(أحدها) أن يقال: ماذا على الرُّسل الكرام من معاصي أممهم وأتباعهم؟ وهل يقدح ذلك شيئًا في نبوتهم أو يغبر وَجْه (^٣) رسالتهم؟! وهل سَلِمَ من الذنوب -على اختلاف أنواعها وأجناسها- إلا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟! وهل يجوز رَدُّ رسالتهم وتكذيبُهم بمعصية بعض أتباعهم لهم؟! وهل هذا إلا من أقبح التعنت (^٤)؟! وهو بمنزلة رجل مريض (دعاه طبيب ناصح إلى سبب ينال به غاية عافيته (^٥)، فقال: لو كنتَ طبيبًا لم يكن فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ (^٦) مرضى!) (^٧) وهل يلزم الرسل أن يَشْفُوا جميع المرضى بحيث لا يبقى في العالم مريض؟! هل
_________________
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) في "ب" إشارة إلى نسخة أخرى فيها: "الجبن".
(٣) في "د": "أو يوجب تغييرًا في وجه". وفي "ب": "أو يغير في وجه … ".
(٤) في "د": "النعت".
(٥) في "ب": "عاقبته".
(٦) في "د": "فعلًا".
(٧) ما بين القوسين ساقط من "د".
[ ٣٠٠ ]
تعنّت (^١) أحد من الناس للرسل بمثل هذا التعنُّت؟!
(الوجه الثاني) أن الذنوب والمعاصي أمْرٌ مشترك بين الأمم، لم تزل في العالم من طبقات بني آدم -عالمهم وجاهلهم، وزاهدهم في الدنيا وراغبهم، وأميرهم ومأمورهم- وليس ذلك أمرًا اختصَّتْ به هذه الأمة حتى يقدح به فيها وفي نبيِّها.
(الوجه الثالث) أن الذنوب والمعاصي لا تنافي الإيمان بالرسل، بل يجتمع في العبدِ الإسلامُ والإيمانُ، والذنوب والمعاصي، فيكون فيه هذا وهذا. فالمعاصي لا تنافي الإيمانَ بالرسل، وإنْ قدحت في كماله وتمامه.
(الوجه الرابع) أن الذنوب تغفر بالتوبة النصوح، فلو بلغت ذنوب العبد عَنَان السماء وعدد الرمل والحصا ثم تاب منها: تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. فهذا في حقِّ التائب؛ فإنَّ التوبة تَجُبُّ ما قَبْلَها، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له، والتوحيد يكفِّر الذنوب، كما في الحديث الصحيح الإلهيِّ (^٢): "ابنَ آدمَ لو لَقِيْتَنِي بِقُرَاب الأرض خَطَايا ثم لَقِيْتَني لا تشركُ بي شيئًا لَقِيْتُك بِقُرَابِها مغفرةً" (^٣).
_________________
(١) في "ب": "يتعنت".
(٢) أي الحديث القدسي. وهو ما يرويه النبي ﷺ عن ربِّه ﵎.
(٣) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء: (٤/ ٢٠٦٨)، والترمذي في الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار: (٥/ ٥٤٨ - ٥٤٩).
[ ٣٠١ ]
فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحِّدٍ، إنْ قوي التوحيدُ على محو آثارها بالكلية، وإلا فما معهم من التوحيد يُخْرِجُهم من النار إذا عُذِّبوا بذنُوبِهم.
وأما المشركون والكفار: فإنَّ شِرْكَهم وكُفْرَهم يُحْبِطُ حسناتهم، فلا يَلْقَون ربَّهم بحسنةٍ يرجون بها النَّجاةَ، (ولا يُغْفَرُ لهم شيء من ذنوبهم) (^١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال تعالى في حقِّ الكفار والمشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال رسول الله ﷺ: "أبى اللهُ أن يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا" (^٢).
