فصل
قال السائل (^١): مشهورٌ عندكم (في الكتاب والسنة أنَّ نبيَّكم كان مكتوبًا عندهم) (^٢) في التوراة والإنجيل، لكنَّهم مَحَوْهُ عنهما لسبب الرِّياسةِ والمأْكلَةِ. والعقلُ يستشكل ذلك، أفكُلُّهم اتَّفقُوا على مَحْوِ اسمهِ من الكتب المنزَّلة من ربِّهم، شرْقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا؟! هذا أمرٌ يستشكله (^٣) العقلُ أعْظَمَ مِنْ نَفْيِهِمْ بألسنتهم؛ لأنَّه يمكن الرجوعُ عمَّا قالوا بألسنتهم. والرجوعُ عمَّا مَحَوا أبْعَدُ!
والجواب: أنَّ هذا السؤال مبنيٌّ على فَهْمٍ فاسد، وهو أنَّ المسلمين يعتقدون (أنَّ اسم النبيِّ ﷺ الصريحَ، وهو محمد بالعربية، مذكورٌ في التوراة والإنجيل -وهما الكتابان المتضمِّنان لشريعتين، وأنَّ المسلمين يعتقدون) (^٤) أنَّ اليهود والنصارى في جميع أقطار الأرض محوا ذلك الاسمَ، وأسْقَطُوه جملةً من الكتابَيْن وتَواصَوا بذلك بُعْدًا وقُرْبًا وشرقًا وغربًا.
وهذا لم يَقُلْه عالمٌ من علماء المسلمين، ولا أخبر اللهُ -سبحانه- به في كتابه عنهم، ولا رسولُه ولا بَكَّتَهُمْ (^٥) به يومًا من الدَّهر، ولا قاله أحدٌ من الصَّحابة ولا الأئمة بَعْدَهُمْ، ولا علماءُ التفسير، ولا المُعْتَنُونَ بأخبار الأُمم وتواريخِهِمْ.
_________________
(١) في المطبوع: "أما المسألة الثالثة فهي قول السائل".
(٢) ساقط من "غ".
(٣) في "غ": "يستشكل".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "غ".
(٥) في "غ": "يكتم".
[ ٩٩ ]
وإنْ قُدِّرَ (^١) أنِّه قاله بعض عوامِّ المسلمين؛ يقصد به نَصْرَ الرَّسول، فقد قيل: الصَّدِيْق الجاهلُ يضرُّ أكثر مما يضرُّ العدوُّ العاقل.
وإنما أُتِيَ هؤلاء من قلَّة فَهْمِ القرآن، وظنُّوا أنَّ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. = دلَّ على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والإنجيل المخصُوصَيْن، وأنّ ذلك لم يوجد البَتَّة. فهذه ثلاث مقامات (^٢):
أما المقام الأول: فالربُّ سبحانه إنما أخبر عن كَوْنِ رسولهِ مكتوبًا عندهم -أي الإخبار عنه وصفته ومخرجه ونعته- ولم يُخْبِرْ بأنَّ صريح اسمِه العربيّ مذكورٌ عندهم في التوراة والإنجيل.
وهذا واقعٌ في الكتابَيْن -كما سنذكر ألفاظهما (^٣) إن شاء الله- وهذا أبْلَغُ مِنْ ذِكْره بمجرد اسمهِ، فإنَّ الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل التعريف والتمييز، ولا يشاء أحدٌ، يُسمَّى بهذا الاسم، أنْ يَدَّعي أنه هو: إلا فَعَلَ، إذِ الحوالةُ إنما وقعتْ على مجرَّد الاسم، وهذا لا يحصل به بيانٌ ولا تعريفٌ ولا هدًى، بخلاف ذِكْرِه بنعتِه وصفتِه وعلاماتِه ودعوته، وصفةِ أمَّتِه، ووقت مخرجه، ونحو ذلك، فإنَّ هذا يعيِّنُه ويُمَيِّزُه ويحصر نَوْعَه في شخصِهِ.
وهذا القدر مذكورٌ في التوراة والإنجيل وغيرهما من النبوءات التي
_________________
(١) في "غ": "قدِّر له".
(٢) ذكر المصنف هنا المقام الأول، ولم يذكر المقامين الآخرين، ولعلهما ما سيأتي من وجوه العلم بأنه ﷺ مذكور في كتبهم، ص (١٠٩) وما بعدها.
