(أحدها) أنَّ هذا بَهْتٌ من قائله؛ فإنا لم نَبْنِ أساس شريعتنا في الحلال والحرام والأمر والنهي إلا على كتاب ربنا المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]، (الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ) (^٣)، الذي تحدَّى به الأمم كلَّها على اختلاف علومها وأجناسها وطبائعها، وهو في غاية الضعف وأعداؤه طبَّقوا الأرض أن يعارضوه بمثله فيكونوا أولى بالحقِّ منه ويظهر كذبه وصدقهم فعجزوا عن ذلك، فتحدَّاهم (بأن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا) (^٤)، فتحدَّاهم بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.
_________________
(١) في المطبوع: "وأما المسألة السادسة فهي قول السائل".
(٢) ساقط من "ص، غ".
(٣) ما بين القوسين ساقط من "ج، غ، ص".
(٤) ساقط من "ص".
[ ٢٧٤ ]
هذا وأعداؤه الأدْنَون (^١) إليه أفصحُ الخَلْق، وهم أهل البلاغة والفصاحة واللَّسن والنظمِ والنثر والخُطَب وأنواع الكلام، فما منهم من فاه في معارضته ببنت شَفة، وكانوا أحرص الناس على تكذيبه وأشدَّهم أذى له بالقول والفعل والتنفير عنه بكل طريق، فما نُقِل (^٢) عن أحد منهم سورة واحدة عارَضَهُ بها؛ إلا مسيلمة الكذاب بمثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقِّي كم تنِقّين، لا الشاربَ تمنعين، ولا الماء تكدِّرين. ومثل: والطَّاحنات طَحْنًا، والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، إهَالَةً وسَمْنًا. وأمثال هذه الألفاظ التي هي بألفاظ أهل الجنون والمعتوهين أشبه منها بألفاظ العقلاء.
فالمسلمون إنما بَنَوا أساس دينهم ومعالم حلالهم وحرامهم على الكتاب الذي لم ينزل من السماء كتابٌ أعظمُ منه، فيه بيان كلِّ شيء وتفصيلُ كلِّ شيء وهدًى ورحمة وشفاء لما في الصدور، به هدى الله رسولَه وأمته فهو أساس دينهم.
(الثاني) أنَّ قولكم: إنَّ المسلمين بَنَوا أساس دينهم على رواية عوامٍّ من الصحابة = من أعظم البَهْت وأفحش الكذب؛ فإنَّهم وإنْ كانوا أُميِّين (^٣)، فمذ بعث الله فيهم رسوله زكَّاهم وعلَّمهم الكتاب والحكمة، وفضَّلهم في العلم والعمل والهدى والمعارف الإلهية والعلوم النافعة المكمِّلة للنفوس على جميع الأمم، فلم تَبْق (^٤) أمَّةٌ من الأمم تُدَانيهم في
_________________
(١) في "ب": "الأذلون".
(٢) في "ب، غ، ص": "يقرّ"، وفي "ب": "نفر".
(٣) في "د": "أمنين".
(٤) في "غ، ص": "يبق".
[ ٢٧٥ ]
فضلهم وعلومهم وأعمالهم ومعارفهم، فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة وعلم وهدى وبصيرة إلى ما عندهم: لم يظهر له نسبةٌ إليه بوجهٍ ما، وإن كان غيرهم من الأمم أعلم بالحساب والهندسة، والكَمِّ المتَّصل والكم المنفصل، والنبض والقارورة والبول والغائط (^١)، ووزن الأنهار ونقوش الحيطان، ووضع الآلات العجيبة، وصناعة الكيميا، وعلم الفلاحة، وعلم الهيئة، وتسيير الكواكب، وعلم الموسيقى والألحان، وغير ذلك من العلوم (^٢) التي هي بين علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة، وبين علم نَفْعُه في العاجلة وليس من زاد المعاد.
فإن أردتم أنَّ الصحابة كانوا عوامَّ في أصل العلوم فنعم إذًا، "وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عَارُها" (^٣).
وإن أردتم أنهم كانوا عوامَّ في العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ودينه وشرعه وتفاصيله (واليوم الآخر وتفاصيله) (^٤) وتفاصيل ما بعد الموت وعلم سعادة النفوس وشقاوتها، وعلم صلاح القلوب وأمراضها = فمن بَهَتَ نبيَّهم بما بهته به وجحد نبوته ورسالته التي هي للبصائر أظهر من الشمس للأبصار = لم ينكر له أن يبهت أصحابه
_________________
(١) في "ج": "الفائط". وفي "غ": "القنبطة". وفي "د": "القسطة". والقُسْط: بخور معروف عند العرب.
(٢) ساقطة من "د".
(٣) هذا عجز بيت من الشعر لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره: وعيَّرها الواشون أنّي أحبُّها … انظر: "ديوان الهذليين" ص (٢١). و"ظاهر عنك": لا يعلق بك. أي إن ما عيّرها به الواشون من محبته لها ليس عارًا يستحيا منه، وإنما هو مفخرة.
(٤) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
[ ٢٧٦ ]
ويجحد فضلهم ومعرفتهم، وينكر ما خصَّهم الله به وميَّزهم على مَنْ قبلهم، ومن هو كائن مِنْ بعدهم إلى يوم القيامة؟!
وقد كان الحواريون الذين نقلوا لأتباع المسيح معالم دينه وسيرة المسيح، لا يعلمون شيئًا (من ذلك، حتى منَّ الله بالمسيح، وشاهدوا ما خصَّه الله به من الآيات، وأظهر على يده المعجزات، وكمّل نفوسهم بالعلوم الإلهية والفضائل النفسانية، فصاروا يفعلون ما نقله الجمُّ الغفير إلينا عنهم من العجائب، ويدوِّنون العلوم. كلُّ ذلك ببركته. وكذلك هؤلاء - أعني الصحابة ﵃ (^١).