فالذنوب تزول آثارها بالتوبةِ النَّصوح، والتوحيدِ الخالصِ، والحسناتِ الماحيةِ، والمصائبِ المكفِّرة لها، وشفاعةِ الشافعين في الموحِّدين، وآخر ذلك إذا عُذِّب بما يبقى عليه منها أخرجه توحِيدُه من النار؛ وأما الشرك بالله والكفر بالرسول فإنه يُحْبِط جميعَ الحسنات بحيث لا تبقى معه حسنةٌ.
(الوجه الخامس) أن يقال لِمُورِد هذا السؤال إن كان من الأمة الغَضَبِيَّة إخوانِ القِرَدَة (^٣): ألا يستحي من إيراد هذا السؤال مَنْ آباؤه
_________________
(١) في "ص": "ولا يكفر لهم شيء". وفي "د": "ولا يعقب لهم شيء من مغفرة".
(٢) أخرجه الإمام أحمد: (٥/ ٤)، وهو في الطبعة الجديدة المحققة برقم (٢٠٠٣٧): (٣٣/ ٢٣٧). قال الشيخ الأرناؤوط: إسناده حسن.
(٣) في "غ، ص": "القرود".
[ ٣٠٢ ]
وأسلافه كانوا يشاهدون في كلِّ يوم من الآيات ما لم يَرَهُ غيرهم من الأمم؟! وقد فَلَق اللهُ لهم البحر وأنجاهم من عدوِّهم وما جفَّتْ أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؟
ولما ذهب لميقات ربه لم يُمْهِلُوه أن عبدوا بعد ذهابه العِجْلَ المَصُوغَ (^١)، وغُلِب أخوه هارون معهم ولم يقدر على الإنكار عليهم، وكانوا -مع مشاهدتهم تلك الآيات (^٢) والعجائب- يهمُّون برجم موسى وأخيه هارون في كثير من الأوقات والوحيُ بين أَظْهُرِهِم!! ولما نَدَبَهم إلى الجهاد قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. وآذوا موسى أنواع الأذى حتى قالوا: إنه آدَر (^٣) ولهذا (^٤) يغتسل وحده، فاغتسل (^٥) يومًا ووضع ثوبه على حجر ففرَّ الحجر بثوبه فَعَدَا خلفه عُرْيَانًا حتى نظر بنو إسرائيل إلى عورته فرأوه أحسن خَلْق الله متجرِّدًا (^٦).
ولما مات أخوه هارون قالوا: إن موسى قتله وغيَّبه. فرفعت الملائكةُ لهم تابوته بين السماء والأرض حتى عاينوه ميتًا (^٧). وآثروا
_________________
(١) في حاشية "ب" إشارة إلى سفر (٣) إصحاح (٣٣) في الحاشية.
(٢) ساقطة من "د".
(٣) أي منتفخ الخصية.
(٤) في "د": "وهذا لكونه كان .. ".
(٥) في "ب": "واغتسل".
(٦) انظر: "صحيح البخاري" مع "الفتح": (٦/ ٤٣٦).
(٧) انظر: "تفسير الطبري": (٢٢/ ٥٢)، "تفسير البغوي": (٣/ ٥٨٨)، "الدر المنثور": (٦/ ٦٦٦)، "فتح الباري": (٨/ ٥٣٨).
[ ٣٠٣ ]
العود إلى مصر وإلى العبودية ليشبعوا من أكل اللحم والبصل والقِثَّاء والعَدَس، هكذا عندهم (^١).
والذي حكاه الله عنهم: أنهم آثروا (ذلك على) (^٢) المنِّ والسَّلْوى.
وانهماكهم على الزِّنا -وموسى بين أظهرهم، وعدوُّهم بإزائهم- حتى ضعفوا عنهم ولم يظفروا بهم، وهذا معروف عندهم، وعبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون معروف (^٣).