(٣) في "غ": "ألفاظها".
[ ١٠٠ ]
بأيدي أهل الكتاب -كما سنذكرها- ويدلُّ عليه وجوه:
(الوجه الأول): أنَّ رسول الله ﷺ كان أحرص الناس على تصديقه، واتِّباعِهِ، وإقامة الحجة على مَنْ خالفه وجَحَدَ نبوَّته، ولاسيما أهل العلم والكتاب، فإنَّ (^١) الاستدلال عليهم بما يعلمون بطلانه قطعًا لا يفعله عاقل، وهو بمنزلة مَنْ يقول لرجلٍ (^٢): علامةُ صِدْقي أنَّك فلانُ بن فلانٍ وصَنْعَتُك (^٣) كيتَ وكيتَ، وتُعْرَفُ بِكَيْتَ وكيتَ، ولم يكن الأمر كذلك، بل بضدِّه.
فهذا لا يصدُر ممَّنْ له مُسْكَةُ عقلٍ، ولا يصدِّقه أحدٌ على ذلك، ولا يَتَّبعُه أحدٌ على ذلك، بل يَنْفِرُ العقلاء كلُّهم عن تصديقه واتِّباعِهِ. والعادةُ تُحِيْلُ سكوتَهم عن الطَّعن عليه والردِّ والتهجين لقوله.
ومن المعلوم بالضَّرورةِ: أنَّ محمدَ بنَ عبدِ الله -صلوات الله وسلامه عليه- نادى مُعْلِنًا في هاتين الأمَّتين اللَّتين هما أعلم الأمم في الأرض قبل مبعثه، بأنَّ ذِكْره ونَعْتَه وصفَته بعيِبه، عندهم في كتبهم، وهو يتلو ذلك عليهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا في كلِّ مجمع، وفي كلِّ نادٍ، يدعوهم بذلك إلى تصديقه والإيمانِ به؛ فمنهم من يصدِّق (^٤) ويؤمن به، ويخبر بما في كتبهم من نعته وصفته وذكره كما سيمر بك إن شاء الله.
وغايةُ المكذِّب الجاحدِ أنْ يقولَ: هذا النَّعْتُ والوصفُ حقٌّ، ولكن لستَ أنت المراد به بل نبيٌّ آخر!
_________________
(١) في "غ": "وإن".
(٢) في "غ": "الرجل".
(٣) في "ب": "وصفتك".
(٤) في "غ": "يصدقه".
[ ١٠١ ]
وهذا غاية ما يمكنه من المكابرة، ولم تُجْدِ عليه هذه المكابرة إلا كشفه عورته وإبداءه الفضيحة بالكذب والبُهْتَان. فالصفات (^١) والنعوت والعلامات المذكورة عندهم منطبقة عليه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، بحيث لا يشكُّ من عرفها ورآه أنَّه هو، كما عرفه قَيْصَرُ وسَلْمَانُ بتلك العلامات المذكورات التي كانت عنده من بعض علمائه، وكذلك هِرَقْلُ عَرَفَ نُبوَّتَه بما وُصِفَ له من العلامات التي سألَ عنها أبا سفيان، فطابقت ما عنده، فقال: إنْ يَكُنْ ما تقولُ حقًّا فإنَّه نبيٌّ، وسيملك ما تحت قدميَّ هاتين.
وكذلك مَنْ قدَّمْنَا ذكرهم من الأحبار والرُّهبان الذين عرفوه بنعته وصفته كما يعرفون أبناءهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
ومعلومٌ أنَّ هذه المعرفة إنما هي بالنَّعتِ والصِّفَةِ المكتوبةِ عندهم التي هي (^٢) منطبقة عليه، كما قال بعض المؤمنين منهم: والله لأَحَدُنا أعرفُ به من ابنه، إنَّ أحدنا لَيَخْرجُ من عند امرأته، وما يدري ما يحدثُ بعده. ولهذا أثنى الله سبحانه على من عَرَفَ الحقَّ منهم، ولم يستكبر عن اتِّباعه، فقال:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ
_________________
(١) في "غ": "فإن الصفات".
(٢) ساقط من "غ".
[ ١٠٢ ]
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٦].
