي منزلة الخدام.
وقال: "لست أدينُ العِبَاد بأعمالهم ولا أحاسِبهم (^٣) بأعمالهم، ولكن الذي أرسلني هو الذي يَلي ذلك منهم" (^٤).
كل هذا في الإنجيل الذي بأيدي النصارى (^٥).
وفيه أن المسيح قال: "يا ربّ قد علموا أنك قد أرسلتني، وقد ذكرت لهم اسمك" (^٦) (فأخبر أنَّ الله) (^٧) ربُّه، وأنه عبده ورسوله.
وفيه: "أنَّ الله الواحد ربُّ كلِّ شيء، أرسل من أرسل من البشر إلى جميع العالَم ليُقْبِلوا إلى الحق". وفيه أنه قال: "إنَّ الأعمال التي أعمل (^٨) هي الشاهدات لي بأنَّ الله أرسلني إلى هذا العالَم" (^٩).
وفيه: "ما أبعدني وأتعبني إن أحدثت (^١٠) شيئًا من قِبَل نفسي، ولكن
_________________
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) إنجيل متى: (٢٣/ ١١).
(٣) في "ج": "أحاسبهم حسابهم".
(٤) انظر: إنجيل يوحنا: (٥/ ٣٠).
(٥) ساقط من "ب، ج".
(٦) إنجيل يوحنا: (٥/ ٣٦ - ٣٧).
(٧) في "غ": "فأخبره".
(٨) في "غ، ص": "أعملني" وفي "ج": "أعملها".
(٩) إنجيل يوحنا: (٧/ ١٧ - ١٨).
(١٠) في "ج": "حدث".
[ ٣٣٦ ]
أتكلَّمُ وأجيبُ بما علَّمني ربي" (^١). وقال: "إن الله مسحني وأرسلني، وأنا عبد الله، (وإنما أعبدُ الله) (^٢) الواحدَ ليومِ الخلاصِ" (^٣).
وقال: "إنَّ الله ﷿ ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، وما ولد له، ولا يولد، وما رآه أحد، وما يراه أحد إلا مات" (^٤).
وبهذا يظهر لك سرُّ قوله تعالى في القرآن: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. تذكيرًا للنَّصارى بما قال لهم المسيح.
وقال في دعائه لما سأل ربَّه أن يحيي الميت: "أنا أشكرك وأَحْمَدُك؛ لأنك (^٥) تُجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك أنْ تُحْيِى هذا الميت ليعلم بنو إسرائيل أنَّك أرسلتني وأنك تجيب دعائي" (^٦).
وفي الإنجيل أنَّ المسيح حين خرج من السامريَّة ولحق بجِلْجَال (^٧)
_________________
(١) إنجيل يوحنا: (٧/ ١٧).
(٢) في "ج": "أنا عبد".
(٣) إنجيل لوقا: (٤/ ١٨).
(٤) المواضع السابقة.
(٥) في "غ، ص": "أنك"، وفي "ج": "أنا أنت".
(٦) إنجيل يوحنا: (١١/ ٤٢ - ٤٣).
(٧) كلمة عبرية معناها متدحرج. ولها عدة معاني، منها أنها اسم قرية. انظر: "قاموس الكتاب المقدس"، ص (٢٦٢).
[ ٣٣٧ ]
قال: "لم يُكْرَمْ أحدٌ من الأنبياء في وطنه" (^١) فلم يزد على دعوى النبوة.
وفي إنجيل لوقا: "لم يُقْبَل (^٢) أحدٌ من الأنبياء في وطنه فكيف تقبلونني" (^٣).
وفي إنجيل مرقس (^٤): "أنَّ رجلًا أقبل إلى المسيح وقال: أيها المعلِّم الصالح (^٥) أيُّ خيرٍ أعملُ لأنالَ الحياةَ الدائمة؟ فقال له المسيح: لِمَ قلتَ صالحًا؟ إنما الصالح الله وحده، وقد عرفتَ الشروطَ؛ لا تَسْرِقْ، ولا تَزْنِ (^٦)، ولا تَشْهَدْ بالزُّور، ولا تَخُنْ، وأكْرِمْ أباكَ وأمَّكَ" (^٧).
