بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)
الحمدُ لله الذي رضي لنا الإسلام ديْنًا، ونصب لنا الدِّلالة على صحته برهانًا مبينًا، وأوضحَ السَّبيلَ إلى معرفته واعتقاده حقَّا يقينًا، ووعدَ منْ قام بأحكامه وحفظ حدودَهُ أجرًا جسيمًا، وذخر لمن وافاه به ثوابًا جزيلًا وفوزًا عظيمًا، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، والاعتصام بعراهُ وأسبابه.
فهو دينُه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فبه (^٢) اهتدى المهتدون، وإليه دعا الأنبياءُ والمرسلون (^٣).
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣].
فلا يقبل من أحد دينًا سواه من الأولين والآخرين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
شهد بأنَّه دينُه قَبْلَ شهادة الأنام، وأشادَ به (^٤) ورَفَعَ ذِكْرَهُ، وسمَّى به أهلَه وما اشتملت عليه الأرحامُ، فقال تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨، ١٩].
_________________
(١) في "د" بعد البسملة: "وبه نستعين".
(٢) في "ب، ج": "فيه".
(٣) في "غ": "المرسلين".
(٤) "وأشاد به" ساقط من "ج".
[ ٣ ]
وجعل أهلَه همُ الشهداءُ على النَّاس (^١) يومَ يقومُ الأشهاد، لِمَا فضَّلهم به من الإصابة في القول والعمل والهَدْي والنيَّة والاعتقادِ، إذْ كانوا أحقَّ بذلك وأهلَه في سابق التقدير، فقال:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
وحَكَمَ -سبحانه- بأنَّه أحسنُ الأديانِ، ولا أحسنَ من حُكْمهِ ولا أصدقَ منه قِيلًا، فقال:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
وكيف لا يميِّز مَنْ له أدنى عقلٍ يرجع إليه بين دينٍ قام أساسُه وارتفع بناؤه على عبادةِ الرحمن، والعملِ بما يحبُّه ويرضاه مع الإخلاص في السِّر والإعلان، ومعاملةِ خلقه بما أَمَرَ به من العَدْلِ والإحسانِ، مع إيثارِ (^٢) طاعتهِ على طاعةِ الشيطان (^٣).
وبين دينٍ أُسِّس بُنيانُهُ على شَفَا جُرُفٍ هارٍ فانهار بصاحبه (^٤) في النَّار؛ أُسِّس على عبادة النِّيران، وعَقْدِ الشَّرِكَةِ بين الرَّحمنِ والشَّيطان،
_________________
(١) ساقط من "ج".
(٢) في "غ، ج، ب": "وإيثار".
(٣) في "غ": "السلطان".
(٤) في "ج": "بأصحابه".
[ ٤ ]
وبينه وبين الأوثان (^١).
أو دينٍ أُسِّس بنيانُه على عبادة الصُّلْبان والصُّوَر المدهونة في الشُقُوفِ والحيطان، وأنَّ ربَّ العالمين (^٢) نزل عن كرسى عظمته فالتَحَمَ بِبَطْنِ أنثى، وأقام هناك مدةً من الزمان، بين دم الطَّمْث في ظلمات الأحشاء تحت ملتقى الأعكان (^٣)، ثم خرج صَبيًّا رضيعًا، يشبُّ شيئًا فشيئًا، ويبكي ويأكل ويشرب، ويبول وينام، ويَتقلَّب مع الصبيان، ثم أُوْدع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلَّم ما ينبغي للإِنسان.
هذا؛ وقد قُطِعَتْ منه القُلْفَةُ حين الختان، ثم جعل اليهودُ يطردونه ويشرِّدونه (^٤) من مكانٍ إلى مكان، ثم قبضوا عليه وأحَلُّوه أصناف الذلِّ والهَوَان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجًا من أقبح التيجان، وأركبوه قصبةً ليس لها لِجَامٌ ولا عِنَانٌ، ثم ساقوه إلى خشبة الصَّلْب مصفوعًا مبصوقًا في وجهه، وهم خَلْفَه وأمامَه وعن شمائله وعن الأيمان، ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعرُّ منه القلوب مع الأبدان، ثم شُدَّت بالحبال يَداهُ والرِّجْلان (^٥)، ثم خالطها (^٦) تلك المسامير التي تكسر
_________________
(١) في "ب": "الأديان".