قال ابنُ عبَّاسٍ: لما حضرَ أصحابُ النبيِّ ﷺ بين يدي النَّجاشيِّ وقرأوا القرآن، سمع ذلك القِسِّيْسُونَ والرُّهبان فانحدرتْ دموعهم مما عَرَفُوا من الحق فقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيات (^١).
وقال سعيد بن جبير: بعث النَّجاشيُّ من خيار أصحابه ثمانين رجلًا إلى رسولِ الله ﷺ، فقرأ عليهم القرآن، فَبَكَوا ورَقُّوا، وقالوا نعرفُ -والله-، فأسلموا وذهبوا إلى النَّجاشيِّ فأخْبَرُوه فأسْلمَ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآيات (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: كانوا اثني عَشَرَ رجلًا؛ سبعةً من القسيسين وخمسةً من الرُّهبان، فلما قرأ عليهم رسولُ الله ﷺ القرآنَ بَكَوا وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
قال ابن عباس: هم محمدٌ وأمَّتُه، وهم القوم الصالحون الذين
_________________
(١) أخرجه الطبري: (٧/ ١ - ٣)، والبغوي: (١/ ٧٠٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٧٠٣ - ٧٠٤).
[ ١٠٣ ]
طمعوا أن يُدْخِلَهم الله فيهم (^١).
والمقصود: أنَّ هؤلاء الذين عرفوا أنه رسول الله بالنَّعت الذي عندهم، فلم يملكوا أعينَهُم من البكاء وقلوبَهُم من المبادرة إلى الإيمان.
ونظيرُ هذا: قولُه -سبحانه-: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا* (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
قال إمامُ التفسير مُجَاهِدٌ: هم قومٌ من أهل الكتاب، لما سمعوا القرآنَ خَرُّوا سُجَّدَا وقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (^٢).
كان الله ﷿ وعد على ألسنة أنبيائه ورسله أَنْ يبعثَ في آخر الزمان نبيًّا عظيمَ الشأن، يَظْهرُ دِيْنُه على الدِّين كلِّه، وتنتشرُ دعوتُه في أقطار الأرض، وعلى رأسِ أمته تقومُ الساعةُ. وأهْلُ الكتابَيْنِ مجمعون على أنَّ الله وَعَدَهُم بهذا النبيِّ، فالسُّعداء منهم عرفوا الحقَّ فآمنوا به واتَّبعوه، والأشقياء قالوا: نحن ننتظره ولم يبعث بعد (رسولًا، فالسُّعداء) (^٣) لَمَّا سمعوا القرآنَ من الرسولِ عَرَفُوا أنَّه النبي الموعودُ به، فخرُّوا سُجَّدًا لله، إِيمانًا به وبرسوله، وتصديقًا بوعده الذي أنجزه، فرأوه عِيَانًا فقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
وذكر يونُسُ بنُ بُكَيْر، عن سَلَمَةَ بن عبد يَسُوع، عن أبيه، عن جدِّه
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٧٠٤).
(٢) انظر: "تفسير الطبري": (١٥/ ١٨١)، "زاد المسير": (٥/ ٩٧).
(٣) في "غ": "رسول الله".
[ ١٠٤ ]
-قال يونس: وكان نصرانيًّا فأسْلَمَ- أنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نَجْرَانَ: "بسم إله إِبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، من محمَّدٍ النبيِّ رسولِ الله إلى أُسقفِّ نَجْرَانَ وأهلِ نجرانَ؛ سِلْمٌ أنتم، إنِّي أحمدُ إليكم إله إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
أما بعد: فإني أدعوكم إلى عِبَادةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ، وأدْعُوكم إلى ولايةِ الله من ولايةِ العباد، فإنْ أَبَيْتُمْ فالجزيةُ، فإن أبيتم فقد آذَنْتُكُمْ بحربٍ من الله (^١)، والسلام".
فلما أتى الأُسْقُفَّ الكتابُ فقرأه فَظِعَ به (^٢)، وذعره ذُعْرًا شديدًا، فبعث إلى رجلٍ من أهل عُمَان (^٣) يقال له: شُرَحْبِيْلُ بنُ وَدَاعَة، وكان من همدان، ولم يكن أحدٌ يُدعَى إلى مُغضِلَةٍ قَبْلَه؛ فدفع الأسقفُّ كتابَ رسولِ الله ﷺ إلى شُرَحْبيْل فقرأه، فقال الأسقفُّ: ما رأيك يا أبا مريم، فقال شُرَحْبيْل (^٤): قد عَلمتَ ما وعد الله إبراهيمَ في ذريَّة إسماعيل من النبوَّة، فماَ نأمن من أن يكون هذا هو ذاك الرَّجل، ليس لي في النبوة رأيٌ، لو كان أمرًا من الدنيا أشرتُ عليك فيه برأي، وجهدت لك. فقال الأسْقُف: تنحَّ فَاجْلِسْ، فتنحَّى فجلسَ ناحيةً.