وفي إنجيل يوحنَّا أن اليهود لما أرادوا قَبْضَه رفع بصرَه إلى السماء وقال: "قد دَنَا الوقتُ يا إلهي فشرِّفْني لديك، واجعلْ لي سبيلًا أن أملِّك كلَّ من مَلَّكْتني الحياةَ (الدائمة، وإنما الحياة) (^٨) الباقية أن يؤمنوا بك إلهًا واحدًا، وبالمسيح الذيِ بعثتَ، وقد عظَّمتُك على أهل الأرض، واحتملت الذي أمَرْتَنِي به فشَرِّفْنِي" (^٩) فلم يدَّع سوى أنه عبد مرسل مأمور مبعوث.
_________________
(١) إنجيل لوقا: (٤/ ٢٤).
(٢) في "غ، ص": "يقتل … تقتلونني".
(٣) إنجيل لوقا: (٤/ ٢٤ - ٢٥).
(٤) في "ب، ج، ص": "مرقش".
(٥) ساقطة من "غ".
(٦) في "ج": "لا تزني".
(٧) إنجيل مرقس: (١٠/ ١٧ - ٢٢).
(٨) ساقط من "ص".
(٩) إنجيل يوحنا: (١٧/ ١ - ٥).
[ ٣٣٨ ]
وفي إنجيل متى (^١): "لا تنسبوا أباكم الذي على الأرض فإنّ أباكم الذي في السماء وحده، ولا تَدْعُوا معلِّمين؛ فإنما معلِّمُكم المسيح وحده" (^٢).
والأب في لغتهم الربُّ المربِّي، أي: لا تقولوا إلهكم وربكم في الأرض، ولكنه في السماء، ثم أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه وهو أنَّ غايته أنه (^٣) يعلِّم في الأرض، وإلههم هو الذي في السماء.
وفي إنجيل لوقا حين دعا الله فأحيا ولد المرأة فقالوا: "إن هذا النبي لعظيم، وإن الله قد تفقد أمته" (^٤).
وفي إنجيل يوحنا: أنَّ المسيح أعلنَ صوته في البيت وقال لليهود: "قد عرفتموني وموضعي، وله آتِ من ذاتي، ولكن بعثني الحقُّ وأنتم تجهلونه، فإن قلتُ: إني أجهله، كنت كاذبًا مثلكم، وأنا أعلم (وأنتم تجهلونه) (^٥) أني منه وهو بعثني" (^٦) فما زاد في دعواه على ما ادَّعاه الأنبياء، فأمسكتِ المثلَّثةُ قوله: "إني منه" وقالوا: إله حق من إله حق.
وفي القرآن: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ﴾ [البينة: ٢]، وقال هود: ﴿وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ﴾ [الأعراف: ٦٧]. وكذلك قال صالح! ولكن أمة الضلال
_________________
(١) ساقط من "ج".
(٢) إنجيل متى: (٢٣/ ٩ - ١٠).
(٣) ساقطة من "ج".
(٤) إنجيل لوقا: (٧/ ١٦).
(٥) زيادة من "ص".
(٦) إنجيل يوحنا: (٧/ ٢٨ - ٣٠).
[ ٣٣٩ ]
-كما أخبر الله عنهم- يَتَّبِعون (^١) المتشابه ويردُّون المُحْكَمَ.
وفي الإنجيل أيضا أنه قال لليهود وقد قالوا له: نحن أبناء الله، فقال: "لو كان الله أباكم لأَطَعْتُمُوني لأني رسولٌ منه خرجت مقبلًا ولم أقبل من ذاتي ولكن هو بعثني، لكنكم لا تقبلون وصيتي وتعجزون عن سماع كلامي، إنما أنتم أبناء الشيطان (^٢) وتريدون إتمامَ (^٣) شهواتِه" (^٤).