وكيف يكونون عوامَّ في ذلك وهم أذكى الناس فطرةً وأزكاهم نفوسًا، وهم يتلقَّونه غضًّا طريًّا ومحضًا لم يُشَبْ عن نبيهم، وهم أحرص الناس عليه وأشوقهم إليه، وخبر السماء يأتيهم على لسانه في ساعات الليل والنهار والحضر والسفر، وكتابُهم قد اشتمل على علومِ الأولين والآخرين، وعلمِ ما كان من المبدأ والمعاد، وتخليق العالم وأحوال الأمم الماضية، والأنبياء وسِيَرِهم وأحوالهم مع أُممهم، ودرجاتهم ومنازلهم عند الله، وعددهم، وعدد المرسلين منهم، وذِكْرِ كتبهم، وأنواع العقوبات التي عذَّب الله بها أعداءهم، وما أكرم به أتباعَهم، وذِكْرِ الملائكَة وأصنافهم وأنواعهم وما وكلوا به واستعملوا فيه، وذِكْرِ اليوم الآخر وتفاصيل أحواله، وذكر الجنة (وتفاصيل نعيمها والنار وتفاصيل عذابها) (^٢)، وذكر البَرْزخَ وتفاصيل أحوال الخلق فيه (^٣)، وذكر أشراط
_________________
(١) ما بين القوسين من "د" فقط.
(٢) في "غ، ص" هكذا: "والنار، وتفاصيل نعيم الجنة وتفاصيل عذاب النار".
(٣) من قوله "وذكر البرزخ … " ساقط من "غ، ص".
[ ٢٧٧ ]
الساعة والإخبار بها مفصلًا بما لم يتضمنه كتاب غيره من حين قامت الدنيا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أخبر به المسيح عنه من قوله في الإنجيل وقد بشَّرهم به فقال: "وكل شيء أعدَّه الله تعالى لكم يخبركم به" (^١) وفي موضع آخر منه: "ويخبركم بالحوادث والغيوب" (^٢). وفي موضع آخر: "ويعلمكم كل شيء" (^٣) وفي موضع آخر منه: "يحيي لكم الأسرار، ويفسر لكم كل شيء، وأجيئكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل" (^٤) وفي موضع آخر: "إن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذلك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب" (^٥).
فمَنْ هذا عِلمُه بشهادة المسيح، وأصحابه يتلقَّون ذلك جميعه عنه، وهم أذكى الخلق وأحفظهم وأحرصهم، كيف تدانيهم أمة من الأمم في هذه العلوم والمعارف؟.
ولقد صلَّى رسولُ الله ﷺ يومًا صلاةَ الصُّبْح ثم صعد المنبر فَخَطَبَهُمْ حتى خَضَرتِ الظهر، ثم نزل فصلَّى، وصعد فخطبهم حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلَّى وخطبهم حتى حضرتِ المغرب، فلم يَدَعْ شيئًا إلى قيام السَّاعة إلا أخبرهم به. فكان أَعْلَمُهم أحْفَظَهم (^٦).
_________________
(١) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٣).
(٢) الموضع نفسه.
(٣) السابق: (١٦/ ١٤).
(٤) إنجيل يوحنا: (١٦/ ٢٥).
(٥) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٣).
(٦) أخرجه مسلم في الفتن، باب إخبار النبي ﷺ فيما سيكون: (٤/ ٢٢١٧).
[ ٢٧٨ ]
وخطبهم مرة أخرى خُطْبةً فذكَرَ بَدْأ الخلق حتى دخل أهلُ الجنَّة منازلَهم وأهلُ النار منازلهم (^١).
وقال يهوديٌّ لسَلْمان: لقد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخراءة! قال: أجل (^٢)؟!.
فهذا اليهوديُّ كان أعلم بنبيِّنا من هذا السائل وطائفته!
وكيف يُدَّعى في أصحاب نبيِّنا أنهم عوام، وهذه العلوم النافعة المبثوثة في الأمة -على كثرتها واتساعها وتفنن ضروبها- إنما هي عنهم مأخوذة، ومن كلامهم وفتاويهم مستنبطة؟
وهذا عبد الله بن عباس كان من صبيانهم وفتيانهم وقد طَبَّقَ الأرض علمًا، وبلغت فتاويه نحوًا من ثلاثين سِفْرًا، وكان بحرًا لا يَنْزِف، لو نزل به أهلُ الأرض لأوسعهم علمًا، وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لا يحسن سواه، (فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه) (^٣)، فإذا أخذ في السنَّة والرواية عن النبيِّ ﷺ يقول القائل: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسِيَر الماضين فكذلك، فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك، فإذا أخذ (^٤) في الشِّعر والغريب فكذلك (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى "وهو الذي يبدأ الخلق": (٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، ومسلم في الموضع السابق نفسه.
(٢) أخرجه مسلم في الطهارة: (١/ ٢٢٣).
(٣) ساقط من "غ، ج" وكأنه انتقال نظر من الناسخ.
(٤) ساقطة من "ج".
(٥) انظر: "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: (٣/ ٩٣٩).
[ ٢٧٩ ]
قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. قال: هم أصحاب محمد ﷺ (^١).
ولما حضر معاذًا الموتُ قيل له: أَوْصِنَا. قال: أجْلِسُوني، إنَّ العلم والإيمان (بمكانهما مَنِ اقتفاهما وجدهما) (^٢) عند أربعةِ رَهْطٍ: عند عُوَيْمر أبي الدَّرْدَاء، وعند سَلْمانَ الفَارِسيّ، وعند عبدِ الله بنِ مسعودٍ، وعند عبد اللهِ بنِ سَلَام، فإنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّه عاشِرُ عَشْرةٍ في الجنَّةِ" (^٣).