(٢) في "غ": "وأن ربك رب .. ". وفي "ج، ب" زيادة: "ﷻ وتنزهت صفاته عما قيل وما يقال من جميع الشهادات".
(٣) الأعْكان جمع عكنة، وتجمع أيضًا على "عُكَن". والعكنة: الطيُّ في البطن من السِّمَن.
(٤) في "غ": "يشددونه".
(٥) في "ب، ج، ص": "مع الرجلان". وفي "غ": "مع الرجال".
(٦) في "ب، ج، ص": "خالطهما".
[ ٥ ]
العظام وتمزق اللُّحْمَانَ، وهو يستغيثُ: يا قومِ ارحَمُونِي! فلا يرحمُه منهم إنسانٌ.
هذا؛ وهو مدبِّر (^١) العالم العلويِّ والسفلي الذي يسأله مَنْ في السموات والأرض كلَّ يوم هو في شأن! ثم مات ودفن في التراب تحت صُمِّ الجَنَادل (^٢) والصَّوَّان، ثم قام من القبر، وصعد إلى عرشه ومُلكه (^٣) بعد أن كان ما كان.
فما ظنك بفروع هذا أصلُها الذي قام عليه البنيان!
أو دينٍ أُسِّس بنيانُه على عبادة الإله المنحوت (^٤) بالأيدي بعد نحت الأفكار من سائر أجناس الأرض (^٥) على اختلاف الأنواع والأصناف والألوان، والخضوع له والتذلل والخرور سجودًا على الأذقان، لا يؤمن مَنْ يدين به بالله ولا ملائكته، ولا كتبه ولا رسله، ولا لقائه يوم يجزى المسيء بإساءته والمحسن بِالإِحسان (^٦).
أو دين الأمَّة الغَضَبيَّة الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحيَّة من قِشرها (^٧)، وبَاؤوا بالغَضَب والخِزْي (^٨) والهَوانِ، وفارَقُوا أحكاَمَ التوراةِ ونَبَذُوها وراءَ ظهورَهم، واشتروا بها القليل من
_________________
(١) في "ج": "يدير".
(٢) هي الحجارة العظيمة القاسية. والصوَّان: نوع من الحجارة الصلبة.
(٣) ساقط من "ج".
(٤) في "غ": "المصنوع المنحوت .. ".
(٥) ساقط من "غ".
(٦) في "ص": "بإحسانه".
(٧) في "ص": "فراها".
(٨) في "ج": "والحر".
[ ٦ ]
الأثمان (^١)، فرحل عنهم التوفيقُ وقَارَنَهُمُ (^٢) الخِذْلَانُ، واستبدلوا بولايةِ الله وملائكته ورسله وأوليائه ولايةَ الشيطان.
أو دينٍ أُسِّس بنيانه على أنَّ ربَّ العالمين وجود مُطْلَقٌ في الأذهان، لا حقيقةَ له في الأعيان، ليس بداخلٍ في العَالَمِ ولا خارجٍ عنه، ولا متَّصل به ولا منفصلٍ عنه، ولا محايثٍ ولا مباينٍ له، ولا (^٣) يَسمع، ولا يَرى، ولا يعلم شيئًا من الموجودات ولا يفعل ما يشاء، لا حياة له، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا اختيار، ولم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، بل لم تزل السموات والأرض معه، وجودها مقارن لوجوده، لم يُحْدِثْها بعد عدمها، ولا له قدرة على إفنائها بعد وجودها، ما أنزل (^٤) على بشرٍ كتابًا، ولا أرسل إلى الناس رسولًا، فلا شرع يتبع، ولا رسول يطاع، ولا دار بعد هذه الدار، ولا مبدأ للعالم ولا معاد، ولا بعث ولا نشور، ولا جنة ولا نار، إن هي إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول، وأربعة أركان وأفلاك تدور، ونجوم تسير، وأرحام تدفع، وأرض تبلع، و﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفؤ له، تعالى عن إفك المبطلين، وخَرْص (^٥)
_________________
(١) في "غ": "الأيمان".