وتحيُّلهم على صيد الحيتان في يوم السبت لا تَنْسَه، حتى مُسِخوا قردة خاسئين!!
وقتلهم الأنبياء بغير حق حتى قتلوا في يوم واحد سبعين نبيًّا، في أول النهار، وأقاموا السوق آخره كأنهم جزروا غنمًا. وذلك أمر معروف!!
وقتلهم يحيى بن زكريا، ونشرهم إياه بالمنشار، وإصرارهم على العظائم، واتِّفاقُهم على تغيير كثير من أحكام التوراة.
ورميهم لوطًا بأنه وَطِئ ابنتيه وأولدهما، ورميهم يوسف بأنّه حلَّ سراويله وجلس من امرأة العزيز مجلس المرأة من القابلة حتى انشقَّ له (^٤) الحائط وخرجت له كَفُّ يعقوب وهو عاضٌّ على أنامله، فقام وهرب، وهذا لو رآه أفسق الناس وأفجرهم لقام ولم يَقْضِ غرَضَه.
_________________
(١) انظر: "سفر الخروج": (١٦/ ٣).
(٢) ساقط من "د".
(٣) انظر: سفر صموئيل الأول: (١/ ١٢).
(٤) ساقطة من "غ، ص".
[ ٣٠٤ ]
وطاعتهم للخارج على ولد سليمان بن داود لما وضع لهم كبشين من ذهب فعكفت جماعتهم على عبادتهما، إلى أن جَرَتْ الحرب بينهم وبين المؤمنين الذين كانوا مع ولد سليمان، وقُتِل منهم في معركةٍ واحدة ألوفٌ مؤلَّفة.
أفلا يستحي عُبَّاد الكباش والبقر من تعيير الموحِّدين بذنوبهم؟!.
أَوَلا تستحي ذرية قَتَلَةِ الأنبياء من تعيير المجاهدين لأعداء الله؟! فأين ذريةُ مَنْ سيوفُ آبائهم تقطر (من دماء الأنبياء ممن تقطر سيوفُهم) (^١) من دماء الكفار والمشركين؟!.
أوَلَا يستحي من يقول في صلاته لربِّه: انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك، ينخيه بذلك ويحمّيه، من تعيير من يقول في صلاته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فلو بلغتْ ذنوبُ المسلمين عدد الحصا والرِّمال والتراب والأنفاس ما بلغتْ مبلغ قَتْلِ نبيٍّ واحد، ولا وصلتْ إلى قول إخوان القردة (^٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقولهم: إنَّ الله بكى على الطوفان حتى رَمِدَ من البكاء، وجعلت الملائكةُ تعوده، وقولهم: إنه عضَّ أنامله على ذلك، وقولهم: إنه ندم على خَلْق البشر وشقَّ عليه لما رأى من معاصيهم وظلمهم. وأعظمُ من
_________________
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) في "غ، ص": "القرود".
[ ٣٠٥ ]
ذلك نسبةُ هذا كلِّه إلى التوراة التي أنزلها على كَلِيْمِه. فلو بلغت ذنوبُ المسلمين ما بلغت لكانت في جنب ذلك كتفلة في بحر!!
ولا تَنْس قصة أسلافهم مع شاؤول الخارجِ على داودَ؛ فإنَّ سوادهم الأعظم انضمَّ إليه وشدُّوا معه على حرب داود، ثم لما عادوا إلى طاعة داود وجاءت وفودهم وعساكرهم مستغفرين معتذرين بحيث اختصموا في السَّبْق إليه فنبغ منهم شخص ونادى بأعلى صوته: لا نصيبَ لنا في داود ولا حظَّ في شاؤول (^١)، ليَمْضِ كلٌّ منكم إلى خبائه يا إسرائيليين، فلم يكن بأوشك من أن ذهب جميع عسكر بني إسرائيل إلى أخبيتهم بسبب كلمته، ولما قتل هذا الصائح عادت العساكر جميعها إلى خدمة داود، فما كان القوم إلا مثل هَمَجٍ رَعَاع، يجمعهم طبل وتفرِّقهم عصا!!.