وقال أبو إسحاق السَّبِيْعيّ: قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة؛ فرجل بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة. فأما هذان فيَسْألان الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يَسْألُهما عن شيء (^٤).
وقيل لعليِّ بن أبي طالب: حدِّثْنا عن أصحاب رسول الله ﷺ، قال: عن أيِّهم؟ قالوا: عن عبد الله بن مسعود، قال: قرأ القرآنَ وعَلِم السنَّة، ثم انتهى، وكفى بذلك.
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي": (٣/ ٥٩٤)، "الدر المنثور": (٥/ ٢٢٦).
(٢) ساقط من "غ، ص".
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عبد الله بن سلام: (٥/ ٦٧١) وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وعبد الرزاق في المصنف برقم (٢٠١٦٤).
(٤) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق": (١٣/ ١٧٣)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء": (٢/ ٣٤٣) وقال: "إسناده ضعيف". والمراد بعالم الكوفة: عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، وعالم المدينة علي بن أبي طالب، كما في رواية الذهبي.
[ ٢٨٠ ]
قالوا: فحدِّثْنا عن حذيفةَ: قال: أعْلَمُ أصحاب محمد بالمنافقين.
قالوا: فأبو ذَرٍّ؟ قال: كُنَيْفٌ (^١) مُلِئَ عِلْمًا عُجِنَ فيه.
قالوا: فعمَّار؟
قال: مؤمنٌ نَسِيٌّ إذا ذكَّرْتَه ذَكَر، خَلَطَ الله الإيمانَ بلحمه ودمه، ليس للنار فيه نصيب.
قالوا: فأبو موسى؟ قال: صُبِغَ في العلم صبغةً.
قالوا: فسَلْمان؟ قال: عَلِم العِلْم (^٢) الأول والآخر، بحر لا يَنْزِحُ، هو منَّا أهلَ البيت.
قالوا: فحدِّثْنا عن نفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: إيَّاها أردتم، كنت إذا سُئِلتُ أعطيتُ، وإذا سكتُّ ابتديت (^٣).
وقال مسروق: شافهتُ (^٤) أصحاب محمد ﷺ فوجدت عِلْمَهم ينتهي إلى ستة؛ إلى عليٍّ، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبيِّ بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم ينتهي إلى علي وعبد الله (^٥).
وقال مسروق: جالست أصحاب محمد ﷺ وكانوا كالإخاذ؛
_________________
(١) في "ب": "كنف". والكنيف: الوعاء.
(٢) ساقطة من "ج".
(٣) أخرجه ابن سعد في "الطبقات": (٢/ ٣٤٦).
(٤) في "ص، ب": "شاممت" ومعناها: قاربتُ وعرفت ما عندهم بالاختبار والكشف.
(٥) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٥١)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء": (٢/ ٤٤٣)، وإسناده حسن.
[ ٢٨١ ]
الإخاذ يُرْوي الرَّاكب، والإخاذ يُروي الرَّاكِبَيْن، والإخاذ يُرْوي (^١) العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وإنَّ عبد الله من ذلك الإخاذ (^٢).
وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَا أنا نائمٌ أُتِيْتُ بقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ منه حتى أرى الرِّيَّ يخرجُ من أظْفَارِي، ثم أَعطَيْتُ فَضْلِيَ عُمَرَ" فقالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يا رسولَ اللهِ، فقال: "العِلْمَ" (^٣).
وقال عبد الله (^٤): إني لأَحْسَبُ أنَّ عمر بن الخطَّاب قد ذهب بتسعة أعشار العلم (^٥).
وقال عبد الله: لو أنَّ عِلْم عمرَ بنِ الخطَّاب وضع في كِفَّة الميزان، ووضع عِلْمُ أهل الأرض في كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ (^٦).
وقال حذيفة بن اليمان: كأنَّ عِلْمَ الناس مع علم عمر دُسَّ في جُحْر (^٧).
وقال الشَّعْبِيُّ: قضاةُ هذه الأمة (^٨) أربعةٌ: عمر، وعليٌّ، وزيد، وأبو موسى.
_________________
(١) ساقط من "ب، ج".
(٢) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، والذهبي في "السِّير": (١/ ٤٩٣).
(٣) أخرجه البخاري في العلم، باب فضل العلم: (١/ ٥٢) (طبعة المنيرية)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل عمر ﵁: (٤/ ١٨٥٩).
(٤) سقط هذا الأثر من "غ، ص".
(٥) أخرجه ابن سعد في "الطبقات": (٢/ ٣٣٦).
(٦) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٣٦).
(٧) المصدر السابق نفسه.
(٨) ساقطة من "ج، د".
[ ٢٨٢ ]
وقال قَبيْصَةُ بنُ جابر: ما رأيت رجلًا قط أعْلَمَ بالله، ولا أقْرَأَ لكتاب الله، ولا أفْقَهَ في دين الله مِنْ عُمَرَ (^١).
وقال عليٌّ: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأنا حديث السنِّ، ليس لي علم بالقضاء. فقلت: إنك تُرْسِلُني إلى قومٍ يكون فيهم الأحداث، وليس لي علم بالقضاء. قال: فضرب في صدري، وقال: "إنَّ الله سَيَهْدِي (^٢) قَلْبكَ ويُثَبِّتُ لسانَك". قال: فما شككت في قضاءٍ بين اثنين بعده (^٣).