(٢) في "ج، غ، ص": "وقاربهم".
(٣) في "غ": "لا".
(٤) في "خ": "ما أنزل الله .. ".
(٥) في "ج، ب": "وخوض".
[ ٧ ]
الكاذبين، وتقدَّس عن شرك المشركين، وأباطيل الملحدين.
كَذَبَ العادلون به سواه، وضَلُّوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢].
وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفوتُه من خلقه وخِيرتُه من بَرِيَّتِه، وأمينُه على وَحْيهِ، وسفيرُه (^١) بينه وبين عباده. ابتعثه بخير مِلَّة وأحسن شِرْعة، وأظهر دلالة وأوضح حُجَّة، وأبْيَنِ برهانٍ إلى جميع العالمين: إنسهم وجنَّهم، عَرَبهم وعَجَمِهم، حاضرِهم وبَادِيهم؛ الذي بشَّرتْ به الكتب السالفة، وأخبرتْ به الرُّسل الماضية، وجرى ذكره في الأعصار، في القرى والأمصار والأمم الخالية، ضُرِبَتْ لنبوَّتِهِ البشائرُ مِنْ عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر، كلَّما قام رسولٌ أُخذ عليه الميثاقُ بالإيمان به والبشارة بنبوَّته، حتى انتهت النبوَّةُ إلى كَلِيْم الرحمن، موسى بنِ عِمْرَانَ، فأذَّن بنبوَّته على رؤوس الأشهاد بين بني إسرائيل، مُعْلِنًا بالأذان: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران" (^٢) إلى أن ظهر المسيح ابن مريم، عبدُ الله ورسولُه، وروحُه وكلمتُه التي ألقاها إلى مريم فأذَّن بنبوَّته أذانًا لم يؤذّنْه أحدٌ مثلُه قَبْلَه (^٣).
فقام في بني إسرائيل مقامَ الصَّادق النَّاصح -وكانوا لا يُحبُّون
_________________
(١) في "غ": "وسفيرته".
(٢) سفر تثنية الاشتراع؛ فصل (٣٣) فقرة (٢).
(٣) في "غ": "قبلُ".
[ ٨ ]
النَّاصحين- فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
تالله لقد أذَّن المسيح أذانا سَمِعه (^١) البادي والحاضر، فأجابه المؤمنُ المصدِّق، وقامت حُجَّةُ الله على الجاحد الكافر. الله أكبر الله أكبر عما يقول فيه المبطلون. ويصفه به الكاذبون، وينسبه إليه المفترون والجاحدون.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ له ولا كُفْؤ له، ولا صاحبةَ له، ولا وَلَدَ له (^٢)، بل هو الأحدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ، ولم يُوْلَدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ.
ثم رفع صوته بالشهادة لأخيه وأَوْلى النَّاس به؛ بأنه عبد الله ورسوله، وأنه أركون (^٣) العالَم، وأنه روحُ الحق الذي لا يتكلم من قِبَل نَفْسهِ، إنما يقول ما يقال له، وأنه يخبر (^٤) الناس بكل ما أعدَّ الله لهم، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالغيوب ويجيئهم بالتأويل، ويوبِّخ العالَم على الخطيئة، ويخلِّصهم من يد الشيطان، وتستمرّ شريعته وسلطانه إلى آخر الدَّهْر، وصرَّح في أذانه باسمه ونَعْتِه وصِفَتِه وسيرته حتى كأنهم ينظرون إليه عيانًا (^٥).
ثم قال حيَّ على الصلاةِ خلفَ إمام المرسلين وسيِّدِ ولد آدَمَ
_________________
(١) في "ص": "أسمعه"، وفي "ب": "أسمع".
(٢) في "ج، غ" زيادة: "ولا والد له".
(٣) في "ب": "أركان"، وفي "غ": "اركعون". والأركون هو العظيم.
(٤) في "غ": "يجيء".
(٥) انظر: العهد الجديد، يوحنا: ١٦/ ٧ - ١٤.