وهذه الأمة الغضبية، وإن كانوا مفترقين افتراقًا كثيرًا، فيجمعهم فرقتان: القرَّاؤون والربانيون. وكان لهم أسلاف فقهاء، وهم صنَّفوا (^٢) لهم كتابين: أحدهما يسمى "المشنا" ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة، والثاني يسمى "التلمود"، ومبلغه قريب من نصف حمل بغل. ولم يكن المؤلِّفون له في عصر واحد وإنما ألَّفوه في جيلٍ بعد جيل، فلما نظر متأخروهم إلى ذلك وأنه كلَّما مرَّ عليه الزمان زادوا فيه. وفي الزيادات المتأخرة ما ينقض كثيرًا من أوله، علموا أنهم إنْ لم يقفلوا باب الزيادة وإلا أدَّى إلى الخَلَل الفاحش؛ فقطعوا الزيادة وحظروها على فقهائهم (^٣)
_________________
(١) في "غ، ص": "شاييل".
(٢) في "غ، ص": "صنعوا".
(٣) في "غ، ص": "فقايهم".
[ ٣٠٦ ]
وحرموا من يزيد عليه شيئًا، فوقف الكتاب على ذلك المقدار (^١).
وكان فقهاؤهم قد حرَّموا عليهم -في هذين الكتابين- مؤاكلةَ مَنْ كان على غير مِلَّتهم، وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبائح مَنْ لم يكن على دينهم، لأنهم عَلِمُوا أنَّ دينهم لا يبقى عليهم مع كونهم تحت الذل والعبودية وقَهْر الأمم لهم إلا أنْ يصدُّوهم عن مخالطة مَنْ كان على غير مِلَّتهم، وحرَّموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يُمْكِنْهم ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ويَكْذِبون فيها على الله.
فإن التوراة إنما حرَّمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا أزواجهم في عبادة الأصنام والكفر بالله.
وإنما حرمت عليهم أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قربانًا للأصنام؛ لأنه سمَّى عليها غير اسم الله، فأما ما ذُكِر عليه اسمُ الله وذُبِح لله فلم تنطق التوراةُ بتحريمه البتَّة، بل نطقت بإباحة أكلهم من أيدي غيرهم من الأمم.
وموسى إنما نهاهم عن مناكحة عُبَّاد الأصنام خاصة، وأكْلِ ما يذبحونه باسم الأصنام.
قالوا: التوراةُ حرَّمت علينا أكل الطريفا، قيل لهم: الطريفا هي الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيرهما من السِّباع، كما قال في التوراة: "ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا وللكلب ألقوه" (^٢).
_________________
(١) انظر: "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل بن يحيى المغربي، ص (١٨٣) وما بعدها، فالنص مأخوذ منه بتصرف يسير. وكذلك ما بعده.
(٢) العهد القديم، سفر الخروج: (٢٢/ ٣١).
[ ٣٠٧ ]
فلما نظر فقهاؤهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عُبَّاد الأصنام، وصرَّحت التوراة بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف استدراج المخالطة إلى المناكحة، والمناكحةُ قد تستتبع الانتقالَ من دينهم إلى أديانهم (^١)، وموافَقَتَهم في عبادة الأوثان. ووجدوا جميع هذا واضحًا في التوراة = اختلقوا كتابًا سموه "هلكت شحيطا" (^٢). وتفسيره: علم الذباحة، ووضعوا في هذا الكتاب من الآصار والأغلال ما شغلوهم به عمَّا هم فيه من الذل والصَّغَار والخِزْي.