وفي "الصحيح" عن عبد الله بن مسعود قال: كنت أرعى غنمًا لعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْط، فمرَّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال لي: "يا غلام! هل من لبن؟ " فقلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال لي: "فهل من شاةٍ لم يَنْزُ عليها الفَحْلُ"؟ قال: فأتيتُه بشاةٍ فمسح ضَرْعَهَا، فنزل لبنٌ فحَلَبَه في إناءٍ، فشَرِبَ وسَقَى أبا بكر، ثم قال للضَّرْع: "اقلُصْ" فقَلَص، قال: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسولَ الله علِّمْني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: "يَرْحَمك اللهُ، إنَّك غُلَيِّمٌ (^٤) مُعَلَّم" (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في "الطبقات": (٣/ ٣٥١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق": (٥/ ٤٥٠)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء": (٢/ ٤٣٤).
(٢) في "ص، غ": "سيهديك ويهدي".
(٣) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب كيفية القضاء: (٤/ ١١)، وابن ماجه في الأحكام، باب ذكر القضاة: (٢/ ٧٧٤)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في القاضي …: (٣/ ٦١٨)، وأحمد في "المسند": (١/ ٨٣).
(٤) في "ب، ج": "غلام". وقوله: "غُلَيِّم" تصغير غلام. و"معلَّم": موفَّق من الله تعالى للتعلُّم، أو ستكون معلِّمًا.
(٥) أخرجه الإمام أحمد: (١/ ٣٧٩)، وابن حبان برقم (٧٠٦١)، وأبو يعلى برقم =
[ ٢٨٣ ]
وقال عُقْبَةُ بنُ عامرٍ (^١): ما أرى أحدًا أعْلَمَ بما أُنْزِل على محمدٍ من عبد الله. فقال أبو موسى: إنْ تَقُلْ ذلك فإنه كان يسمع حين لا نَسمع، ويَدْخلُ حين لا نَدْخُل (^٢).
وقال مَسْرُوقٌ: قال عبد الله: ما أُنْزِلَتْ سورةٌ إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أَنّي أعلم أنَّ رجلًا أعْلَمُ بكتاب الله مني تبلُغُه الإِبِل والمَطَايَا لأتَيْتُه (^٣).
وقال عبدُ الله بن بُرَيْدَة في قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]. قال: هو عبد الله بن مسعود (^٤).
وقيل لمسروق: كانت عائشة تُحْسِنُ الفَرائِضَ؟ قال: والله لقد رأيتُ الأكابرَ من أصحابِ رسول الله ﷺ يسألونها عن الفَرائِضِ (^٥).
وقال أبو موسى: ما أشكل علينا -أصحابَ محمد ﷺ- حديثٌ قَطّ
_________________
(١) = (٥٠٩٦) والطبراني في الكبير برقم (٨٤٥٦)، والبيهقي في "الدلائل": (٨٤١٦).
(٢) في "غ، ص، ب": "عمر"، وفي "ج": "عتبة بن عمر".
(٣) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٤٢).
(٤) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن مسعود: (٤/ ١٩١٣).
(٥) انظر: "تفسير البغوي": (٤/ ١٥٦ - ١٥٧)، "تفسير القرطبي": (١٦/ ٢٣٨)، "الدر المنثور": (٦/ ٥٠).
(٦) أخرجه الترمذي في المناقب، باب فضل عائشة ﵂: (١٠/ ٣٨٠). وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، والحاكم: (٤/ ١١) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
[ ٢٨٤ ]
فَسَأَلْنَا عائشةَ إلا وَجَدْنَا عندها منه عِلْمًا (^١).
وقال شَهْرُ بن حَوْشَب: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هَيْبَةً له (^٢).
وقال عليّ بن أبي طالب: أبو ذر وعاء مُلِئَ علمًا، ثم وُكِيَ عليه، فلم يخرج منه شيء حتى قُبِضَ (^٣).
وقال مسروق: قَدِمْتُ المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الرَّاسخين في العلم (^٤).
ولما بلغ أبا الدرداء مَوْتُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: أما إنِّه لم يُخَلِّف بعده مِثْلَه (^٥).
وقال أبو الدرداء: إنَّ من الناس من أُوتي علمًا ولم يُؤْتَ حِلْمًا، وشدَّادُ بنُ أَوْسٍ ممن أُوتِيَ عِلْمًا وحِلْمًا (^٦).
ولما مات زيد بن ثابت قام ابن عباس على قبره، وقال: هكذا يذهب العلم (^٧).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الموضع نفسه.
(٢) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء": (١/ ٢٣١)، وذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة": (١/ ٤٩٥).
(٣) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٥٤).
(٤) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٦). وذكره ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب.
(٥) انظر: "سير أعلام النبلاء": (١/ ٤٩٣).
(٦) أبو نعيم في "الحلية": (١/ ٢٦٤).
(٧) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٦١).
[ ٢٨٥ ]
وضمَّ رسولُ الله ﷺ ابنَ عباسٍ وقال: "اللهمَّ عَلِّمْه الحِكْمَةَ وتَأْوِيْلَ الكِتَاب" (^١).
وقال محمد بن الحَنَفِيَّة لما مات ابن عباس: لقد مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة (^٢).
وقال (عُبَيْدُ اللهِ بنُ) (^٣) عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ: ما رأيتُ أحدًا أعْلَمَ بالسنَّة ولا أجْلَدَ رأيًا ولا أَثْقَبَ نَظَرًا -حين يَنْظُر- من ابن عباس (^٤).
وكان عُمَرُ بنُ الخطَّاب يقول له: قد طرأتْ علينا عُضَل أقضيةٍ أنت لها ولأمثالها، ثم يقول عُبَيْدُ الله: وعُمَرُ عُمَرُ في جدِّه، وحُسْنِ نظره للمسلمين (^٥).
وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسًا قط أكْرَمَ من مجلس ابن عبَّاس: أكثر فقهًا وأعظم جفنة، وإنَّ أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر، يُصْدِرُهم كلَّهم في وادٍ واسع (^٦).