وفي الإنجيل أن اليهود أحاطت به وقالت له: إلى متى تُخْفِي أمرك؟ إن كُنْتَ المسيح الذي ننتظره فأَعْلِمْنَا بذلك (^٥) ولم تقل: إنْ كُنْتَ الله أو ابنَ الله، فإنّه لم يدَّع (^٦) ذلك، ولا فَهِمَه عنه أحدٌ من أعدائِه ولا أتباعِه.
وفي الإنجيل أيضا: إنَّ اليهود أرادوا القبض عليه فبعثوا لذلك الأعوان (^٧)، وأن الأعوان رجعوا إلى قوادهم، فقالوا لهم: لِمَ لَمْ تأخذوه؟ فقالوا: ما سمعنا آدميًّا أنصف منه، فقالت اليهود: وأنتم أيضًا مخدوعون، أترون أنه آمَنَ به أحدٌ من القوَّاد أو من رؤساء أهل الكتاب؟ فقال لهم بعض أكابرهم: أَتَرَوْنَ كتابَكم يحكمُ على أحدٍ قبل أن يسمع منه؟ فقالوا له: اكشف الكتب ترى أنه لا يجيء من جلجال نبيٌّ (^٨) فما
_________________
(١) في "ج": "يبتغون".
(٢) في "ب، ج": "الشياطين".
(٣) في "ج": "آثام".
(٤) إنجيل يوحنا: (٨/ ٤١ - ٤٧).
(٥) إنجيل يوحنا: (١٠/ ٢٣).
(٦) في "ج": "يدعى".
(٧) في "ج": "أعوانًا".
(٨) إنجيل يوحنا: (٧/ ٤٥ - ٤٧).
[ ٣٤٠ ]
قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربُّه ومالكه أنه نبيٌّ، ولو علمت من دعواه الإلهية لذكرتْ ذلك له، وأنْكَرَتْهُ (^١) عليه، وكان أعظم أسباب التنفير (^٢) عن طاعته، لأنَّ كذبه كان يُعْلم بالحسِّ والعقل والفطرة واتفاق الأنبياء.
ولقد كان يجب لله سبحانه -لو سبق في حكمته أنه يبرز لعباده، وينزل عن كرسي عظمته، ويباشرهم بنفسه- أن (لا يَدْخُل في فرج) (^٣) امرأة، ويقيمَ في بطنها بين البولِ والنَّجْو والدمِ عِدَّةَ أشهر. وإذْ قد فعل ذلك (لا يخرج صبيًّا صغيرًا، يرضع ويبكي، وإذْ قد فعل ذلك) (^٤)، لا يأكل مع الناس ويشرب معهم وينام. وإذْ قد فعل ذلك فلا يبول ولا يتغوَّط ويمتنع من الخرأة إذْ هي مَنْقَصَة ابْتُلِيَ بها الإنسانُ في هذه الدار لنقصه وحاجته.
وهو -تعالى- المختصُّ بصفات الكمال، المنعوتُ بنعوت الجلال الذي ما وسعته سمواته ولا أرضه، وكرسيُّه وسع السموات والأرض، فكيف وسعه فرج (^٥) امرأة. تعالى الله رب العالمين!! وكلُّكم متفقون على أن المسيح كان يأكل ويشرب ويبول ويتغوَّط وينام.
فيا مَعْشَرَ المثلِّثة وعُبَّاد الصليب! أخْبِرُونا مَنْ كان الممسك للسموات والأرض حين كان ربُّها وخالقها مربوطًا على خشبة
_________________
(١) في "ج": "وأنكرت".
(٢) في "ج": "التعبير"، وفي "غ، ص": "النقير".
(٣) في "ج": "يدخل في بطن".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "ص، غ".
(٥) في "ج": "بطن".