فأمروهم (^٣) فيه أن ينفخوا الرِّئةَ حتى يملؤوها هواء، ويتأملوها (^٤) هل يخرج الهواء من ثُقْبٍ منها أم لا؟ فإن خرج منها الهواء: حرَّموه، وإن كانت بعض أطرافِ الرئة لاصقةً ببعض: لم يأكلوه.
وأمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يُدْخِل يده في بطن الذبيحة ويتأمل بأصابعه؛ فإن وَجَد القلبَ ملتصقًا إلى الظهر، أو أحد الجانبين -ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة-: حرَّموه ولم يأكلوه وسموه "طُرَيْفا".
ومعنى هذه اللفظة عندهم أنه نجس حرام. وهذه التسمية عدوان منهم؛ فإنَّ معناها في لغتهم هي الفريسة التي يفترسها السَّبُع، ليس لها معنى في لغتهم سواه، وكذلك (^٥) عندهم في التوراة أنَّ إخوة يوسف لما جاؤوا بقميصه ملطَّخًا بالدم قال يعقوب في جملة كلام: "طاروف
_________________
(١) في "غ": "دينهم".
(٢) في "غ، ص": "سخيطا".
(٣) في "ب": "وأمروهم".
(٤) في "ص": "يتأملونها". وهو خطأ.
(٥) في "د": "ولذلك".
[ ٣٠٨ ]
طوراف (^١) يوسيف" تفسيره: وحش ردي أكله، افتراسًا افترس يوسف (^٢).
وفي التوراة: "ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا" (^٣) فهذا الذي حرمته التوراة من الطريفا، وهذا نزل عليهم وهم في التِّيْه، وقد اشتدَّ قَرَمُهُم (^٤) إلى اللَّحم فمنعوا من أكل الفريسة والميتة.
ثم اختلفوا في خرافات وهذيانات تتعلق بالرئة، وقالوا: ما كان من الذبائح سليمًا من هذه الشروط فهو "دخيا" (^٥)، وتفسيره: طاهر، وما كان خارجًا عن ذلك فهو: "طريفا"، وتفسيره: نجس حرام.
ثم قالوا: معنى قوله في التوراة: "لحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه، للكلب ألقوه" يعني: إذا ذبحتم ذبيحةً، ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها، بل بيعوها على مَنْ ليس من أهل مِلَّتكم. قالوا: ومعنى قوله: "للكلب ألقوه" أي: لمن ليس على مِلَّتكم فهو الكلب، فأطعِمُوه إيَّاه بالثمن (^٦).
فتأمَّل هذا التحريفَ والكذبَ على الله وعلى التوراة وعلى موسى، وكذلك (^٧) كذبهم الله على لسان رسوله في تحريم ذلك فقال في السورة
_________________
(١) في "ب، ص": "طوارف". وفي "إفحام اليهود": "طارف طوارف يوسف".
(٢) سفر التكوين: (٣٧/ ٣٣).
(٣) سفر الخروج (٢٢/ ٣١).
(٤) في "ب": "قومهم" وهو تحريف. والقَرَم: شدة الشهوة إلى اللحم.
(٥) في "ب": "دوحنيا".
(٦) انتهى ما نقله بتصرف عن "بذل المجهود في إفحام اليهود" ص (١٨٣ - ١٩٤).
(٧) في "د": "ولذلك".
[ ٣٠٩ ]
المدنية التي خاطب فيها أهل الكتاب: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥].
وقال في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٦]. فهذا تحريم زائد على تحريم الأربعة المتقدمة.
وقال في سورة النحل وهي بعد هذه السورة نزولًا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨]. فهذا المحرَّم عليهم بنصِّ التوراة ونصِّ القرآن.