وكان عمر بن الخطاب يسأله مع الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ، ودعَا له رسولُ الله ﷺ أن يَزِيْده الله علمًا وفقهًا (^٧).
_________________
(١) أخرجه بنحوه البخاري في فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس: (٧/ ١٠٠).
(٢) أخرجه ابن سعد: (٢/ ٣٦٨)، والحاكم: (٣/ ٥٣٥)، وابن عبد البر: (٣/ ٩٣٤).
(٣) ساقط من "غ، ص".
(٤) رواه ابن سعد: (٢/ ٣٦٨).
(٥) رواه ابن سعد: (٢/ ٣٦٩).
(٦) انظر: "فضائل الصحابة" للإمام أحمد: (٢/ ٩٧٨).
(٧) المرجع السابق، "الاستيعاب" لابن عبد البر: (٣/ ٩٣٥).
[ ٢٨٦ ]
وقال عبد الله بن مسعود: لو أنَّ ابن عباسٍ أدرك أسْنَانَنَا ما عَشَرَه منَّا رجل. أي: ما بلغ عُشْرَه (^١).
وقال ابن عباس: ما سألني أحدٌ عن مسألة إلا عرفت أنَّه فقيه أو غير فقيه. وقيل له: أنَّى أصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سَؤول، وقلبٍ عَقُول. وكان يسمى البحر؛ من كثرة علمه (^٢).
وقال طاووس: أدركت نحو خمسين مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذَكَرَ لهم ابنُ عبَّاسٍ شيئًا فخالفوه، لم يزل بهم حتَّى يقرِّرَهُم (^٣).
وقال الأَعْمَشُ: كان ابن عباس إذا رأيتَه قلتَ: أجملُ النَّاس، فإذا تكلم قلتَ: أفْصَحُ الناس، فإذا حدَّث قلتَ: أَعْلَمُ الناس (^٤).
وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسَّرَ الشيء رأيتَ عليه النُّور.
وقال ابن سيرين: كانوا يَرَوْنَ أنَّ الرجل الواحد يعلم من العلم ما لا يعلمه الناس أجمعون. قال ابن عون: فكأنَّه رآني أنكرتُ ذلك! قال: فقال: أليس أبو بكرٍ كان يَعْلَمُ ما لا يعلمُ النَّاسُ؟ ثم كان عمر يعلم ما لا يعلم الناس (^٥)؟!
_________________
(١) أخرجه الحاكم: (٣/ ٥٣٧) وصححه على شرط الشيخين، وابن سعد: (٢/ ٣٦٦)، وابن عبد البر: (٣/ ٩٣٥).
(٢) انظر: فضائل الصحابة: (٢/ ٩٧٧)، حلية الأولياء: (١/ ٣١٨).
(٣) انظر: "سير أعلام النبلاء": (٣/ ٣٥١)، "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: (٣/ ٩٣٥).
(٤) "سير أعلام النبلاء": (٣/ ٣٥١)، "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: (٣/ ٩٣٥).
(٥) "طبقات ابن سعد": (٢/ ٣٣٦).
[ ٢٨٧ ]
وقال عبد الله بن مسعود: لو وُضِعَ عِلْم أحياء العرب في كِفَّة وعِلْمُ عُمَرَ في كِفَّة لَرَجَحَ بهم عِلْمُ عمر. قال الأعمش: فذكروا ذلك لإبراهيم فقال: عبدُ الله إنْ كنَّا لَنَحْسبُه قد ذهب بتسعة أعشار العلم (^١).
وقال سعيد بن المسيِّب: ما أعلم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ أعْلَمَ من عُمَرَ بنِ الخطَّاب (^٢).
وقال الشَّعبِيُّ: قضاةُ الناس أربعة: عمر، وعليٌّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري (^٣).
وكانت عائشة ﵂ مقدمة في: العلم، والفرائض، والسنن والأحكام، والحلال والحرام، والتفسير.
قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر: ما جالستُ أحدًا قط أعْلَمَ بقضاءِ، ولا بحديثِ الجاهليَّة، ولا أروى للشِّعر، ولا أعْلَمَ بفريضةٍ ولا طبٍّ مِنْ عائشة (^٤).
وقال عطاء: كانت عائشةُ أعلمَ النَّاس وأَفْقَهَ النَّاس (^٥).
وقال البخاريُّ في "تاريخه": روى العِلْمَ عن أبي هريرةَ ثمانمائة رجلٍ، ما بين صاحب وتابع (^٦).
وقال عبد الله بن مسعود: إنَّ الله نَظَرَ في قُلوب العبادِ، فوجد قَلْبَ
_________________
(١) تقدم قبل قليل.
(٢) انظر: "طبقات ابن سعد": (٢/ ٣٥١).
(٣) تقدم قبل قليل.
(٤) أخرجه الحاكم: (٤/ ١١). وانظر: "سير أعلام النبلاء": (٢/ ١٨٣).
(٥) المصدر نفسه.
(٦) انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري: (٣/ ٦٢).
[ ٢٨٨ ]
محمدٍ خَيْرَ قلوب العبادِ، فاصطفاه وبعثَهُ برسالتِهِ، ثم نَظَر في قلوبِ العبادِ (^١) بَعْدَ قلبِ محمدٍ ﷺ، فَوَجَد (قلوبَ أصحابهِ) (^٢) خَيْرَ قلوبِ العبادِ، فَجُعِلُوا وُزَرَاءَه (^٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] قال: هم أصحابُ محمد ﷺ (^٤).
وقال ابنُ مسعودٍ: من كان منكم مُسْتَنًّا فليستَنَّ بمَنْ قد ماتَ؛ فإنَّ الحيَّ لا يُؤْمَنُ عليه الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمدٍ، أَبَرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعْمَقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لإقامةِ دينِه وصُحْبَةِ نبيِّه، فاعْرِفُوا لهم حقَّهم، وتَمسَّكُوا بِهَدْيهم؛ فإنَّهم كانوا على الهدى المستقيم (^٥).