فبعث الأسقف إلى رجلٍ من أهل نجران، يقال له: (عبد الله بنُ شُرَحْبِيل، وهو من ذي أَصْبَح من حِمْيَر، فأقرأه الكتابَ وسأله الرأيَ فيه، فقالَ لَه مِثْلَ قولِ شُرَحْبيل، فأمره الأُسقف فتنحَّى.
_________________
(١) من "ب".
(٢) في "ب": "قطع به".
(٣) في "زاد المعاد": "من أهل نجران".
(٤) في "ب، غ": "شرحيل". وهي كذلك فيما سيأتي من المواضع كلها.
[ ١٠٥ ]
ثم بعث إلى رجلٍ من أهل نجرانَ) (^١)، يقال له: جبار بن فيض، من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتابَ وسأله عن الرأي فيه، فقال له مِثْلَ قولِ شرحبيل وعبدِ الله، فأمره الأُسقف فتنحَّى ناحيةً.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأُسقفُّ بالنَّاقوس فَضُرِب به، ورُفِعَتِ المسُوحُ (^٢) بالصَّوامع -وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضرب بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع- فاجتمع أهل الوادي، أعلاه وأسفله وطوله مسيرةَ يومٍ للراكب السريع، وفيه ثلاثة وسبعون قريةً، وعشرون ومائة ألف مقاتل؛ فقرأ عليهم كتاب رسولِ الله ﷺ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأيُ أهلِ الرّأي منهم على أنْ يبعثوا شُرَحْبِيْلَ بن وداعةَ الهَمْدَانيّ، وعبدَ الله بنَ شرحبيل، وجبارَ بنَ فيضٍ، فيأتونه بخبرِ رسولِ الله ﷺ.
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا (^٣) بالمدينة وضعوا ثياب السَّفر عنهم، ولبسوا حُلَلًا لهم يجرُّونها، مِنْ حِبَرَةٍ، وخواتيمَ الذهبِ، ثم انطلقوا حتى أتَوا رسول الله ﷺ، فسلَّموا عليه، فلم يردَّ عليهم¬ السلام، وتصدَّوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلِّمهم وعليهم تلك الحُلَلُ والخواتيمُ الذهبُ فانطلقوا يبتغون عثمانَ بن عفَّان، وعبدَ الرَّحمنِ بن عوف، وكانا معرفةً لهم، كانا يبعثان العِيْرَ إلى نَجْرَانَ في الجاهليَّة فيشترى لهما من بُرِّها وتمرِها، فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار في مجلسٍ، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إنَّ نبيَّكم كتب إلينا بكتابٍ فأقْبَلْنا
_________________
(١) ساقط من "غ".
(٢) في "ب": "السرج" وفي "غ": "الشرج".
(٣) في "غ": "كان".
[ ١٠٦ ]
مجيبينَ له، فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يردَّ سلامَنَا، فتصدَّيْنَا لكلامه نهارًا طويلًا، فأعيانا أن يكلِّمنا، فما الرأيُ منكما: أنعودُ، أم نَرْجعُ إليه؟ فقالا لعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحَسَنِ في هؤلاء القوم؟ فقال عليٌّ لعثمان وعبد الرحمن: أرى أنْ يضعوا حُلَلَهم هذه وخواتِيْمَهم، ويلبسوا ثيابَ سَفَرِهم، ثم يعودون إليه.
ففعل وفد نجرانَ ذلك، ووضعوا حُلَلَهم وخواتيمَهم، ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه فردَّ عليهم سلامهم، ثم قال: "والذي بعثني بالحقِّ لقد أتَوْني المرةَ (^١) الأولى وإنَّ إبليس لَمَعَهُمْ". ثم سألهم وسألوه، فلمِ تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقولُ في عيسى، فإنَّا نحبُّ أن نَعْلَمَ ما تقول فيه؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١]. فأبوا أن يُقِرُّوا بذلك.