فلما نظر "القرَّاؤون" منهم -وهم أصحاب عنان (^١) وبنيامين- إلى هذه المُحَالات الشنيعة والافتراء الفاحش والكذب البارد على الله وعلى التوراة وعلى موسى وأنَّ أصحاب "التلمود والمشنا" (^٢) كذَّابون على الله وعلى التوراة وعلى موسى، وأنهم أصحاب حَماقَاتٍ ورَقَاعاتٍ، وأنَّ أتباعهم ومشايخهم يَزْعُمون أنَّ الفقهاء منهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة من هذه المسائل وغيرها يوحي الله إليهم بصوت يسمعونه: "الحق في
_________________
(١) في "ب": "عايان" وفي هامشها إشارة إلى نسخة أخرى: "عانان"، وهي كذلك في "إفحام اليهود" للسموأل، ص (١٩٥).
(٢) في "ب، ج": "الجمارا والمشنا".
[ ٣١٠ ]
هذه المسألة مع الفقيه فلان" ويسمون هذا الصوت (^١): "بث قول".
فلما نظر القَرَّاؤون إلى هذا الكذب المحال قالوا: قد فسق هؤلاء، ولا يجوز قَبُول (^٢) خبرِ فاسقٍ ولا فتواه، فخَالَفُوهم في سائر ما أصَّلوه من الأمور التي لم ينطق بها نصُّ التوراة. وأما تلك التُّرَّهَات التي ألَّفها فقهاؤهمِ الذين يسمونهم "الحخاميمِ" في علم الذباحة ورتَّبوها ونسبوها إلى الله فاطَّرَحَها القراؤون كلَّها وألغوْها، وصاروا لا يحرِّمون شيئًا من الذبائح التي يتولَّون ذبحها البتَّة، ولهم فقهاء أصحاب تصانيف إلا أنهم يبالغون في الكذب على الله، وهم أصحاب ظواهر مجردة، والأولون أصحاب استنباط وقياسات.
والفرقة الثانية يقال لهم: "الربَّانِيُّون" وهم أكثر عددًا، وفيهم الحخاميم (^٣) الكذابون على الله الذين زعموا أنَّ الله كان يخاطب جميعهم في كل مسألة بالصوت الذي يسمونه: "بث قول".
وهذه الطائفة أشدُّ اليهود عداوة لغيرهم من الأُمم، فإن الحخاميم أوْهَمُوهم بأنَّ الذبائح لا يحلُّ منها إلا ما كان على الشروط التي ذكروها، فإنَّ سائر الأمم لا تعرف هذا، وأنه شيء خُصُّوا به ومُيِّزوا بهم عمَّن سواهم. وأنَّ الله شرَّفهم به كرامةً لهم، فصار الواحد منهم ينظر إلى مَنْ ليس على نِحْلَتِه كما ينظر إلى الدَّابّة، وينظر إلى ذبائحه كما ينظر إلى الميتة.
_________________
(١) في "د": "الأصوات".
(٢) ساقطة من "ج". وفي "بذل المجهود": "الحاخاميم".
(٣) في "غ، ص": "الخحاميم".
[ ٣١١ ]
وأما "القرّاؤون" فأكثرهم خرجوا إلى دين الإسلام، ونَفَعَهم تمسُّكُهم بالظواهر، وعدمُ تحريفها إلى أن لم يَبْق منهم إلا القليل؛ لأنهم أقرب استعدادًا لقبول الإسلام لأمرين:
(أحدهما) إساءةُ ظنِّهم بالفقهاء المفترين على الله وطعنهم عليهم.
(والثاني) تمسكهم بالظواهر، وعَدَمُ تحريفِها وإبطالِ معانيها.
وأما أولئك "الربَّانِيّون" فإنَّ فقهاءهم وحخاميمهم (^١) حصروهم في مثل سَمِّ الخِيَاط بما وضعوا لهم من (التشديدات والآصار و) (^٢) الأغلال المضافة إلى الآصار والأغلال التي شرعها الله عقوبةً لهم، وكان لهم في ذلك مقاصد:
(منها): أنهم قصدوا بذلك مبالغتهم في (^٣) مضادَّة مذاهب الأمم حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطُهم بهم إلى موافقتِهِم والخروجِ من السبت واليهودية.