وقد (^٦) أثنى اللهُ -سبحانه- عليهم بما لم يُثْنِهِ على أمةٍ من الأمم سواهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عُدولًا خيارًا.
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
_________________
(١) في "غ، ص" بعدها: "واصطفى من بعد".
(٢) ساقط من "د".
(٣) أخرجه الإمام أحمد: (١/ ٣٧٩). قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون". انظر: "مجمع الزوائد": (١/ ١٧٧).
(٤) رواه الطبري: (٢٠/ ٢). وانظر: "تفسير البغوي": (٢/ ٤٠٩)، "تفسير ابن كثير": (٣/ ٣٧٠).
(٥) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" من قول عبد الله بن عمر: (١/ ٣٠٥). وانظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: (٢٠/ ٤٣٣) (تحقيق الدكتور التركي).
(٦) سقط من طبعة دار القلم حتى قوله "قال الشافعي" ص (٢٩١).
[ ٢٨٩ ]
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وهم محمد وأصحابه.
وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "أنتم تُوَفُّون سبعين أمّةً أنتم خَيْرُهَا وأكْرَمُهَا على الله ﷿" (^١).
وقال تعالى (^٢): ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال مالكٌ عن نافع: كان ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمَر يجلسان للنَّاس عند قدوم الحاجِّ، وكنت أجلس إلى هذا يومًا وإلى هذا يومًا، فكان ابنُ عبَّاس يجيبُ ويُفْتِي في كلِّ ما يُسْأَلُ عنه، وكان ابنُ عُمَرَ يردُّ أَكْثَرَ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد: (٤/ ٤٤٧)، وابن ماجه في الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ: (٢/ ١٤٣٣) والبغوي في "التفسير": (١/ ٤٠٤). قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٩٧): "رواه أحمد ورجاله ثقات".
(٢) تكررت الآية الكريمة في "غ، ص".
[ ٢٩٠ ]
ممَّا يُفْتِي (^١).
قال مالك: وسمعتُ "أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَل يكون أمام العلماء بِرَتْوَةٍ" (^٢). يعني: يكون أمامهم يومَ القيامة برَمْيَةِ حَجَر (^٣).
وقال مالك: أقام ابن عُمَرَ بعد النبيِّ ﷺ ستين سنةً يُفْتي الناس في الموسم وغير ذلك، وكان من أئمة الدين (^٤).
وقال عمر لِجَرِيْرٍ: يرحمك الله إنْ كنتَ لسيِّدًا في الجاهليَّة، فقيهًا في الإسلام!
وقال محمد بن المُنْكَدِر: ما قَدِمَ البَصْرَةَ أحد أفْضَلَ من عِمْرانَ بنِ حُصَيْن (^٥).
وكان لجابر بنِ عبد الله حلقةٌ في مسجد رسول الله ﷺ يُؤْخَذُ عنه العلم.
والعلم إنما انتشر في الآفاقِ عن أصحاب رسول الله ﷺ، فهم الذين فتحوا البلادَ بالجهادِ، والقلوبَ بالعلمِ والقرآنِ، فملؤوا الدنيا خيرًا وعِلْمًا، والناسُ اليومَ في بقايا آثارِ عِلْمهم (^٦).
قال الشَّافِعيُّ في "رسالته" -وقد ذكر الصحابة فعظَّمهم وأثنى عليهم
_________________
(١) انظر: "سير أعلام النبلاء": (٣/ ٢٢٢).
(٢) المصدر السابق: (١/ ٤٤٩).
(٣) ساقطة من "غ، ص".
(٤) "سير النبلاء": (٣/ ٢٢١).
(٥) "المستدرك" للحاكم: (٣/ ٤٧٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٦) إلى هنا انتهى السقط الذي أشرت إليه قبل قليل.
[ ٢٩١ ]
ثم قال-: وهم فوقَنا في كلِّ علمٍ واجتهادٍ، وورعٍ وعَقْلٍ، وأمر استُدْرِك به عِلمٌ، وآراؤهم لنا أحْمَدُ وأولى بنا من آرائنا، ومَنْ أدركنا ممن نرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرَّقوا، وكذلك نقول ولم نخرج من أقاويلهم كلِّهم.
وقال الشافعيُّ: وقد أثنى الله على الصحابة في التوراة والإنجيل والقرآن، وسبَقَ لهم على لسان نبيِّهم ﷺ من الفضل ما ليس لأحدٍ بعدهم (^١).
وقال أبو حنيفة: إذا جاء عن النبيِّ ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار مِنْ قولهم ولم نَخْرج عنه (^٢).
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لما دخل أصحابُ رسول الله ﷺ الشَّام نظر إليهم رجلٌ من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحابُ عيسى ابنِ مريمَ الذين قُطِّعوا بالمناشير وصُلِّبوا على الخشب بأشدَّ اجتهادًا من هؤلاء (^٣).
_________________
(١) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي، ص (٥٩٦) وما بعدها ففيها هذا المعنى، وأشار المصنف ﵀ إلى أن هذا في كتاب الرسالة البغدادية. انظر: "أعلام الموقعين": (١/ ٨٠).
(٢) رواه الصيمري في "أخبار أبي حنيفة وصاحبيه"، ص (١٠ و١١)، والموفق المكي في "مناقب أبي حنيفة" ص (٨٠ - ٨١)، والسيوطي في "تبييض الصحيفة"، ص (٢٩)، وذكره الذهبي في "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه"، ص (٣٢ - ٣٣).
(٣) انظر: "أعلام الموقعين" للمصنف ﵀: (٢/ ٣٠٩)، "الاستيعاب" لابن عبد البر: (١/ ١٣).
