وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا لأنه أخبر بما يكون بعده من الأمور.
فكذلك عامَّةُ الأنبياءِ، وكثيرٌ (^٢) من الناس: يخبر عن حوادثَ في المستقبلِ جزئية، ويكون ذلك كما أخبر به، ويقع من ذلك كثير للكُهَّان والمنجِّمِيْنَ والسَّحَرَةِ!!.
فصل
وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا لأنه سمَّى نفسَهُ ابنَ الله في غير موضع من الإنجيل كقوله: "إني ذاهبٌ إلى أبي" (^٣)، وإني "سائل أبي" (^٤)، ونحو ذلك، وابن الإله إلهٌ.
قيل: فاجعلوا أنفسكم كلَّكم آلهة فإنَّ في الإنجيل في غير موضع أنه سمَّاه "أباه، وأباهم" كقوله: "أذهب إلى أبي وأبيكم" وفيه: "ولا تسبوا (^٥) أباكم على الأرض، فإنَّ أباكم الذي في السماء وحده" (^٦).
وهذا كثير في الإنجيل. وهو يدلُّ على أنَّ الأب عندهم الرب!!
_________________
(١) في "ب": "ورسوله".
(٢) في "غ، ص": "بل، وكثير .. ".
(٣) إنجيل يوحنا: (٢٠/ ١٧).
(٤) إنجيل يوحنا: (١٧/ ٩).
(٥) في "ص": "تنسبوا".
(٦) إنجيل متى: (٢٣/ ٩).
[ ٣٤٦ ]
وإن جعلتموه إلهًا لأنَّ تلاميذه ادَّعَوا ذلك له، وهم أعْلَمُ الناس به، كذبْتُم (^١) أناجيلَكم التي بأيديكم، فكلُّها صريحةٌ -أظهر صراحةٍ- بأنهم ما ادَّعَوا له إلا ما ادَّعاه لنفسه من أنه عَبْدٌ.
فهذا "متى" يقول في الفصل التاسع من إنجيله محتجًّا بنبوة إشَعْيَا في المسيح عن الله ﷿: "هذا عبدي الذي اصطفيتُه، وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له" (^٢)، وفي الفصل الثامن من إنجيله: "إني أشكرك يا رب"، "ويا رب السموات والأرض" (^٣).
وهذا "لوقا" يقول في آخر إنجيله: "إنَّ المسيحَ عَرَضَ له ولآخرَ من تلاميذه في الطريق ملكٌ وهما محزونان. فقال لهما وهما لا يعرفانه: ما بالكما محزونَيْن؟ فقالا (^٤): كأنك غريبٌ في بيت المقدس، إذْ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر يسوع النَّاصريِّ؛ فإنه كان رجلًا نبيًّا قويَّا تقيًّا في قوله وفعله، عند اللهِ وعند الأمةِ (^٥)، أخذوه وقتلوه" (^٦)، وهذا كثير جدًّا في الإنجيل!.
وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا لأنه صَعِدَ إلى السماء، فهذا أخنوخ (^٧)
_________________
(١) في "ب، ج": "كذبتكم".
(٢) إنجيل متى: (١٢/ ١٨).
(٣) إنجيل متى: (٨/ ٢٥).
(٤) في "ب، ج": "فقال".
(٥) في "ج": "أمته".
(٦) إنجيل لوقا، (٢٤/ ١٥ - ٢١).
(٧) إدريس ﵇.
[ ٣٤٧ ]
وإلياس قد صَعِدَا (^١) إلى السماء وهما حيَّان مكرمان لم تَشُكْهُما (^٢) شوكةٌ، ولا طمع فيهما طامع. والمسلمون مجمعون على أنَّ محمدًا ﷺ صَعِدَ إلى السماء وهو عبد محض، وهذه الملائكة تَصْعَد إلى السماء، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان، ولا تخرج (^٣) بذلك عن العبوديَّة، وهل كان الصُّعُود إلى السماء مخرجًا عن العبودية بوجه من الوجوه؟!!.
وإن جعلتموه إلهًا لأن الأنبياء سَمَّتْه إلهًا وربًّا وسيِّدًا ونحو ذلك. فلم يزل كثيرٌ من أسماء الله ﷿ تقع على غيره عند جميع الأممِ وفي سائر الكتب، وما زالت الرومُ والفُرْس والهندُ والسُّرْيَانِيُّون والعِبْرَانِيُّون والقِبْطُ وغيرهم يُسمُّون (^٤) ملوكهم آلهةً وأربابًا. وفي السفر الأول من التوراة: "أن بني الله دخلوا على بنات الناس ورأوهنَّ بارعاتِ الجمال فتزوجوا منهنَّ" (^٥)، وفي السفر الثاني من التوراة في قصة المخرج من مصر: "إني جعلتك إلهًا لفرعون" (^٦)، وفي المزمور الثاني والثمانين لداود: "قام الله لجميع الآلهة" (^٧). هكذا في العبرانية، وأما من نقله إلى السُّريانيَّة فإنه حرَّفه فقال: "قام الله في جماعة الملائكة" وقال في هذا المزمور وهو يخاطب قومًا بالروح: "لقد ظننت أنكم آلهة
_________________
(١) في "ج": "صعدوا".
(٢) في "غ": "يشكهما".
(٣) في "ب": "يخرج".
(٤) ساقط من "ج"، وفي "غ": "يسمو".
(٥) سفر التكوين: (٦/ ١ - ٢).
(٦) سفر الخروج: (٧/ ١).
(٧) انظر: المزامير، المزمور (٨٢).
[ ٣٤٨ ]