(والقصد الثاني): أنَ اليهود مُبَدَّدُون (^٤) في شرق الأرض وغربها وجنوبها وشمالها كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].
وما من جماعة منهم في بلدة إلا إذا قَدِمَ عليهم رجلٌ من أهل دينهم
_________________
(١) في "غ، ص": "خحاميمهم".
(٢) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
(٣) ساقطة من "غ، ص".
(٤) في "ب": "يشدِّدون"، وفي الحاشية إشارة إلى نسخة أخرى كما في المتن.
[ ٣١٢ ]
من بلاد بعيدة، يُظْهِرُ (^١) لهم الخشونةَ في دينه والمبالغةَ في الاحتياط، فإن كان من فقهائهم شرع في إنكار أشياء عليهم يوهِمُهم قلَّةَ دينِهِم وعِلْمِهم، وكلَّما شدَّد عليهم قالوا: هذا هو العالم. فأعلمُهم أعظمُهم تشديدًا عليهم، فتراه أول ما ينزل عليهم لا يأكل (^٢) من أطعمتهم وذبائحهم، ويتأمل سكين الذبَّاح، ويشرع في الإنكار عليه ببعض أمره، ويقول: لا آكل إلا من ذبيحة يدي، فتراهم معه في عذاب، ويقولون: هذا عالِمٌ غريب قَدِم علينا. فلا يزال ينكرُ عليهم الحلال ويشدِّدُ عليهم الآصار والأغلال ويفتحُ لهم أبواب المكر والاحتيال. وكلما فعل هذا قالوا: هذا هو العالم الربَّاني والحخيم الفاضل.
فإذا رآه رئيسهم قد مشى حاله، وقُبِل بينهم مقالُه وَزَنَ نفسه معه، فإذا رأى أنه ازدرى به وطعن عليه: لم يقبل منه، فإنَّ الناس في الغالب يميلون مع الغريب، وينسبه أصحابه إلى الجهل وقلة الدين، ولا يصدقونه لأنهم يرون القادم قد شدَّد عليهم وضيَّق، وكلَّما كان الرجل أعظم تضييقًا وتشديدًا كان أفْقَه (^٣) عندهم، فينصرف عن هذا الرأي فيأخذ في مدحه وشكره، فيقول: لقد عظَّم الله ثواب فلان؛ إذْ قوَّى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة وشيَّد أساسه وأحكم سياج الشرع. فيبلغ القادِمَ قولُه فيقول: ما عندكم أفقه منه، ولا أعلم بالتوراة، وإذا لقيه يقول: لقد زيَّن الله بك أهل بلدنا، ونعش بك هذه الطائفة!!
وإن كان القادم عليهم حَبْرًا من أحبارهم؛ فهناك ترى العجب
_________________
(١) في "ب": "وظهر".
(٢) في "ب": زيادة "ولا يشرب" في الحاشية.
(٣) في "غ، ص": "أفقد".
[ ٣١٣ ]
العجيب من الناموس الذي تراه يعتمده والسنن التي يُحْدِثها، ولا يعترض عليه أحد، بل تراهم مُسَلِّمين له، وهو يحتلب درَّهم ويحتلب دِرْهمَهم (^١)، وإذا بلغه عن يهوديٍّ طعن عليه صبر عليه حتى يرى منه جلوسًا على قارعة الطريق يوم السبت، أو يَبلُغَه أنه اشترى مِن مسلم لبنًا أو خمرًا، أو خرج عن بعض أحكام "المشنا والتلمود" = فحرمه بين ملأ اليهود وأباحهم عِرْضه، ونَسَبه إلى الخروج عن اليهودية، فيضيقُ به البلد على هذه الحال، فلا يسعه إلا أن يُصْلِح ما بينه وبين الحَبْر بما يقتضيه الحال، فيقول لليهود: إن فلانًا قد أبصر رُشْدَه، وراجع الحقَّ، وأقلع عمَّا كان فيه، وهو اليوم يهوديٌّ على الوضع، فيعودون له بالتعظيم والإكرام (^٢)!!.