[ ٢٩٢ ]
وقد شهد لهم الصادقُ المَصْدُوق الذي لا يَنْطِق عن الهوى: بأنهم خير القُرون على الإطلاق (^١).
كما شهد لهم ربُّهم ﵎ بأنهم خير الأُمم على الإطلاق (^٢). وعلماؤهم وتلاميذهم هم الذين ملؤوا الأرض عِلمًا، فعلماء الإسلام كلُّهم تلاميذُهم وتلاميذُ تلاميذِهم وهلمَّ جرًّا. وهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبَّق عِلْمُهم الأرض شرقًا وغربًا هم تلاميذُ تلاميذِهم. وخيارُ ما عندَهم ما كان عن الصحابة، وخيارُ الفقه ما كان عنهم، وأصحُّ التفسير ما أُخِذ عنهم.
وأما كلامُهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وقضائه وقدره؛ ففي أعلى المراتب؛ فمن وقف عليه وعرف ما قالَتْه الأنبياءُ عَرفَ (^٣) أنه مشتقٌّ منه مُتَرْجَم عنه، وكلُّ علمٍ نافعٍ في الأمة فهو مُسْتنبَطٌ من كلامهم ومأخوذٌ عنهم.
وهؤلاء تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم؛ قد طبَّقتْ تصانيفُهم وفتاويهم الأرضَ. فهذا مالكٌ جمعت فتاويه في عِدَّة أسفار، وكذلك أبو حنيفة، وهذه تصانيف الشافعيِّ تقارب المائة، وهذا الإمام أحمد بلغت فتاويه وتآليفه نحو مائة سِفْر، وفتاويه عندنا في نحو عشرين سِفْرًا، وغالب تصانيفه، بل كلُّها عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين.
_________________
(١) كما في حديث: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم … " أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ: (٤/ ١٩٦٤).
(٢) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٣) ساقطة من "غ، ص".
[ ٢٩٣ ]
وهذا علَّامتهم (^١) المتأخر "شيخ الإسلام ابن تيمية" جمع بعضُ أصحابِه فتاواه في ثلاثين مجلدًا ورأيتها في الديار المصريَّة.
وهذه تآليف أئمة الإسلام التي لا يُحْصِيها إلا الله، وكلُّهم -من أولهم إلى آخرهم- يُقِرُّ للصحابة بالعلم والفضل، ويعترف بأن عِلْمَه بالنسبة إلى علومهم كعلومهم بالنسبة إلى علم نبيِّهم.
وفي "الثقفيات" حدَّثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري، عن أبيه، أنَّ كعبًا رأى حَبْر اليهود يبكي، فقال له: ما يُبْكيك؟ قال: ذكرتُ بعض الأمر، فقال كعب: أَنْشُدُك الله لئن أخبرتُك ما أبكاك لتصدقنِّي؟ قال: نعم. قال: أنشُدُك الله: هل تجد في كتاب الله المنزَّل أنَّ موسى نظر في التوراة فقال: ربِّ إني أجدُ خير أمة أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجَّال. فَاجْعَلْهُم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحَبْر: نعم.
قال كعب: فأنشُدُك الله، هل تجدُ في كتاب الله المنزَّل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا ربِّ إني أجد أمةً هم الحمَّادون رعاة الشمس المحكَّمون إذا أرادوا أمرًا قالوا: نفعله إن شاء الله. فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
فقال كعب: فأنشُدُك الله أتجدُ في كتاب الله المنزَّل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا ربّ إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شَرَفٍ كبَّر الله وإذا هبط حَمِدَ الله؛ الصعيدُ طَهُورهم، والأرض لهم مسجدٌ حيثما
_________________
(١) في "ص، غ": "غلامهم".
[ ٢٩٤ ]
كانوا، يتطهَّرون من الجنابة، طُهورهم بالصعيد كطُهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غُرًّا محجلين من آثار الوضوء فاجعلْهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
قال كعب: فأنشُدُك الله أتجد في كتاب الله أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمةً مرحومةً ضعفاء، أورثْتَهم الكتاب فاصطفَيْتَهم لنفسك، فمنهم ظالمٌ لنفسه، ومنهم مُقْتَصِدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات، فلا أجد أحدًا منهم إلا مرحومًا فاجعلْهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشُدُك الله أتجد في كتاب الله أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمةً مصاحِفُهم في صدورهم، يصفُّون في صلاتهم كصفوف الملائكة، أصواتُهم في مساجدهم كدَوِيِّ النَّحْل، لا يدخل النارَ منهم أحدٌ إلا من بَرِئ من الحسنات مثل ما برئ الحجرُ من وَرَقِ الشجر. قال موسى: فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدًا وأمته قال: ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهنَّ ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] الآية. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. قال: فرضي موسى كلَّ الرِّضَا (^١).
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي": (٢/ ١٤٩ - ١٥١)، "المحرر الوجيز" لابن عطية: (٦/ ٨٥ - ٨٧)، "تفسير ابن كثير": (٢/ ٢٤٩)، "الدر المنثور": (٣/ ٥٥٧ - ٥٥٨).
[ ٢٩٥ ]
وهذه الفصول بعضها في التوراة التي بأيديهم، وبعضها في نبوة إشَعْيَا، وبعضها في نبوة غيره.
"والتوراة الأولى" (^١) أعم من التوراة المعيَّنة، وقد كان الله -سبحانه- كتب لموسى في الألواح من كلِّ شيء موعظةً وتفصيلًا لكلِّ شيء، فلما كسرها رُفع منها الكثير وبقي خيرٌ كثير، فلا يقدحُ في هذا النقلِ جَهْلُ أكثر أهل الكتاب به، فلا يزال في العلم الموروث عن الأنبياء شيءٌ لا يعرفه إلا الآحاد من الناس أو الواحد. وهذه الأمةُ -على قرب عهدها بنبيها- في العلم الموروث عنه ما لا يعرفه إلا الأفراد القليلون جدًّا من أمته، وسائرُ الناس مُنْكرٌ له وجاهل به.
