وأنكم أبناء الله كلكم" (^١).
وقد سمَّى الله -سبحانه- عبده بالمَلِك، كما سمَّى نفسه بذلك، وسماه بالرؤوف الرحيم كما سمَّى نفسه بذلك، وسمَّاه بالعزيز وسمى نفسه بذلك (^٢). واسمُ الربِّ واقعٌ على غير الله تعالى في لغة أمة التوحيد، كما يقال: هذا ربُّ المنزل، ورب الإبل، وربُّ هذا المتاع. وقد قال إشَعْيَا: "عرف الثَّورُ مَنِ اقتناه، والحمار مربط ربِّه، ولم (^٣) يعرف بنو إسرائيل" (^٤).
وإن جعلتموه إلهًا لأنه صنع من الطين (كهيئة الطير) (^٥)، أي صورةَ طائرِ، ثم (^٦) نفخ فيها فصارت لحمًا ودمًا وطائرًا حقيقةً، ولا يفعل هذا إلا الله.
قيل: فاجعلوا موسى بن عمران إلهَ الآلهةِ؛ فإنه ألقى عصًا فصارت ثعبانًا عظيمًا، ثم أمسكها بيده فصارت عصًا كما كانت.
فصل
وإن قلتم: جعلناه إلهًا لشهادة الأنبياء والرسل له بذلك، قال عزرا -حيث سباهم بختنصر إلى أرض بابل إلى أربعمائة واثنين وثمانين
_________________
(١) المزامير، (٨٢).
(٢) في "غ، ص": "كذلك".
(٣) في "ب، ج": "ولو لم".
(٤) سفر إشعياء: (١/ ١).
(٥) ما بين القوسين ساقط من "ب، ج، ص".
(٦) في "ج": "لما".
[ ٣٤٩ ]
سنة-: "يأتي المسيح ويخلِّص الشعوب والأمم" (^١) وعند انتهاء هذه المدة أتى المسيح، ومن يطيق تخليص الأمم والشعوب (^٢) غير الإله التام؟!
قيل لكم: فاجعلوا جميع الرسل آلهةً، فإنهم خلَّصوا الأمم من الكفر والشِّرْك، وخلَّصوهم من النار بإذن الله وحده (^٣).
ولا شكَّ أن المسيح خلَّص مَنْ آمن به واتَّبَعَه من ذُلِّ الدنيا وعذاب الآخرة، كما خلَّص موسى بني إسرائيل من فرعونَ وقومه، وخلَّصهم بالإيمان بالله واليوم الآخر، من عذاب الآخرة، وخلَّص اللهُ سبحانه بمحمدِ بن عبد الله ﷺ -عبدِه ورسوله- من الأمم والشعوب ما لم يخلِّصه نبيٌّ سواه. فإنْ وجبت بذلك الإلهيَّة لعيسى فموسى ومحمد (^٤) أحقُّ بها منه!!
وإن قلتم: أَوْجَبْنَا له بذلك الإلهيَّة لقول إِرْمِيَاء النبيِّ عن ولادته: "وفي ذلك الزمانِ يقومُ لداودَ ابنٌ، وهو ضوء النُّور، يملك الملك، ويقيمُ الحقَّ والعدل في الأرض، ويخلِّص مَنْ آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل ومن غيرهم، ويبقى بيتُ المَقْدِس (من غير مقاتل) (^٥)، ويسمى الإله" (^٦).
_________________
(١) العهد القديم، سفر دانيال: (٩/ ٢٥).
(٢) ساقط من "ب، ج، ص".
(٣) في "ب، ج": "الواحد القهار".
(٤) ليست في "ص، غ".
(٥) في "ب، ج": "بغير مقابل".
(٦) انظر: سفر إشعياء: (٩/ ٦ - ٧).
[ ٣٥٠ ]
فقد تقدم أن اسم الإله في الكتب المتقدمة وغيرها قد أطلق على غيره وهو بمنزلة الربِّ والسيِّد والأب، ولو كان عيسى هو الله لكان أجلَّ من أن يُقَال ويسمى: الإله، وكان يقول: وهو الله؛ فإن الله سبحانه لا يُعْرَف بمثل هذا.
وفي هذا الدليل (^١) -الذي جعلتموه به إلهًا- أعظمُ الأدلة على أنه عبدٌ وأنه ابنُ البشَر، فإنه قال: "يقوم لداودَ ابنٌ" فهذا الذي قام لداود هو الذي سُمِّي بالإله. فَعُلِم أن هذا الاسم لمخلوقٍ مصنوعٍ مولودٍ، لا لربِّ العالمين وخالقِ السموات والأرضين.
وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا من جهة قول إشَعْيَا النبيِّ: "قُلْ لصِهْيَونَ يفرح ويتهلَّل، فإن الله يأتي ويخلِّص الشعوب، ويخلِّص مَنْ آمن به، ويخلِّص مدينةَ بيت المقدس، ويُظْهِر الله ذراعه الطاهر فيها لجميع الأمم المتبدِّدين، ويجعلهم أمةً واحدة، ويبصر (^٢) جميع أهل الأرض خلاص الله لأنه يمشي معهم وبين أيديهم ويجمعهم إله إسرائيل" (^٣).
قيل لهم: هذا يحتاج "أولًا" إلى أن يعلم أن ذلك في نبوة إشَعْيَا بهذا اللفظ بغير تحريفٍ للفظه، ولا غَلَطٍ في الترجمة، وهذا غير معلوم. وإن ثبت ذلك لم يكن فيه دليل على أنه إلهٌ تامٌّ، وأنه غير مصنوع ولا مخلوق، فإنه نظير ما في التوراة من قوله: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران" (^٤)، وليس في هذا ما يدل
_________________
(١) ساقط من "د".
(٢) في "ب، ج": "ينصر".
(٣) إشعياء: (٤٠/ ٩ - ١١).
(٤) سفر التثنية: (٣٣/ ٢).
[ ٣٥١ ]
على أنَّ موسى ومحمدًا إلهان، والمراد بهذا: مجيء دينِه وكتابِه وشرعِه وهداهُ ونورِهِ.
وأما قوله: "ويظهر ذراعه الطاهر لجميع الأمم المبددين" ففي التوراة مثل هذا، وأبلغ منه في غير موضع.
وأما قوله: "ويبصر (^١) جميع أهل الأرض خلاص الله لأنه يمشي معهم ومن بين أيديهم"، فقد قال في التوراة في السفر الخامس لبني إسرائيل: "لا تهابوهم ولا تخافوهم؛ لأن الله ربكم السائر بين أيديكم وهو محارب عنكم" (^٢).
وفي موضع آخر قال موسى: "إن الشعب هو شعبك، فقال: أنا أمضي أمامك، فقال: إنْ لم (^٣) تمضِ أنت أمامنا وإلا فلا تُصْعِدْنَا من هاهنا، فكيف أعلم أنا وهذا الشعب أني وجدت نعمة كذا إلا بسيرك معنا؟ " (^٤).
وفي السفر الرابع: "إني (^٥) أصعدتُ هؤلاء بقدرتك فيقولون لأهل هذه الأرض الذي سمعوا منك، الله فيما بين هؤلاء القوم يرونه عينًا بعين، وغمامك تغيم (^٦) عليهم، ويعود غمامًا يسير بين أيديهم نهارًا، ويعود نارًا ليلًا" (^٧).
_________________
(١) في "ب، ج": "ينصر".
(٢) سفر التثنية: (١/ ٢٩).
(٣) ساقطة من "ج".
(٤) سفر الخروج: (٣٣/ ١٣ - ١٥).
(٥) في "ب، ج": "إن".
(٦) في "ج، ص": "يقيم".
(٧) سفر العدد: (١٤/ ١٤).
[ ٣٥٢ ]
وفي التوراة أيضًا: "يقول الله لموسى: إني آتٍ إليك في غلظ الغمام لكي يسمع القوم مخاطبتي لك" (^١).
وفي الكتب الإلهية وكلام الأنبياء (من هذا كثير) (^٢).
وفيما حكى خاتم الأنبياء عن ربِّه ﵎ أنه قال: "ولا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّه، فإذا أحْبَبْتُهُ وكنتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بهِ، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، ورجْلَه التي يمشي بها، فبي يَسْمَعُ، وبي يُبْصِر (^٣)، وبي يَبْطِشُ، وبي يَمْشِي" (^٤).
وإن قلتم: جعلناه إلهًا لقول زكريا في نبوته: "افرحي يا بنت صِهْيَوْن لأني آتيك وأحلُّ فيك وأتراءَى، وتؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة، ويكونون له شعبًا (^٥) واحدًا، ويحل هو فيهم، ويعرفون (^٦) أني أنا الله القويُّ الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم المُلْكَ من يهودا ويملك عليهم إلى الأبد" (^٧).
قيل لكم: إن وجبت (^٨) له الإلهية بهذا فَلْتَجِبْ (^٩) لإبراهيم وغيره
_________________
(١) سفر الخروج: (١٩/ ٩).
(٢) في "ج": "في كثير من هذا".
(٣) "وبي يبصر" ليست في "ص، غ"، وليست في البخاري.
(٤) أخرجه البخاري في الرقاق، باب التواضع: (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١).
(٥) في "ج": "شيعًا".
(٦) في "غ، ص": "يعرفني".
(٧) العهد القديم، زكريا: (٢/ ١٠ - ١٣).
(٨) في "غ": "أوجبتم".
(٩) في "ب، ج": "فليجب".