[ ٩ ]
أجمعين، حيَّ على الفلاح باتباع مَنِ السعادةُ في اتِّباعهِ، والفلاِحُ في الدخول في زمرة أشياعه، فأذَّن وأقام وتولَّى وقال: "لستُ أدَعُكم كالأيتام، وسأعود وأصلي وراء هذا الإمام، هذا عهدي إليكم، إنْ حفظتموه دام لكم المُلْكُ إلى آخر الأيام" (^١).
فصلَّى اللهُ عليه منْ ناصع بشَّرَ برسالة أخيه -عليهما أفضل (^٢) الصلاة والسلام- وصدَّق به أخوه، ونزّهه عما قال فيه وفي أمِّه أعداؤه المغضوبُ عليهم من الإفك والباطل وزُوْرِ الكلام، كما نزَّه ربَّه وخالقه ومُرْسِلَه عمَّا قال فيه المثلِّثةُ عُبَّاد الصليب، ونسبوه إليه من النَّقْص والعَيْبِ والذّمِّ.
أما بعد:
فإنَّ الله -جلَّ ثناؤهُ وتقدَّست أسماؤه وتبارك اسمُه وتعالى جَدُّه ولا إله غيره- جعلَ الإسلامَ عصمةً لمن لجأ (^٣) إليه، وجُنَّةً لمن استمسك به وعضَّ بالنواجذ عليه، فهو حَرَمُه الذي مَنْ دخله كان من الآمنين، وحِصْنُهُ الذي من لجأ إليه كان من الفائزين، ومَنِ انقطع دونه كان من الهالكين، وأبى أن يقبل من أحد دينًا سواه -ولو بذل في المسير إليه جهده واستفرغ قواه (^٤) - فأظهره على الدِّين كلِّه حتى طبَّق مشارقَ الأرض ومغاربَها، وسار مَسِيْرَ الشَّمس في الأقطار، وبَلَغَ إلى حيث انتهى اللَّيلُ والنَّهار.
_________________
(١) انظر: يوحنا: ١٤/ ١٥ - ١٩.
(٢) ساقط من "ص".
(٣) في "ص": "يلجأ".
(٤) في "ب، ج": "قوله".
[ ١٠ ]
وعَلَتِ الدعوةُ الإسلاميَّة وارتفعت غايةَ الارتفاع والاعتلاء، بحيث صار أصلها ثابتًا، وفرعها في السماء، فتضاءلت لها جميع الأديان، وخَرَّت (^١) تحتها الأممُ منقادةً بالخضوع والذلِّ والإذعانِ، ونادى المنادي بشعارها في جوِّ السماء بين الخافِقَيْن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صارخًا بالشهادتين، حتى بطلت دعوة الشيطان، وتلاشت (^٢) عبادة الأوثان، واضمحلَّت عبادة النيران، وذل (^٣) المثلِّثة عُبَّاد الصُّلْبان، وتقطَّعت الأمةُ الغضبيَّة في الأرض كتقطُّع السَّراب في القِيْعَان.
وصارت كلمة الإسلام العليا، وصار له في قلوب الخلائق المثل الأعلى، وقامتْ براهينُه وحججُه على سائر الأمم في الآخرة والأولى، وبلغت منزلتُه في العُلَى والرفعة (^٤) الغايةَ القُصْوى، وأقام لدولته (^٥) ومصطفيه أعوانًا وأنصارًا، نشروا ألويتَهُ وأعلامَهُ، وحفظوا من التغيير والتبديل حدودَهُ وأحكامَهُ، وبلَّغوا إلى نظرائهم -كما بلَّغ إليهم مَنْ قَبْلَهُم- حلالَه وحرامَهُ، فعظَّموا شعائره، وعلَّموا شرائعه، وجاهدوا أعداءه بالحجة والبيان حتى اسْتَغْلَظَ وَاسْتَوَى على سُوْقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ويَغِيظُ الكُفَّارَ.
وعلا بنيانُه المؤسَّسُ على تقوى من الله ورضوان، إذْ (^٦) كان بناء
_________________
(١) في "ب، غ، ص": "وجرت".
(٢) في "غ": "تداشت".