وسمع كعبٌ رجلًا يقول: رأيت في المنام كانَّ الناس جُمِعوا للحساب؛ فدُعِي الأنبياء، فجاء مع كلِّ نبيٍّ أمتُه، ورأيت لكلِّ نبيٍّ نورَيْن، ولكلِّ من اتبعه نورًا يمشي بين يديه، فدُعِي محمد ﷺ فإذا لكل شعرة في رأسه ووجهه نورٌ، ولكلِّ من اتبعه نوران يمشي بهما. فقال كعب: من حدَّثك بهذا؟ قال: رؤيا رأيتها في منامي. قال: أنت رأيتَ هذا في منامك؟ قال: نعم، قال: والذي نفسي بيده إنها لَصِفَةُ محمدٍ وأمته وصِفَةُ الأنبياء وأممهم، لكأنما قرأتها من كتاب الله (^٢).
وفي بعض الكتب القديمة: أنَّ عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه قيل له: يا رُوْحَ الله! هل بعد هذه الأمة أمة؟: قال: نعم. قيل: وأية أمة؟ قال: أمة أحمد. قيل: يا روح الله! وما أمة أحمد؟ قال: علماء
_________________
(١) ساقطة من "غ، ص".
(٢) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: (١/ ٣٤٧).
[ ٢٩٦ ]
حكماء (^١) أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل، يُدْخِلُهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله.
وقال كعب: علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل. وفيه حديث مرفوع لا أعرف (^٢) حاله (^٣).
ثم نقول: وما يدريكم -مَعَاشرَ المثلِّثةِ وعبَّاد الصُّلْبان وأمةَ اللعنةِ والغضب- بالفقه والعلم؟ ومسمى (^٤) هذا الاسم حيث تسلبونه أصحابَ محمدٍ الذين هم وتلاميذهم كأنبياء بني إسرائيل. (وهل يميز بين العلماء والجهَّال ويَعْرف مقاديرَ العلماء إلا مَنْ هو من جملتهم ومعدودٌ في زمرتهم؟!) (^٥).
فأمَّا طائفةٌ شبَّه الله علماءهم بالحمير التي تحمل أسفارًا، وطائفةٌ علماؤها يقولون في الله ما لا ترضاه أمة من الأمم فيمن تعظِّمه وتجلُّه، وتأخذ دينها عن كلِّ كاذب ومُفْتَرٍ على الله وعلى أنبيائه = فمَثَلُها مَثَل عريان يحارب شاكي السلاح، ومَنْ سقف بيتِه زجاجٌ وهو يُرَاجِمُ (^٦)
_________________
(١) في "د": "حلماء".
(٢) في "ج": "لا أعرفه ولا أعرف … ".
(٣) قال السيوطي وابن حجر والزركشي: نقله بعض العلماء على أنه حديث مرفوع، ولا أصل له، ولا يعرف في كتاب معتبر. انظر: "تمييز الطيب من الخبيث" ص (١٢١)، "كشف الخفاء": (٢/ ٨٣).
(٤) في "غ، ص": "يسمي"، وفي "د": "تسمي".
(٥) الفقرة بين القوسين جاءت في "غ، ص" قبل قوله: ثم نقول …
(٦) في "غ، ص": "يراحم" بالمهملة، وفي "د" "يزاحم".
[ ٢٩٧ ]
أصحاب القصور بالأحجار. ولا يُسْتكثر على مَنْ قال في الله ورسوله ما قال أنْ يقول في أعلم الخَلْقِ إنِّهم عوام.
فلْيَهْنِ أمة الغضب عِلْمُ "المشنا" (^١) و"التلمود" وما فيهما من الكذب على الله وعلى كليمه موسى، وما يحدث لهم أحبارهم وعلماء السوء منهم كل وقت. ولتهنهم علومٌ دلَّتْهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شقَّ عليه، وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، ودلتهم على أن يناجوا في صلاتهم بقولهم: يا إلهنا انتبه من رَقْدَتك كم تنام؟! ينخونه حتى يتنخى لهم ويعيد دولتهم.
ولتهن أمة الضلال علومُهم التي فارقوا بها جميع شرائع الأنبياء وخالفوا بها المسيح خلافًا تتحققه علماؤهم في كل أمره -كما ستمر بك- وعلومهم التي قالوا بها في ربِّ العالمين ما قالوا مما كادت السموات تنشقُّ منه والأرض تنفطر والجبال تَنْهَدُّ (^٢) لولا أنْ أمسكها الحليم الصَّبُور.
وعلومهم التي دلتهم على التثليث، وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة بالسيرقون والزُّنْجُفْر (^٣)، ودلتهم على قول عالمهم "أفريم" أنَّ اليد التي جلبت طينة آدم هي التي علقت على الصلبوت، وأن الشبر الذي
_________________
(١) كتاب جمع فيه بعض علمائهم ما كانوا يتناقلونه مما لم يدون في التوراة.
(٢) ساقطة من "ج".
(٣) معدن حاصل من ازدواج الزئبق بالكبريت، ومسحوقه أحمر ناصع يستعمله المصوّرون والكتاب. انظر: "المعجم الوسيط": (١/ ٤٠٤).
[ ٢٩٨ ]
ذرعت به السموات هو الذي سمر على الخشبة، وقول عالمهم عريقودس (^١): من لم يقل: إن مريم والدة الله فهو خارج عن ولاية الله!!!.
_________________
(١) في "غ، ص": "عرنقوس".
[ ٢٩٩ ]