[ ٣٥٣ ]
من الأنبياء، فإن عند أهل الكتاب -وأنتم معهم- أنَّ الله تجلَّى لإبراهيم واسْتَعْلَنَ له وتراءى له.
وأما قوله: "وأحل فيك" لم يرد سبحانه بهذا حلول ذاته -التي لا (^١) تَسَعُهَا السمواتُ والأرض- في بيت المقدس، وكيف تحلُّ ذاته في مكانٍ يكون فيه مقهورًا مغلوبًا مع شرار الخلق؟! كيف (^٢) وقد قال: "ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك"؟!.
أفَتَرَى عَرَفُوا (^٣) قوّتَه بالقبض عليه، وشدِّ يديه بالحبال، ورَبْطِهِ على خشبة الصليب، ودقِّ المسامير في يديه ورِجْلَيه، ووضع تاج الشوك على رأسه وهو يستغيثُ ولا يُغَاث؟! وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهورٌ مُسْتَخْفٍ في غالب أحواله، ولو صحَّ مجيء هذه الألفاظ صحةً لا تُدْفَع، وصحَّتْ ترجمتها كما ذكروه لكان معناها: أنَّ معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك (^٤) البقعة. وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك.
وجماع الأمر: أنَّ النبوات المتقدمة والكتبَ الإلهيَّةَ لم تنطق بحرفٍ واحد يقتضي أنْ يكون ابنُ البشر إلهًا تامًا؛ إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، وأنه غير مصنوعِ ولا مربوبٍ (^٥)، بل لم يخصَّه إلا بما خُصَّ
_________________
(١) في "ج": "لم".
(٢) ساقطة من "ج".
(٣) في "غ، ص": "بموفق"، وفي "د": "يمزقوا".
(٤) في "ب": "ذلك".
(٥) ساقطة من "د".
[ ٣٥٤ ]
به (^١) أخوه وأَوْلى الناس به محمد بن عبد الله في قوله: إنه (^٢) عَبْدُ اللهِ ورسولُهُ وكلمَتُهُ ألقاها إِلى مَرْيَمَ وروحٌ منه.
وكُتُبُ الأنبياءِ المتقدِّمةُ وسائِرُ النبوات مُوَافِقةٌ لما أخبر (^٣) به محمد ﷺ، وذلك كلُّه يصدِّق بعضُه (^٤) بعضًا، وجميع ما تستدل به المثلِّثة عُبَّاد الصليب على إلهية المسيح من ألفاظ وكلمات في الكتب؛ فإنها مشتركة بين المسيح وغيره، كتسميته: ابنًا، وكلمةً، ورُوْحَ حقٍّ، وإلهًا. وكذلك ما أُطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه.
وقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يَحُل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه، فظنُّوا أنَّ ذلك نَفْسُ ذاتِ الربِّ، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعَلَى﴾ [النحل: من الآية ٦٠].
وقال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]، وهو ما في قلوب ملائكته وأنبيائه وعباده المؤمنين من الايمان به ومعرفته ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهو نظير قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧].
وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣].
_________________
(١) في "د، ج، ص": "خصه".
(٢) في "د": "هو".
(٣) في "ص": "خبَّر".
(٤) في "ج": "بعضهم".
[ ٣٥٥ ]
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤].
فأولياء الله يعرفونه ويحبونه، ويُجلُّونه، ويقال: هو في قلوبهم، والمراد: مَحَبَّتُه ومعرفته، والمَثَلُ الأعَلى في قلوبهم، لا نَفْسُ ذاته، وهذا أمرٌ يعتاده الناس في مخاطباتهم ومحاوراتهم، يقول الإنسان لغيره: أنت في قلبي، ولا زلتَ في عيني، كما قال القائل:
وَمِنْ عَجَب أنِّي أَحِنُّ إلَيْهِمُ … وأَسْألُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيْتُ وَهُمْ مَعِي
وتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وهُمْ في سَوَادِهَا (^١) … وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي (^٢)
وقال آخر في المعنى (^٣):
خيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي … وَمَثْواكَ في قَلْبِي (^٤) فَأَيْنَ تَغِيْبُ (^٥)
وقال آخر (^٦):
ساكن في القلب يعمره … لست أنساه فأذكره
وقال آخر:
_________________
(١) في "ب، غ": "سوائها".
(٢) نسبهما ابن الأبَّار لمهيار الديلمي بتغيير في البيت الثاني، ونسبهما بعضهم للقاضي الفاضل. وانظر: "المدهش" لابن الجوزي: (٢/ ٦٢٩).
(٣) "في المعنى" من "ج" فقط. وفي "غ، ص": "وقال الآخر".
(٤) في "د": "عيني".
(٥) البيت لأبي الحكم ابن غلندو الإشبيلي، ذكره ياقوت في "معجم الأدباء": (٣/ ١١٩٤).
(٦) البيت في "المدهش" (٢/ ٥١٤).
[ ٣٥٦ ]