اتَباعِهِ، وإنه لَلنَّبِيّ العربيُّ الذي (^١) بَشَّرَ به عيسى ابنُ مريم، واللهِ إنَّه لمكتوبٌ عندنا في الإنجيل (^٢).
فصل
وذكر الواقديُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ شُجَاعَ بنَ وَهْب إلى الحارث بنِ أبي شَمِر، وهو بغوطةِ دمشقَ، فكتب إليه مَرْجعَهُ من الحُدَيْبيَة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمَّدٍ رسولِ الله، إلى اَلحارث ابن أبي شمر، سلامٌ على من اتَّبع الهدى واَمن به وصدَّقَ، وإني أدعوكَ إلى أنْ تؤمنَ بالله وحدَهُ، لا شريك له، يَبْقَى لك مُلْكُكَ" وختم الكتاب.
فخرج به شُجَاعُ بنُ وَهْب، قال: فانتهيتُ إلى حاجبه، فوجدتُه (^٣) يومئذٍ وهو مشغولٌ بتهيئة الأنْزَالِ والألْطاف لقيصر، وهو جاءِ من حِفصَ إلى إيليا -حيث كشف الله عنه جنود فارس- شكرا لله ﷿ قال: فأقمتُ على بابه يومين أو ثلاثةً، فقلت لحاجبه: إنّي رسولُ رسولِ الله إليه، فقال حاجبه: لا تصلُ إليه حتى يخرجَ يومَ كذا وكذا، وجعل (^٤) حاجبُهُ -وكان روميًّا اسمه مُري- يسألني عن رسولِ الله ﷺ وما يدعو إليه، فكنت أحدِّثُه فيرقُّ حتى يَغْلِبَهُ البكاء، ويقول: إنّي قرأتُ في الإِنجيل، وأجدُ صفةَ هذا النبيِّ بعينه. فكنتُ أُراه يخرج بالشَّام، فأراه قد (٢)
_________________
(١) ساقط من "ب، غ".
(٢) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: (١/ ٢٦٢)، "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"، د. محمد حميد الله، ص (١٥٦ - ١٥٧)، "المصباح المضيّ في كتَّاب النبيّ الأميِّ .. " لابن حديدة: (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٣) في "غ": "فأجده"، وفي "ب": "فأخذه".
(٤) ساقط من "غ".
[ ٩٠ ]
خرج بأرض العرب (^١)، فأنا أُومِنُ به وأصدِّقُه، وأنا أخاف (^٢) من الحارث بن أبي شمر أنْ يقتلني.
وقال شُجَاعٌ: فكان هذا الحاجب يُكْرِمُني ويُحْسِنُ ضيافتي، ويُخْبِرُني عن الحارث باليأس منه، ويقول: هو يخاف قيصر، قال: فخرج الحارث يومًا وجلس، فوضع التَّاج على رأسه، فأذِنَ لي عليه، فدفعتُ إليه كتاب رسولِ الله ﷺ فقرأه، وقال: مَنْ يَنْتَزِعُ منِّي مُلْكِي؟! أنا سائرٌ إليه ولو كان باليمين جئتُه، عليَّ بالناس! فلم يزل جالسًا يعرض حتى الليل، وأمر بالخيل (أن تُنْعَلَ) (^٣)، ثم قال: أخْبِرْ صاحبك ما ترى.
وكتب إلى قيصر يخبره خَبَري فصادفَ قيصر بإيليا، وعنده دِحْيَةُ الكَلْبيُّ، قد بعثه إليه رسولُ الله ﷺ، فلما قرأ قيصر كتابَ الحارثِ، كتب إليه أَنْ لا تَسِرْ (^٤) إليه، وتَلَهَّ عنه، ووَافِني (^٥) بإيلياء.
قال: ورجع الكتاب وأنا مقيمٌ، فدعاني، وقال: متى تريدُ أن تخرجَ إلى صاحبكَ؟ قلت: غدًا، (فأمر لي) (^٦) بمائةِ مثقالٍ ذهبًا، ووصلني مُري بنفقةَ وكسوة، وقال: اقرأْ على رسول الله ﷺ مِنّي السلامَ وأخْبِرْه أنّي مُتَّبِعٌ دِيْنَهُ.
_________________
(١) في "ج": "القرظي"، وفي "غ": "غيرها".
(٢) في "ج": "خايف".
(٣) في "ج": "بأن تحدّ".
(٤) في "ج": "تشر".
(٥) في "ج": "ووافاني". و"إيلياء" -بالمد والتخفيف- هي مدينة بيت المقدس، وقد تشدَّد الثانية وتُقْصر الكلمة. وهو معرَّب. انظر: "النهاية" لابن الأثير: (١/ ٨٥).
(٦) في "ج": "فأمرني".
[ ٩١ ]