وأذكر لك مسألة من مسائل شَرْعِهم المبدَّلِ أو المنسوخِ تُعْرَفُ بمسألة "البياما والحالوس" (^٣) وهي أن عندهم في التوراة: إذا أقام أخَوان في موضع واحدٍ ومات أحدهما ولم يُعْقِب ولدًا، فلا تصير امرأة الميت إلى رجل أجنبيٍّ، بل حموها (^٤) ينكحها، وأولُ ولدٍ يُولِدها يُنْسَب إلى أخيه الدارج، فإن أبى أن ينكحها خرجت متشكية إلى مشيخة قومه قائلة: قد أبى حَمُوْي (^٥) أن يستبقي اسمًا لأخيه في بني إسرائيل، ولم يُرِدْ نكاحي. فيُحْضِرُه ويكلِّفه أن يقف ويقول: ما أردتُ نكاحها، فتتناول
_________________
(١) يستحلب درّهم ويحتلب: يستجلبه.
(٢) انتهى ما نقله عن "بذل المجهود" للسموأل، ص (١٩٥ - ٢٠٠).
(٣) في "ب، ج، د": "الجالوس" بالمعجمة. وفي "بذل المجهود" للسموأل: "الحالوص".
(٤) في "ب، غ، ص": "ابن حموها".
(٥) في "غ، ص": "ابن حموي".
[ ٣١٤ ]
المرأة نعله فتخرجه من رِجْله وتمسكه بيدها وتبصق في وجهه وتنادي عليه: كذا فَلْيُصْنَع بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. ويُدْعَى فيما بعد بالمخلوع النعل، وينتبز بَنُوه بهذا اللقب (^١).
وفي هذا كالتَّلْجِئَةِ له إلى نكاحها، لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة وعليه ذلك فربما استَحْيَا وخَجل من شَيْل نعله مِنْ رجْله والبصْق في وجهه ونَبْزِه باللَّقَب المُسْتَكْرَهِ الذي يبقى عليه وعلى أَولاده عَارُه، ولم يجد بُدًّا من نكاحها؛ فإن كان من الزهد فيها والكراهة لها بحيث يرى أنَّ هذا كلَّه أسْهَلُ عليه من أن يُبْتَلى بها، وهان عليه هذا كله في التخلُّص منها: لم يُكْرَه على نكاحها.
هذا عندهم في التوراة؛ ونشأ لهم من ذلك فرع مرتَّبٌ عليه وهو: أنْ يكون مريدًا للمرأة (^٢) مُحِبًّا لها، وهي في غاية الكراهة له، فأحدثوا لهذا الفرع حكمًا في غاية الظلم والفضيحة؛ فإذا جاءت إلى الحاكم أحضروه معها ولقَّنُوها أن تقول: إنّ حَمُوْي (^٣) لا يقيم لأخيه اسمًا في بني إسرائيل، ولم يُرِدْ نكاحي، وهو عاشق لها -فيلزمونها بالكذب عليه وأنها أرادته فامتنع، فإذا قالت ذلك ألزمه الحاكم أن يقوم ويقول: ما أردتُ نكاحها. ونكاحُها غايةُ سُؤْله وأمنيتُه، فيأمرونه بالكذب عليها- فيخرج نعله من رجله إلا أنه لا مَسْك (^٤) هنا (ولا ضرب) (^٥)، بل يُبْصَق
_________________
(١) العهد القديم، سفر التثنية: (٢٥/ ٥ - ١٠).
(٢) في "ع": "للموات".
(٣) في "غ، ص": "ابن حموي".
(٤) في "غ": "لا شك".
(٥) ساقط من "غ، ص".
[ ٣١٥ ]