[ ٣٤١ ]
الصليب (^١) وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال، وسمرت اليد التي أتقنت العوالم، فهل بقيت السموات والأرض خلوًا من إلهها وفاطرها وقد جرى عليه هذا الأمر؟!.
أم تقولون: استخلفَ على تدبيرها غيرَه، وهبط عن عرشه لِرَبْطِ نفسه على خشبة الصَّليب، ولِيذوقَ حرَّ المسامير، ولِيوجِبَ اللعنة على نفسه حيث قال في التوراة: "ملعونٌ ملعونٌ من تعلَّق بالصليب" (^٢) أم تقولون: كان هو المدبِّر لهما في تلك الحال، فكيف وقد مات ودفن؟!.
أم تقولون -وهو حقيقة قولكم-: لا ندري، ولكن هذا في الكتب وقد قاله الآباء وهم القدوة، والجواب عليهم؟!.
فنقول (لكم: وإلا يا) (^٣) معاشر المثلِّثة عُبَّاد الصليب! ما الذي دلَّكم على إلهية المسيح؟ فإن كنتم استدللتم عليها بالقبض (^٤) من أعدائه عليه وسَوْقِه إلى خشبة الصليب وعلى رأسه تاج من الشوك، وهم يبصقون في وجهه ويصفعونه، ثم أركبوه ذلك (^٥) المركب الشنيع، وشَدُّوا يديه ورجليه بالحبال، وضربوا فيها المسامير، وهو يستغيث، ويقلق ثم فاضت نفسه وأودع ضريحه، فما أصحَّه (^٦) من استدلالٍ عند أمثالكم ممَّنْ هم أضل من الأنعام، وهم عار على جميع الأنام!!.
_________________
(١) في "ج": "الصلب".
(٢) سفر التثنية: (٢١/ ٢٣).
(٣) في "د، ص": "لكم وللآباء".
(٤) في "ب، ص": "بالقبض عليه".
(٥) ساقطة من "ب، ج".
(٦) في "د": "أقبحه".
[ ٣٤٢ ]
وإن قلتم: إنما استدللنا على كونه إلهًا بأنه لم يولد من البشر، ولو كان مخلوقًا لكان مولودًا من البشر. فإن كان هذا الاستدلال صحيحًا فآدم إله المسيح، وهو أحقُّ بان يكون إلهًا منه، لأنه لا أمّ له ولا أب، والمسيح له أم، وحواء أيضًا اجعلوها إلهًا خامسًا لأنها لا أمّ لها، وهي أعجب من خَلْق المسيح؟!
والله سبحانه قد نوعَّ خلق آدم (^١) وبنيه إظهارًا لقدرته، وأنه يفعل ما يشاء، فخلق آدم لا مِنْ ذكَرٍ ولا من أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع (^٢) من ذكر وأنثى.
وإن قلتم: استدللنا على كونه إلهًا بأنه أحيا الموتى، ولا يحييهم إلا الله فاجعلوا موسى إلهًا آخر، فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأتِ المسيحُ بنظيره ولا ما يقاربه، وهو جَعْلُ الخشبة حيوانًا (^٣) عظيمًا ثعبانًا (^٤)، فهذا أبلغ وأعجب من إعادة الحياة إلى جسمٍ كانت فيه أولًا. فإن قلتم: هذا غير إحياء الموتى! فهذا اليسع النبيُّ أتى بإحياء الموتى، وهم (^٥) يُقِرُّون بذلك، وكذلك إيليا (^٦) النبيُّ أيضًا أحيا صبيًّا بإذن الله، وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه، وفي كتبكم من ذلك كثير عن
_________________
(١) في "ج": "الشيخ".
(٢) في "ج": "الأنواع".
(٣) ساقط من "ج، ب".
(٤) في "غ، ص": "بعبادنا".
(٥) في "غ": "وهو وهم".
(٦) في "ب، ج": "إلياس".
[ ٣٤٣ ]
الأنبياء والحواريين: فهل صار أحد منهم إلهًا بذلك؟!!