(٣) بهامش "ب" عن نسخة أخرى: "وذلت".
(٤) في "ب، ج، غ": "العلو والدفعة".
(٥) في "ب، ج": "له وإليه".
(٦) في "ب": "إذا".
[ ١١ ]
غيره مؤسَّسًا على شفا جُرُفٍ هارٍ، فتبارك الذي رفع منزلته، وأعلى كلمتَه، وفخَم شأنَه، وأشاد بنيانَه، وأذلَّ مُخَالفيه ومُعَانديه، وكَبَتَ من يُبْغِضه ويُعادِيه، ووسمهم بأنَّهم شَرُّ الدوابِّ، وأعدَّ لهم -إذا قدموا عليه- أليمَ العقاب (^١)، وحكم لهم بأنهم أضلُّ سبيلًا من الأنعام، إذِ استبدلوا الشركَ بالتوحيد، والضلالَ بالهدى، والكفرَ بالإسلام، وحكم -سبحانه- لعلماء الكفر وعباده حكمًا يشهد ذوو العقول بصحته ويرونه شيئًا حسنًا، فقال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
فصل (^٢)
فأين يذهب مَنْ تولَّى عن توحيد ربّه وطاعته، ولم يرفع رأسًا بأمره ودعوته، وكذَّب رسولَه وأعرضَ عن متابعته، وحادَ عن شريعته، ورَغِبَ عن ملَّتِه واتَّبع غير سُنَّتِه، ولم يستمسك (^٣) بعهده، ومكَّن الجهلَ من نفسه، والهوى والعنادَ من قلبِه، والجحودَ والكفرَ مِنْ صَدْرهِ، والعصيانَ والمخالفةَ مِنْ جوارحه، فقد قابل خبر الله بالتكذيب، وأمْرَهُ بالعصيان، ونهيَه بالارتكاب، يَغْضَبُ الربُّ وهو راضٍ، ويرضى وهو غضبان، يحبُّ ما يبغض، ويبغض ما يحبُّ، ويوالي من يعاديه، ويعادي من
_________________
(١) في هامش "ب": "العذاب".
(٢) زيادة في "غ، وب".
(٣) في "ج": "يتمسك".
[ ١٢ ]
يواليه (^١)، يدعو إلى خلاف ما يرضى، وينهى عبدًا إذا صلَّى، قد اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَضَلهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ فأصمَّه وأبكمه وأعماه، فهو ميِّت الدارين، فاقد السَّعادتين، قد رضي بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة (^٢)؛ فقَلْبُه عن ربه مصدود (^٣)، وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود، فهو وليُّ الشيطان وعدوُّ الرَّحمن، وحليف الكفر والفسوق والعصيان.
رضي المسلمون بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدِ رسولًا، ورضي المخذولُ بالصَّليب والوثنِ إلهًا، وبالتَّثليث والكفر دِيْنًا، وبسبيل الضَّلال والغضب سبيلًا. أَعصى النَّاس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته، وأَطْوَعُهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته، فإذا سُئِل في قبره: من ربُّك وما دينُك ومن نبيُّك؟ قال: آه، آه، لا أدري. فيقال: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَيْتَ، وعلى ذلك حَييْتَ، وعليه متَّ وعليه (^٤) تُبْعثُ إن شاء الله تعالى. ثم يُضْرَمُ عليه قبرُه ناَرًا، ويضيق عليه كالزُّجِّ في الرُّمح إلى قيام الساعة (^٥).
_________________
(١) في "ص": "يوليه".
(٢) في "ب": "مخاسرة" وفي هامشها: "الخاسرة".
(٣) في "ب": "لصدود". وصححت في الهامش.
(٤) ساقط من "غ".
(٥) إشارة إلى أحاديث نبوية واردة في ذلك، أخرجها البخاري في الجنائز، باب عذاب القبر: ٣/ ٢٣٢، ومسلم في الجنة وصفتها: ٤/ ٢٢٠٠، وأبو داود في السنة، باب المسألة في القبر: ٧/ ١٣٩، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر: ٤/ ١٨١، وغيرهم.
[ ١٣ ]