فلما أصبحَ رسول الله ﷺ الغد، بعد ما أخبرَهم الخبرَ، أقبل مشتملًا على الحَسَنِ والحُسَيْن في خميلةٍ له، وفاطمةُ تمشي عند ظهره، إلى الملاعَنَةِ، وله يومئذ عِدَّة نسوةٍ، فقال شُرَحْبِيْل لصاحبه: يا عبد الله بن شرجبيل ويا جبار بن فيض، لقد علمتما أنًّ الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدُوا ولم يَصْدُرُوا إلا عن رأيى، وإنّي -والله- أرى أمرًا مُقْبِلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملِكًا مبعوثًا فكنا أولَ العرب طعن في
_________________
(١) في "غ": "المدة".
[ ١٠٧ ]
عينه وردَّ عليه أمرَه: لا يذهبُ لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبنا (^١) بجائحةٍ، وإنَّا لأدْنَى العرب منهم جوارًا، ولئن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فَلَاعَنَّاهُ = لا يبقى على وجه الأرض منَّا شعرةٌ ولا ظُفُر إلا هلَكَ.
فقال له صاحباه: فما الرأيُ يا أبا مريم؟ فقد وَضَعَتْكَ الأمور على ذراِع فهاتِ رأيك. فقال: رأي أنْ أُحَكِّمَهُ، فإِنّي أرى الرَّجلَ لا يحكم شَططا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك، فَلَقِيَ شرحبيلُ رسولَ الله ﷺ، فقال: إنِّي قد رأيتُ خيرًا من مُلاعَنَتِكَ. فقال (^٢): "ما هو"؟ قال شرحبيل: حَكَّمْتُك اليومَ إلى الليل، وليلتك إلى الصباح؛ فمهما حَكَمْتَ فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ: "لعلَّ وراءك أحدًا يُثَرِّبُ عليك"؟ فقال له شرحبيل: سَلْ صَاحِبَيَّ فسألهما، فقالا: ما نَرِدُ الموارد، ولا نَصْدُرُ المصادِرَ إلا عن رأي شُرَحْبِيْل.
فرجعَ رسولُ الله ﷺ ولم يُلَاعِنْهم، حتى إذا كان الغد أتَوْه، (فكتب لهم كتابَ صلحٍ ومُوَادَعَةٍ، فقبضوا كتابهم وانصرفُوا) (^٣) إلى نجرانَ، فتلقَّاهم الأُسْقُفُّ ووجوه نجران على مسيرةِ ليلةٍ من نجران (^٤)، ومع الأُسقف أخٌ له من أمه وهو ابن عمه من النسب، يقال له: أبو علقمة، فدفع الوَفْدُ كتابَ رسولِ الله ﷺ إلى الأُسقف، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران، إذْ كَبَتْ بأبي علقمةَ ناقَتُه، فَتَعَّسَ، غير أنَّه لا يَكْنِي عن
_________________
(١) في "غ": "يصيّرنا".
(٢) في "غ": "فقالوا".
(٣) ساقط من "غ".
(٤) "من نجران" ساقطة من "غ".
[ ١٠٨ ]
رسول الله ﷺ، فقال له الأُسقفُّ عند ذلك: قد -واللهِ- تَعَّسْتَ نبيًّا مُرْسَلًا، فقال له أبو علقمة: لا جَرَمَ -والله- لا أحُلُّ عنها عَقْدًا حتى آتِيَهُ، فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنَى الأسقفُ ناقته عليه، فقال له: افهف عنِّي، إنما قلتُ هذا (مخافةَ أن يبلغِ) (^١) عني العربَ أنَّا (^٢) أُخِذْنَا حُمْقةً أو نَخَعْنا لهذا الرَّجل بما لم تنخعْ به العربُ، ونحن أعزُّهم وأجمعهم دارًا، فقال له أبو علقمة: والله لا أُقيلك ما خرج (^٣) من رأسك أبدًا، ثم ضرب ناقته يقول:
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِيْنُهَا … مُعْتَرِضًا في بَطْنِهَا جَنِيْنُهَا
مُخَالِفًا دِيْنَ النَّصارَى دِيْنُهَا
حتى أتى النبيَّ ﷺ فلم يزل معه حتى اسْتُشْهِدَ بعد ذلك (^٤).