وإن قلتم: جعلناه إلهًا للعجائب التي ظهرت على يديه؛ فعجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيليا النبيُّ بارك على دقيقِ العجوز ودُهْنِها فلم يَنْفَدْ ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سَبْعَ سنين (^١)!!.
وإن جعلتموه إلهًا لكونه أَطْعَمَ من الأرغفة اليسيرة آلافًا من الناس (^٢)؛ فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنةً من المَنِّ والسَّلْوى!! وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العَسْكَرَ كلَّه من زادٍ يسير جدًّا حتى شبعوا وملأوا أوعيتهم (^٣)، وسقاهم كلَّهم من ماءٍ يسيرٍ لا يملأ اليد (^٤) حتى ملأوا كلَّ سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر (^٥)!!.
وإن قلتم: جعلناه إلهًا لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه؛ فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثني عشر طريقًا، وقام الماء بين الطرق كالحيطان، وفجَّر من الحجر الصَّلْد اثني عشر عينًا سارحة!!.
وإن جعلتموه إلهًا لأنه أبرأ الأكْمَهَ والأبرصَ؛ فإحياءُ الموتى أعجب من ذلك، وآياتُ موسى ومحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-
_________________
(١) انظر: "سفر الملوك الأول": (١٧/ ١١ - ١٦).
(٢) انظر: إنجيل يوحنا: (٦/ ٩ - ١٠).
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان: (١/ ٥٧).
(٤) في "ج": "يعم اليد" وفي "غ، ص": "يغير".
(٥) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: (٥/ ٢٦٠) (الطبعة المنيرية). وانظر: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" للكتاني، ص (٢١٢ - ٢١٣).
[ ٣٤٤ ]
أعْجَبُ من ذلك!!.
وإن جعلتموه إلهًا لأنه ادَّعى ذلك؛ فلا يخلو: إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه، أو يكون إنما ادَّعى العبوديةَ والافتقارَ وأنه مربوبٌ مصنوع مخلوق، فإن كان كما ادَّعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجَّال، وليس بمؤمن ولا صادق، فضلًا عن أن يكون نبيًّا كريمًا، وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
وكل من ادَّعى الإلهيَّة من دون الله فهو من أعظم أعداء الله كفرعون ونمرود وأمثالهما من أعداء الله، فأخرجتم (^١) المسيح عن كرامة الله ونبوَّته ورسالته، وجعلتموه من أعظمِ أعداءِ الله، ولهذا كنتم أشدَّ الناس عداوةً للمسيح في صورة مُحِبٍّ مُوالٍ!! ومن أعظم ما يُعْرَفُ به كذب المسيحِ الدجَّال أنَّه يدَّعي الإلهيَّة، فيبعث اللهُ عَبْدَهُ ورسولَه مسيحَ الهدى ابنَ مريم فيقتله، ويُظْهِر للخلائق أنه كان كاذبًا مفتريًا. ولو كان إلهًا لم يقتل، فضلًا عن أن يُصْلَب ويُسَمر ويُبْصَقَ في وجهه!!.
وإن كان المسيح إنما ادَّعى أنه عبدٌ ونبيٌّ ورسولٌ، كما شهدت به الأناجيل كلُّها ودلَّ عليه العَقْلُ والفِطْرَةُ وشهدتم أنتم له بالإلهيَّة -وهذا هو الواقع (^٢) - فلم تأتوا على إلهيَّتِهِ ببيِّنة غير تكذيبه في دعواه، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضعَ عديدةٍ ما يصرِّح بعبوديته وأنه مَرْبُوبٌ مخلوقٌ، وأنه ابنُ البَشَرِ، وأنّه لم يدَّعِ غير النبوة والرسالة، فكذَّبْتُمُوه في
_________________
(١) في "غ": "فأخرتم".
(٢) في "ب، ج": "قول الواقع".
[ ٣٤٥ ]